خلق الله ـ تعالى ـ الدنيا ، وجعلها ميدان اختبار وابتلاء ، فوفَّرَ فيها كل شروط الابتلاء ، ولهذا فنحن نتقلبُ في أنواع من المَشاق والصعوبات ، ويمكن لنا القول بأنَّ

الواحد مِنَّا يواجه نوعين من المشكلات والتحديات ...

1- تحديات خارجية ، وهذه تتمثل في الآتي :

ـ بيئة متخلفة متحجرة بعيدة عن شريعة الإسلام وهدي خير الأنام وعن مواكبة العصر ، وهذه ذات تأثير سلبي جداً لأنها تُغذّي وعي من يعيش فيها بالصور السوداء

وذكريات المحاولات الفاشلة .

ـ عدم وجود فرص كافية للعمل ؛ مما يجعل الإنسان يشعر بأن كل ما لديه من معرفة وخبرة ومهارة بات أشبه بعملة غير قابلة للتداول .

ـ مشكلات داخل الأسرة ، وهذه تتمثل في تَسلّط الآباء ، و في النزاعات والمشاكسات التي تقع بين الزوجين .

ـ فساد مالي وإداري عام ؛ مما يجعل استقامة المستقيم عقوبة له ، ويُسهًّل الحركة أمام الفاسدين والمفسدين .

ـ وجود الكثير من المُحترفين في التَّخذيل والتوبيخ والتثبيط عند أي انتكاسة يتعرض لها الإنسان في الحياة العملية و التجارية أو حتى الدينية .

ـ مرضٌ يُقعد الإنسان عن ممارسة أنشطته وعن العيش على نحوٍ طبيعي .

هذه التحديات موجودة بنِسَبٍ مختلفة في كل زمان ومكان ، وهي أدوات ابتلاء لبَنِي الإنسان ، لكن الذي ثبتَ أنَّ كل ما هو خارجي ـ أي غير نابع من الذات ـ يَظل هامشياً

وقد يكون له دور إيجابي إذ يَستنفر فينا القوى الكامنة ، ويبعث لدينا روح المقاومة والممانعة والتحدي ، وإنَّ المُتتبِّعَ لآيات الذكر الحكيم يجدُ أن هلاك الأمم السابقة لم يكن بسبب

القصور في التعامل مع المعطيات البيئية أو بسبب مكائد الأعداء وسَطوة المنافسين ؛ وإنما كان بسبب زَيغِهم عن الحق وهـزائمهم الداخلية أمام رغباتهم وشهواتهم .

2- تحديات فكرية ونفسية تتمثل في الآتي :

ـ احتقار الذات والنظر إلى الإمكانات الذاتية على أنها أقل من أن تُمكّن صاحبها من الحصول على أي شيء ذي قيمة ، وهذا كثيراً ما يعود إلى سوء التربية في البيوت

وقصور التعليم في المدارس .

ـ اليأس والإحباط بسبب الدخول في عدد من المحاولات الفاشلة ، كمن لم يستطع اجتياز بعض مراحل التعليم .

ـ الخوف من المبادرة والانخراط في مشروعات كبيرة – أو صغيرة - ، والميل إلى البقاء في السَّاقة أو المؤخرة ، وهذا يجعل الإنسان يعيش على هامش الحياة ،

ويتقوتُ من فُتات الموائد ، ويسلبه أيضا روح الاقدام .

ـ الخوف من التخطيط للحياة الشخصية ، وهذا شأن أكثر من ( 95% ) من الناس وذلك بسبب الخشية من الالتزام ببذل جهود إضافية جديدة ، وبسبب الخشية من الحرمان من

بعض اللذات والمشتهيات وتغيير بعض العادات . ( وفعلا ما أكثر هؤلاء )

ـ لوم النفس ، وتوبيخها على نحو مبالغ فيه على كل خطأ أو تقصير .

ما العمل إذن ؟

إن الناظر في تاريخ الأمم والمجموعات والأفراد يجد شيئاً مهماً ....

هو أن المشكلة التي ظلّت تواجه البشرية لا تَكمُن في قِلَّة الموارد وشُحِّ الطاقات والقدرات ؛ وإنما تكمن في شيئين أساسيين هما :

1- ضعف الإرادة .

2- وسوء إدارة المعطيات الناجزة .

وإن الإرادات يمكن تصليبها بشيء من المجاهدة في ذات الله ـ تعالى ـ ونحن نعرف أشخاصاً كثيرين تخلصوا من كثير من عاداتهم السيئة ، ووضعوا

برامج جيدة للتحكم في أوقاتهم ، فتحولوا من أشخاص أقل من عاديين إلى أشخاص ممتازين ، كذلك نعرف مؤسسات كثيرة كانت على شفا الانهيار ؛ وحين

حظيت بإدارة جيدة انقلب وضعها رأساً على عَقِب ، وصارت من المؤسسات الرابحة والناجحة .

ولهذا فإن الطريق إلى التَّحسُّن دائماً مفتوح ، لكن ليس هناك شيء مجاني، وإنما علينا أن نعرف أن لكل شيئ ثمن ؛ فثمن النجاح بعض الضغوطات ،

وثمن الحرية بعض بعض القيود ، وثمن الكرامة بعض الاضطهاد ، وثمن السلامة بعض الأذى .

حين نجد أنفسنا يائسين ومحبطين ومرتبكين ؛ فإنه يجب علينا أن نراجع علاقتنا بالله ـ عز وجل ـ ولنحاول إحياء تلك العلاقة من خلال الإكثار من القُرُبات

والطاعات ولنُحْسِن الظن بالله ـ تعالى ـ ونُفوِّض أمورنا إليه جَلَّ في عُلاه ؛ حيث ثبت أن الإفلاس الروحي كثيراً ما يُوقع المسلم في الحيرة ، ويجعله يشعر بالعجز.

- من المهم أن نُوقِن أن لدى كل واحد منا فرصة للارتقاء ، ولتجويد العمل حتى في أكثر الظروف صعوبة وحرجاً هناك إمكانية للتحسن بشرط

أن نعتمد مبدأ يقول : شيءٌ خير مِن لا شيء ، وآخر يقول : ما يُغلَقُ باب حتى يُفتَح باب آخر، لكن قصورنا التربوي والثقافي يجعلنا ننشغل بالباب الذي أُغلق عن الباب الذي فُتح !!

وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام : ( سَدِّدوا وقاربوا وأبشروا )


ـ ليس هناك شخص ضعيف ؛ لكن هناك شخص لا يعرف نقاط قوته ، وهذه حقيقة واقعة ، فعلى كل واحد منا أن يبحث عن نقطة القوة التي لديه ، ويحاول تنميتها ،

والتركيز عليها والعمل على استثمارها ، وسيجد تقدماً مذهلاً في وضعيته العامة .

ـ الإنسان تابع لأفكاره و رُؤَاه ، وكُلَّما كانت رُؤاه أكثر رحابه ، وكانت أفكاره أكثر نضجاً ودقة ؛ وجَدَ السُّبُلَ إلى التحسُّن لاحِبة وفسيحة ، وكلما ظنَّ أنه عاجز وضعيف ، وأن

المجالات أمامه ضيقة ومزدحمة و وعرة ، فإنه سيقعد عن طلب المَكْرُمات ، ويشعر بانسداد الآفاق وقلة الحيلة

ـ على المرء أن يحذر من عدوى الأرواح ، ولهذا فإن على كل واحد منا الابتعاد عن مصاحبة اليائسين والمأزومين وأصحاب الرُّؤى السوداوية ، والأفكار الانهزامية ،

وأن يدخل إلى عالم الناجحين ليقتبس من أرواحهم ، ويتعرف على أسرار نجاحاتهم .

وأخيرا على كل واحد مِنَّا أن يتذكر إنه { مَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرا }


أصل المقال للدكتور / عبد الكَريم بكار ؛ مع زيادة وحذف مِنِّي .