مفكرة الإسلام: كانت العصبية المقيتة والانحياز للقبيلة من أشد ما واجهته دعوة الإسلام في بداياتها، إذ كانت البيئة العربية مليئة بأمثال تلك العصبيات القوية التي كانت تقف سداً منيعاً أمام العديد من دعوات الإصلاح التي كان يقودها بعض عقلاء العرب لرأب الصراع المحتدم بين القبائل العربية التي كانت تشهد معارك طاحنة لأسباب واهية.ومن أشهر تلك المعارك حرب البسوس التي ثارت بين قبيلتي بكر وتغلب لمدة أربعين سنة من 494 ميلادية حتى 534 ميلادية بسبب ناقة امرأة اسمها البسوس بنت منقذ، وراح ضحيتها الآلاف من القبيلتين، وتركت أثراً كبيراً على الأدب العربي خاصة في مجال الرثاء والحماسة، وشكلت ثقافة الثأر لدى القبائل العربية لفترة طويلة، وأخذت شكل الملاحم الأسطورية. ولعب الشعر دوراً كبيراً في احتدام أمر تلك الحرب الطاحنة، فنظمت القصائد الملتهبة التي ألهبت مشاعر العروبة والقبلية.
ومن تلك الحروب أيضًا حرب داحس والغبراء بين قبيلتي عبس وذبيان بسبب سباق بين فرسيْن وهما داحس والغبراء، وكان التنافس على حراسة القوافل هو السبب الرئيسي لتلك الحرب التي استمرت لقرابة الأربعين سنة، واشتركت فيها العديد من القبائل العربية الأخرى مثل طيء وهوازن بسبب الثارات القديمة، وهي الحرب التي برزت فيها بطولة عنترة بن شداد العبسي وقصائده الشهيرة التي سارت بها الركبان.
جاءت دعوة الإسلام لتقضي على هذه العصبية الجاهلية وتعيد صياغة المجتمعات على أسس ثابتة تضمن وحدة الأمة التي كانت تعاني من التمزق والتشرذم تحت ضربات العصبية والقبلية، واستبدلت كل هذه الأطر البالية بإطار الوحدة الإسلامية وراية "لا إله إلا الله" التي لا تعرف قبيلة ولا عشيرة، بل إطار أرحب وأوسع يستوعب اختلاف الأوطان والعشائر والألسن والألوان .
ضربات العصبية
لم تكن عملية استيعاب الإسلام للعقلية القبلية وتطويعها للمفاهيم الإسلامية بالشيء السهل أو اليسير فلقد كانت للعصبية دولة وحراس وسدنة وإعلام وأتباع وأنصار في كل بيت عربي، وظلت العصبية ساكنة تحت الرماد كالجمر المشتعل، تنتفض كلما جاءتها الفرصة الملائمة، وكلما انتفضت العصبية الجاهلية كلما وقعت النكبات والنوازل بالأمة.
تسببت القبلية والعصبية في إسقاط الدولة الأموية العظيمة، عندما ثارت العصبية بين بطون العرب في خراسان، وتسببت العصبية القبلية في ضياع شمال الأندلس بسبب الصراع بين العرب والبربر، وظلت العصبية تنخر في الأندلس عدة قرون حتى أسقطتها في النهاية، وأضاعت العصبية العديد من الممالك الإسلامية الكبرى في إفريقيا مثل مملكة الفودي ومملكة الصنغاي ومملكة ساموري توري، وأخيرا العصبية القبلية أدت بالشريف حسين لأن يعلن ثورته العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية والتي أدت لسقوط الدولة العثمانية ووقوع معظم الدول العربية تحت نير الاحتلال الأوروبي الذي أحسن استغلال العصبية القبلية ودعاوى الجاهلية في تكريس احتلاله للعالم الإسلامي .
الشعوب عندما تحن للجاهلية
واليوم وبعد أن عانت الأمة لقرون من نير العصبية الجاهلية ودفعت ثمن ذلك من دمائها وأرضها وثرواتها وكرامتها واستقلاليتها- اليوم تعود العصبية القبلية بصورة تدعو للرثاء حقاً. فبعد أن كانت العصبية للوطن أو للقبيلة أو للعشيرة أو للنسب والمصاهرة أو للعرق واللسان، أو حتى للمصالح الدنيوية، أصبحت العصبية الآن على كرة القدم التي أصبح لها دولة وسلطان وأشياع وأحلاف، عليها توالي وتعادي الشعوب، فمباراة الكرة بين الجزائر ومصر كشفت حجم المأساة التي تعيشها الشعوب العربية الفارغة التي لم تجد من قضاياها الكبيرة على كثرتها ما يشغل بالها ويوحد صفها؛ فابتكرت نوعاً جديداً من العصبية والولاء والبراء، وأخذت تلهث وراءه بكل ما أوتيت من قوة، تبذل الغالي والنفس والنفيس خلف هذه الملهاة الجديدة، في حرب طواحين فارغة يتنابز فيه الطرفان بكل قبيح وسيء،و لا تبالي فيها الشعوب بما أضاعت، ولا بكم أنفقت من أجل تحقيق غايتها وإشباع حنينها إلى أيام الجاهلية الأولي.
توظيف العصبية
العصبية القديمة كان لها حراس وسدنة وأنصار من منطلق قبلي محض قد تشوبه أحياناً بعض المصالح الدنيوية، ولكنَّ العصبيةَ الجديدة التي تعصف بالشعوب الغافلة سياسيةٌ بحتة، تحسن فيها الحكومات والقيادات الرسمية في توظيفها بما يحقق مكاسب سياسية أو يغطي على إخفاقات ومشاكل داخلية كثيرة، وبنفس الدور الذي كان يقوم به الشعراء في الجاهلية من تأجيج نار العصبية وشحن النفوس وتوجيه الطاقات نحو نصرة القبيلة والعشيرة، الآن وسائل الإعلام تستلهم النموذج الجاهلي القديم، فترتدي ثوب عنترة بن شداد وعروة بن الورد والمهلهل بن ربيعة، وتقوم بشحن الجماهير الحمقاء وتحريضهم وتثويرهم نحو بذل أقصى ما يمكن أن يفعله من أجل نصرة فريقهم وعصبتهم، وتتبارى وسائل الإعلام في ذلك المضمار حتى أصبحت حرباً دعائية مفتوحة يباح فيها كل شيء من أجل النصرة والحشد وتشكيل الوعي العام للجماهير وإعادة صياغته على الطراز الجاهلي القديم .
السياسي أحسن استغلال وتوظيف العصبية الجديدة في صرف أنظار الشعوب عما يهمهما وينفعها، فكلٌّ من مصر والجزائر تعاني مشاكل داخلية كثيرة ومن العيار الثقيل من فساد وبطالة وتردي مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار وضعف الأداء الاقتصادى وكثرة الدين الخارجي، ناهيك عن الحديث الذي تصاعدت وتيرته وأوشكت فصوله على الانتهاء في قضية التوريث في كلا البلدين والتي أصبحت على مرمى حجر من الوقوع.
هذا غير الملفات الخارجية وهي لا تقل كثافة ولا جسامة من نظيرتها الداخلية. فمصر تعاني من حرب مائية مقبلة توشك أن تجعل البلاد العامرة بمصادر المياه على وشك أزمة حقيقة؛ وذلك بسبب التخطيط الصهيوني الخبيث وعبثه بمنابع النيل. والجزائر تعاني من مشاكل حدودية كثيرة مع جيرانها، وحملات تنصيرية شرسة تستهدف جعل الجزائر بلد المليون متنصر، بعد أن كانت بلد المليون شهيد. والصهاينة أصابعهم تعبث بكلا البلدين؛ ففي مصر هناك ملفات شديدة الاشتعال مثل ملف الأقباط وملف النوبة وملف البدو، وهي ملفات مرشحة للانفجار في أي لحظة. وفي الجزائر ملف الأمازيج أو البربر وهم يمثلون قرابة نصف الشعب الجزائري، وخلافاتهم العلنية مع الحكومات الجزائرية، ومجاهرتهم بعداوة العرب وتغلغل الإرساليات التنصيرية في مدنهم وبين قبائلهم، يحعل هذا الملف من أعقد الملفات التي تواجه الجزائر.
هذه المشاكل الداخلية والخارجية الكثيرة التي تعاني منها الحكومات العربية الحالية تنساها الجماهير الفارغة فتلهث وراء الكرة، فيضحك الساسة وتبكي الجماهير، ولكن كما قال الشاعر الأموي نصر بن سيار وكان معاصرًا لأحداث الفتنة العصبية التي اندلعت في خراسان وأدت لسقوط الدولة الأموية:
أرى خلال الرماد وميض نار وأخشى أن يكون لها ضرام
فإن النــار بالعودين تزكى
وإن الحرب مبدؤها كــلام
فقلت من التعجب ليت شعري
أأيقاظ أميــة أم نيـــام

ولكن على ما يبدو أن الشعوب هي النائمة وهي التي ستدفع الثمن.