من أجل فهم متجدد لكبوات الإصلاح في البلاد
العربيه
إمحمد مالكي
يُجانب الصوابَ من يعتقد أن العرب جُبِلوا على التغريد خارج سِربِ موجات الإصلاح والتغيير التي طالت مجملَ بلاد المعمور، بما فيها الأقطار التي استدام فيها التأخر واستكان الناس إليه مُكرَهين، فالفكرة الإصلاحية مشروع مفتوح، منذ أن وَلجَ العرب زمن الانكماش الحضاري، وفقدوا شروط الفعل في العطاء الإنساني، كما يُجانِبُ الحقيقةُ من يجعل " الآخرَ" وحدَه مِشجباً لتبرير هزائم " الأنا" العربية وكبواتِها، فالمسؤولية مشتركة، والحلُّ أولا وأخيراً بيد العرب قبل سواهم. لذلك، يُوَلِّد سؤال الإصلاح سلسلة َأسئلةِ ذات طليعة مِفتاحية، وهي في عمقِها تستَحضِرُ دورَ المعرفة والثقافة في تفسير لماذا غدا سؤال الإصلاح عصِيّاً على الإجابة في البلاد العربية.


يتعلق السؤال الأول بمنطلَقِ الإصلاح وبدايته: من أين نبدأُ الإصلاح من أجل التغيير؟ فالمقدمات الفاسدة تُرتبُ، كما يُقال، نتائج فاسِدة، والحال أن العرب، دولاً ومجتمعات، عاشوا حيرةً وقلقاً متزايدين بخصوصِ الطريق إلى الإصلاح، على الرغم من وجود ما يشبه الإجماع حول دواعيه ومتطلباته، وقد عبَّرت السجالات الدائرة رسمياً وجماهيرياً عن وجود شعور جماعي موسوم بالترقب والانتظار حُيال أفق الإصلاح: فهل يجب نهج الإصلاح التدريجي النابع من الأسفل، الذي يُفترض أن تلعب منظمات المجتمع المدني أدواراً مركزية في إنجازه؟ ثم هل يمكن للضغط الخارجي المساهمة في إنضاج ظروف الإصلاح والمساعدة على تحقيقه؟ وإذا كان ذلك ممكناً ومرغوباً فما هي الحدود التي يتوجب عليه عدم تجاوزها، أي هل هناك خطوط حُمر يتوقف عندها الضغط الخارجي، كي لا يتحول إلى عامل مُعيٌق للدينامية الداخلية للإصلاح؟ ألا يشكل رفعُ اليد عن التغاضي عن الممارسات غير الديمقراطية للنظم، والكف عن تشجيع السلوكيات المسئولة عن الاختلال العميق الحاصل في توزيع القوة بشقيها السياسي والمالي، أكبر دعم لنجاح عملية الإصلاح وتقدمها؟


يتوقف نجاح المقدمات في ترتيب نتائج ناجعة على حسن التفكير والتوافق على جملة مرتكزات مفصلية، وهي في الظن ليست مرتكزات من طبيعة نظرية وفلسفية فحسب، بقدر ما هي كذلك أسس ناظمة لعملية الإصلاح ومتحكمة في تطورها. فالإصلاح الناجع موسوم بالشمولية، بعيد عن التجزيئية والتقطُّعِ، بنيويُ الأهداف والمقاصد. فهل من الممكن تصور نتائج ناجعة للإصلاح إذا بقي محصوراً، على سبيل المثال، في الاقتصاد، على أهميته القصوى، دون إصلاح الاختلالات الاجتماعية ( العدالة الاجتماعية)، ودون إصلاح نظم التعليم، أي تكوين رأس المال البشري، ودون مصاحبته بإصلاح سياسي يمكِّن الناس من التعبير عن قدراتهم وتطلعاتهم، ويجعلهم منخرطين في مسلسل المشاركة السياسية؟ والإصلاح. من زاوية ثانية، يستلزم التدرج والانتظام في مراكمة النتائج، بغية مساعدة المجتمع على تقبل جُرعاتِهِ، وإسعافه في الارتقاء والمطالبة بالتطوير، والأهم جعله يلمس نتائجه كي يطالب بما هو أفضل منها. أما المرتكز الثالث فيخُص جدليةَ التلازم أو الإرجاء. فهل يجب أن نبدأ بالإصلاح الاقتصادي، وحين نقطع أشواطاً مهمةً ننتقل إلى الإصلاح السياسي؟، أم يتوجب تلازم المسارين، أو في أقصى الحالات التحكم في سقف زمن الإصلاح الاقتصادي. أليست تجربة " النمور الأسيوية" واضحة في هذا المجال، وهي التي وإن أخذت بأولوية "الاقتصادي"، فقد قررت في فترة معينة تدعيمَه بالإصلاح السياسي، لأن استدامة الإصلاح الاقتصادي وديمومته تحتاجان إلى فضاء سياسي يحضِنُ الديموقراطية ويكفُلُ حقوق الإنسان.


يتعلق السؤال الثاني بمعرفة المجالات التي تعد رافعات إستراتيجيةً للإصلاح. فمن المعلوم أن النزوع نحو العولمة في تزايد مضطرد، وبغض النظر عن الموقف الفكري من هذه الظاهرة، وحتى على فرض إنها واقع لا مفرَّ منه، يُستَلزم من العالم العربي ( دولاً ونخباً ومجتمعات) توضيح رؤيته من بعض المشاريع ذات البُعد القِيمي والمرجعي المطروحة عليه، فالحاصل أن الانتساب إلى دائرة الليبرالية الجديدة، كنمط اقتصادي، لم يعد موضوعَ سجال، غير أن تطبيق اقتصاد السوق وما يرتبط به من آثار سلبية جانبية يقتضي استحضار البُعد الاجتماعي طالما أن ليس هناك نسخةً واحدة لاقتصاد السوق.. ففي العديد من الدول الأوروبية ( ألمانيا و الدول الأسكندنافية على سبيل المثال) هناك ما يسمى " اقتصاد السوق الاجتماعي"، أي ذلك النمط الذي يتجنب منطق اقتصاد السوق الشَّره، من دون أي اعتبار للبعد الاجتماعي والثقافي، لأن اعتماد الليبرالية الاقتصادية في نسختها الشرهة يزيد في تعميق الإختلالات الاجتماعية، في مجتمعات تعاني من أزمة عميقة في توزيع القوة بشقيها السياسي والمالي. فإلى جانب مجال الاقتصاد والمرجعية الناظمة له، تشكل السياسة أحد المجالات الإستراتيجية الرافعة لمشروع الإصلاح، وفي هذا السياق تتصدر المسألة الدستورية قائمة الإصلاحات السياسية المطلوبة، يُضاف إلى ذلك إصلاح القضاء، وبناء المؤسسات التمثيلية، النزيهة والفعالة.


أما السؤال الثالث، فيمُسُّ قضية جوهرية في سياق الدعوة إلى الإصلاح، يتعلق الأمر بمن هُم شركاء الإصلاح، ومناصِروه والداعمون له؟ فحيث أن الإصلاح المفتوح على التغيير والمؤدي إليه عملية تاريخية تدريجية غير خطية، فإن مستلزمات نجاحه تقتضي من بين ما تقتضيه بناء التأييد وكفالة تحقيق التضامن حوله. فعلى الرغم لما لفكرة بناء التأييد من قيمة إستراتيجية في مسار الإصلاح وكسب رهاناته، فإن وعينا صعوبةَ ترجمتها على صعيد الواقع حاضرٌ بكثافة، بسبب الطابع المركب للوضع العربي الموسوم بالتعقيد والتباس المستقبل، وتخبرنا التجربة التاريخية العربية كم كان ضعف بناء التأييد في أساس انتكاسة المشاريع الإصلاحية في البلاد العربية، فقد عانت فكرة الإصلاح من وجود شرخ بين دعاتها ( الدولة أو النخبة)، وبين منتقديها، فلا الدولة ولا النخبة قَدِرتا على جعل الإصلاح مطلباً مجتمعياً أصيلاً ومُلحاً، ولا المجتمع تمكن من التعبير عن مطالبه في الإصلاح باستقلالية كاملة، وحيث استبد هذا الشرخ بالإصلاح استمر هذا الأخير مقولةً غير متأصلة في الخيال الجماعي العربي.. ولربما تلك أهمُّ أسئلة الإصلاح في الزمن العربي الراهن.

المصدر