إني نظرت إلى الزمان وأهله نظرا كفاني
فعرفته وعرفتهم وعرفت عزي من هواني
فحملت نفسي بالقناعة عنهم وعن الزمان
وتركتها بعفافها والزهد في أعلى مكان
فلذاك أجتنب الصديق فلا أراه ولا يراني
فتعجبوا لمغالت وهب الأقاصي والأداني
وانسل من بين الزحام فما له في الخلق ثاني
وفصل الخطاب في هذا أن الناس على ضربين
عالم وعابد فالعالم لا ينبغي له أن
ينقطع عن نفع الناس فإنه خلف الأنبياء
وليعلم أن هداية الخلق أفضل من كل عبادة
وفي الصحيحين أن النبي {صلى الله عليه وسلم}
قال لعلي عليه السلام والله لأن يهدي الله بك
رجلا واحدا خير لك من حمر النعم فمتى ما
جاء الشيطان فحسن للعالم الانقطاع عن
الخلق في الجملة فذاك خديعة منه ولقد
حسن لكثير من السلف دفن كتبهم ومحو
علمهم وهذا من الخطأ العجيب بل ينبغي
للعالم أن يعتزل عن شر من يؤذي ويبرز
لمن يستفيد فظهوره أفضل من إخفائه
فأما إن كان عابدا فالعابد لا ينافس في
هذا فإن من القوم من شغلته العبادة كما
روي أن الحسن رأى رجلا متعبدا فأتاه فقال
يا عبد الله ما يمنعك من مجالسة الناس
قال ما أشغلني عن الناس قال فما منعك
أن تأتي الحسن فقال ما أشغلني عن
الحسن قال فما الذي شغلك عن الحسن
قال إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة
فرأيت أن أشغل نفسي بالاستغفار للذنب
والشكر لله تعالى على النعمة فقال له أنت
عندي أفقه من الحسن

من كتاب التبصره
لابن الجوزى