عذراً إن لم يكن الموضوع مترابطاً ولكن كان علي أن أكتب

أمران استوقفاني طويلاً خلال هذا الأسبوع منذ بدايته ولم يفارقا ذهني بل وأفقداني أي رغبة في نوم أو طعام أو حتى الابتسام، أولهما تركني في حالة من الانعزال والتفكير وجاء الثاني ليكمل ما بدأه الأول.

أولهما هو حادث وقع منذ بضعة أيام، حيث سقطت "مقطورة" محملة بالأحجار من فوق جسر المريوطية الواصل ما بين الطريق الدائري والمحور في الصباح الباكر لتهبط فوق حافلة وتقتل سائقها (علاوة على ثلاثة أشخاص كانوا يستقلون المقطورة)... نزلت من بيتي عند سماع صوت الانفجار لأرى المنظر الذي ظل عالقاً في عقلي، كومتان من الحديد المشوه بداخلهما أشلاء بشرية، والأغرب أن "تباع" الحافلة ترك سائقها ليبدأ إفطاره قبل لحظات من وقوع الحادث ليذهب لشراء السجائر وما أن عبر الشارع حتى وقعت الحادثة ونجا هو ومات السائق... ترك هذا الحادث في نفسي شعور غريب، إذ ظللت أفكر أن الموت لا يبعد عن أي منا إلا خطوات وقد يأتي قضاء المرء في أية لحظة... فيما كان يفكر سائق الحافلة في لحظاته الأخيرة؟ مصاريف مدرسة أبنائه؟ ماذا سيفعل اليوم بعد عودته من العمل؟ كيف سيدبر مصاريف الإجازة الصيفية هذا العام؟ هذا الفول رائع ومذاقه ليس له مثيل؟ وفي لحظة انتهى! دون حتى أن يعرف ماذا حدث، هبط عليه الموت من السماء وانتهت كل احلامه وآماله واحزانه وأفكاره وتطلعاته وطموحاته وتوقعاته الدنيوية في غمضة عين... شعرت بأن الحياة هينة جداً ولا تساوي شرو نقير وأن البشر الذين أراهم كل يوم في كل مكان لا يدركون أن هذه الدنيا بما فيها ما هي إلا عرض زائل قد يختفي في طرفة عين، وأن آخرة المرة لا تبعد عنه إلا أنفاساً معدودة قد لا يسعه الوقت حتى أن يتنفسها...

ظللت أفكر فى هذا الحادث حتى أتاني خبر الشهداء الذين قتلتهم إسرائيل بأسطول الحرية... لم أعرف بم شعرت في البداية، حزن ممزوج بالغضب على قاتليهم وعلى خنازير تحكمنا لن يبدر منها شيء سوى التنديد والتنكيل والتهليل ودمتم على هذا بخير... ولكنني وجدت شعوراً آخر يسيطر على نفسي ألا وهو الندم، أجل الندم... فكم ندمت على أنني لم أكن معهم، ولم أفكر حتى بأن أعرف كيف أفعل شيئاً شبيهاً بما فعلوه، بأن أذهب بنفسي إلى هناك وأنا أقف صلباً عنيداً قوياً أعزلاً في يد وغد مدجج بالسلاح عالماً أن لا رادع ولا حائل يقف بيني وبين رصاصاته التي ستخترق صدري وتقتلني، ولكنني ثابت الجنان قابل لأمر الله عالم أنه إن كانت تلك نهايتي فسأكون شهيداً قتل في سبيله... ولكنني كنت أجلس هنا في بيتي، أو أتناول غدائي أو أؤدي عملي أو أقود سيارتي أو أحتسي القهوة مستمتعاً بالهواء المكيف بينما كانوا يستشهدون... كم أشعر بالندم والخجل، بل الخزي لأنني لم أكن بينهم، كم أدعو الله أن يرزقني ميتة كهذه، كم أتمنى ألا أعيش ذليلاً مقهوراً أخرساً لا حول له ولا قوة لأرعى في الأرض كالأغنام ثم أموت على فراشي بلا أية فائدة
اللهم أحسن خاتمتي وارزقني الشهادة.