كل عام وانتم بالف خير


أسم الكاتب:- د. نجود المجالي


صَرخة أبْ (تُدوّي) في دار المسنين؟!

ولدي,.........................
هلْ ضَاقَتْ عليكَ الأرضُ بما رَحُبَتْ؟! ولمْ يبقَ لديَّ عندك مَأوىً ولا وَتَدِ؟! وأسَرَتني في دارِ الْمُسنيِّنَ بلا سَندِ, تَسيحُ بين جَنباتِ الدُّنا بلا عَتبِ, ولا قَلبٍ على الأبِّ مُنْفَطِرِ,,, رَعاكَ اللهُ يا ولدي,,, حَماكَ اللهُ يا ولدي,,,و جَزاك الْحُسنى يا ولدي؟!
أتذكُرُ أيَّامَ الصِّبى واللَّهوِ واللَّعِبِ,, وفي الأحْضانِ وعلى الأريكةِ مُنْسَدِلِ, أمْ تاهتْ نَسيجَ خيالٍ يا ولدي, وصَارتْ مع الآني مُحالٌ تُرَدُّ يا ولدي؟! أَتذْكُرُ أَلمَ الْجُوعِ في جَسدي,, لِتبقى مِن الَخيرِ مُنْسَكِبِ؟! أَتذْكُرُ بَرْدَ الشِّتاءِ عَليَّ يا ولدي, لأُذريكَ مِن الْبردِ الْقارِصِ, وأُبقيكَ أسيرَ الْحُضْنِ الدَّافئِ يا ولدي, أَتذْكُرُ حَرَّ الصَّيفِ عَليَّ مُشْتَعَلِ ,,لِتَسْتَظِلَّ بينَ كَنَفاتِ التِّلالِ يا ولدي, أَتذْكُر تَشَقُّقَ الثَّوبِ عليَّ من الْفَقْرِ , لأَكسيك بَردَ الشِّتاءِ وحَرَّ الصَّيفِ يا ولدي,,,,,, وهاا أنتَ الآنَ تُجازيني يا ولدي,, و(بالحُسنى ) تُكافيني يا ولدي؟؟!!

بدارٍ من الْجُدْرانِ مأسورٌ عليَّ يا ولدي,, بدارٍ كالقَبرِ بلا أحبابٍ يا ولدي؟! بدارٍ من القُضبانِ مَسْجونٌ بلا لهو الأحفادِ يا ولدي...
آهٍ من حَسْرةِ القلبِ الْمفطورِ عليكَ يا ولدي,, ومن الْحنينِ إليكَ مُصْطَرِخِ ,, مُقْلتيَّ من الدَّمعِ كلهيبِ النَّار عليكَ مُتَّقَدِ؟! أُناجي خَيالك بِدقِّ الأبواب عَليَّ يا وَلدي
ولا مُجيبَ للنِّداءِ مِنْكَ يا ولدي؟! لا مُجِيبَ للنِّداء منكَ يا ولدي؟!
يا أسَفِي عَليْكَ يا ولدي,,يا أسَفِي عليك يا ولدي
يا أسَفِي على الأيَّامِ والسِّنينِ المُسَبَّغةِ بالْحنانِ إليك يا ولدي, تَاهتْ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِر ؟! أم صارت نسيج خيالٍ يا ولدي ؟!
خِلني الآنَ يا ولدي,, خِلني أسِيرَ الطَّيبِ والْكَفَنِ, وللأهْدابِ مُنسَدِلِ, وفي اللَّحْدِ مُستَتِرِ, وللتُّرابِ عَليَّ مُنْهَلِّ, وللأبوابِ عَليَّ مُنْغَلِقِ, ولِفُراقِ الأحبابِ مُصْطَبِرِ.
حينها لبِّي النداء يا ولدي,, حينها اذكُرني يا ولدي,اذكرني مَعْ كل قَطْرةِ ندىً صَبَّابْ, وَمَعْ كُلِّ يَدٍ وَهَّابْ, فالقبر بلا أحْبَابْ بلا أحباب؟! اذكرني يا ولدي اذكرني يا ولدي... فلستُ فالدُّنا لأُثقِلَ منك الكاهل يا ولدي, ولستُ في الدُّنا لتتوارى عني يا ولدي, بل تحت الترابِ رحيماً عند ربِّ الأربابِ يا ولدي, يا ولدي ....................؟؟!!

لا ادري ماذا أقول ؟! لا ادري ماذا أقول ؟! يا من تَنعمون بنعمة (الأب ) أين انتم من هذه النعمة, أين انتم ؟! واللهِ ما يعتصرُ ألمها ومرارتها إلا الأيتام المحرومين من هذا (الأب), الذين انتزعت من أفواههم كلمة (أب), تختلج في ضلوعنا, وتحشرجُ في صدورنا, تأبى إلا الخروج؟! لكن ما من مجيب لها ؟!, ماتت هذه الكلمة معهم ماتت, رحلت بعيدا عن أفواهنا, لا تسمعُ إلا صداها, خازنها مات وتركها؟! تركها مأسورة في قلبٍ, بات من الوجعِ عليل, وبالحَسَراتِ عليهِ هزيل, نَسْتَصْرِخُ القبورَ لِسماعِ أصواتهم؟!

ولا يعودُ الصوتُ إلا بالصَّدى؟! نُحاكي أماكنَ مُسامراتهم, ولكنَّ الأماكن باتت بلا خليل, نستنشقُ ثيابهم, لِيَهُبّ علينا من نسائم عطرهم, ولكنَّ الأجسادَ ما عادت بالثياب؟! باتت الحياة كلها خلاء, رحلوا عنا وتركونا في مهبِّ الرِّيحِ نعتصر, وواللهِ لو تحدثتُ للغد, ما عبَّرتُ عن حُرقة القلبِ من فقدان (الأب)؟!؟, ....................ولكن مالنا إلا بالحمدِ والاسترجاعِ نصطبر(الحمدلله رب العالمين وإنا لله وإنا إليه راجعون).

يا قارئ هذه المقالة, كم مضى عليك من الوقت دون رؤية والدك؟؟!................., يومين, ثلاث, أربع , شهر, شهران , سنة, سنتان , أين أنت من هذه النعمة, اذهب يا أخي اذهب, اقذف كل ما بيديك عرض الحائط , واذهب إليه تسامر معه, أطعمه بكلتا يديك , حدِّق بعينيه, تأمَّل بالسعادة التي تختلج ضلوعه عند رؤيتك .لا تقل المسافة بعيدة؟! فالموت أقرب وأقرب, اذهب إليه وغذِّي ناظريك به, قبِّل يديه, والزم قدميه ,......................فالأيتام سيسعدون بمشاهدة الأبناء يتسامرون مع الآباء, لِما سَيهُبُّ عليهم من نسمات ذكريات الماضي الدفين, التي تحاكي هذهِ الأيام.

أما أنت يا أخي ؟؟!! يا من ألقيت بأبيك دار المسنين, أيُعقل يا سيدي بعد أن اشتدَّ عودك بفضله بعد الله عز وجل, تضيق بهِ ذرعا وتقذفهُ في دار المسنين؟؟!! , من اجل من ألقيته بدار المسنين؟؟!! لإرضاء الزوجة ؟!............ أم أثقل على كاهلك مع الأعباءِ في الدنيا؟!, أم لتُريحَ الأذهانَ من المشاجرات, ...........؟!اذهب يا سيدي واحضر أباك واحتويه في قعر بيتك وأحضانك وعقلك وقلبك, واصبر على هذه الزوجة (التي نسأل الله لنا ولها بالهداية,) اصبر عليها لأنها أما لأطفالك, إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر 10]. واصبر على أباك الذي رعاك, لأنه أباك, وجازي الإحسان بالإحسان, (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا (العنكبوت,, وأحمل في جعبتي رسالة لزوجة الرجل الذي ألقى أباه في دار المسنين, فهي تتحمل جزء من المسئولية في وجود (المُسِن الفاضل) في دار المسنين , منطلقا بأن للزوجة دور في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ومنطلقا أن الزوجة عونا لزوجها على (الخير) أين هذا الدور ؟؟!.......

سيدتي سواء كنت الزوجة للابن الأكبر أو الأوسط أو الأصغر للرجل الذي ألقي أباه في دار المسنين, أوجِّه لكِ هذه الرسالة, من أخت محبة لكِ والله, وليس من كاتبة متعجرفة تسدي بالنصائح للآخرين, وكأنها الناصحُ الأمين في هذا الزمن؟!.
أود منك بداية الإجابة على الأسئلة التالية:
1- هل تهنئين بلقمة طعام, وأب زوجك الذي بمنزلة والدك, يقبعُ حزينا في دار المسنين؟!
2- هل تهنئين بمسامرة أبنائك, وأب زوجك في دار المسنين, يقبع بلا حنان, ولا يد رءوم من فلذة كبدهِ, وقرة عينهِ وثمرة فؤاده الذي هو زوجك ؟!
............ إذا كانت الإجابة (نعم) اسمحي لي أن أقول لكِ بأن قلبك (حجر ), وأَمَرُّ مِنْ الصَّبْر, ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (البقرة ,74) وسأكتفي بهذه الأسئلة لكِ داعيا الله لنا ولك بالهداية (وأستودعكم السلامة).

إذا كانت الإجابة (لا) أطمئنكِ سيدتي, أن بذرة الخير لا زالت مغروسة بك, سيدتي هل تعتقدين أن وجود أب زوجك في بيتك سيُثقل الكاهل عليكم بالنفقات, إذا كنتِ تعتقدين ذلك فأنت (مخطئة تماما) على (العكس) فهو احد أسباب الرزق والنصر لكم , اسمعي قول الرسول عليه الصلاة والسلام هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) .
سيدتي هل تعتقدين بأن وجود (أب زوجك) سَيُضيق حَضيرتك بمحاولته الاستفسار عن بعض الشؤون الداخلية؟؟!! سيدتي ضعي باعتبارك بأن هذا (المُسن الفاضل) يعيش فجوة اجتماعية وثقافية, فهناك اختلاف كبير بين حقبات زمانه وزماننا, لذا يحتاج منا احتوائه, ومشاركتهُ بالقرارات, ومشورتهُ رأفة و عطفا بحاله, وتسليمه بعض الأدوار الاجتماعيةِ البسيطةِ التي تشعره بوجوده وبأهميته, وليس تهميشه, وكأنه غير موجود, ,.................. ونتمنى أن يبشرنا احد منكم بمثل هذا القرار, وهذا أملنا بكم يا سيدتي أنت وزوجك, دعيهِ يهنأ بشهر البركة والغفران في بيتكم, ولتقرَّ عينهُ ولا تحزن, نرجوكما أن لا تتوانوا عن المجيء به ليمْكُث بينكم وينعم بدفئكم, ويتسامر مع أحفاده, ويحتفل بعيد الفطر بينكم, بدلا من أن يفطر وحيــدا حزينــــا, ويطلع عليه العيد وهو وحيــــد, نرجوكما المجيء به أنتِ وزوجك الآن, وأن تتطاوعا على هذا الأمر ولا تختلفا, ولا تنسوا بأن الله يجزي الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى.

"ويحضرني الآن قول ابن المعتز: خَلّ الذُّنُوب صَغِيرهَا وَكَبِيرهَا ذَاكَ التُّقَى, وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْق أَرض الشَّوْك يَحْذَر مَا يَرَى, لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَة إِنَّ الْجِبَال مِنْ الْحَصَى. " .............. مع العلم أن عقوق الوالدين من الكبائر" آخر دعوانا ما أمرنا به الرسول عليه الصلاة والسلام : اللهم اِغْفِرْ لِنا ذَنْوبنا, وَأَذْهِبْ غَيْظ قلوبنا, وَأَجِرْنِا مِنْ مُضِلَّات الْفِتَن.

ملاحظه :- تم نشر هذه المقالة على هذا الموقع بموافقة الكاتبة د. نجود المجالي ولها جزيل الشكر