يوسف الصديق في تونس الشقيق
كتبه : أحمد خليل خير الله

( الأخ أحمد خليل خير الله من القراء الذين صاروا أصدقاء مقربين..أثار فرحتي يوم أرسل هذا المقال بقلمه فإذا به قلم سيال وفكر نهّاض..أقدم لمقاله اليوم بكل فخر واعتزاز..
أحمد خيري العمري)

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد..

لعل الوضع قد تغير تمامًـا ، أو ازدادت الأمور وضوحـًا وربما تعقيدًا وأنا أكتب هذه الكلمات ، لا أدري …. والله أعلم إلى أين ستستوي سفينة تونس ولكن دعوني أخرج ما في صدري … والله المستعان.
قطعاً في وصف الله غنية عن كل وصف ، ولما لا وقد قال عن هذه السورة أنها (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) وكفى ….
سورة قريبة من قلب كل مسلم وخاصة من كان في بلاء هذه الدنيا وكلنا هذا الرجل:
محن الزمان كثيرة لا تنفضي وسروروه يأتيك كالأعياد
على الأغلب لا تجد في القرآن المكي كثير أوامر ولانواهي (1) وأزعم أن القرآن المكي ـ لمن قرأه بوعي يبني شخصيته الفعالة ذات المرجعية الداخلية والفعل السوي ربما دون أن يشعر ـ فهو يدفعك دفعاً إلى الفعل من غير أن يوجه لك الرسالة المباشرة، وربما خطابًـا للاوعي فينا، فيخبز عجين التدبر وينضج داخل القلب والنفس فيخرج رغيف الفعل طازجاً من غير تدخل خارجي ، وسورة يوسف من أوضح الأمثلة على ذلك.
تدفعك دفعـًا إلى العمل ، تنقلك من التبرك إلى التحرك ومن التدبر إلى التدبير, تنقلك إلى مراعاة المقارنة من غير أيما جهد أو عناء .
دعونا نتفق أن يوسف عليه السلام: رجل أنقذ العالم .
يوسف عليه السلام: نموذجاً إيمانياً وعمرانياً وأخلاقياً يُغري بالإقتداء
وإذا أردنا أن نأتي برجل لمهمة كمهمة يوسف عليه السلام في زماننا , فربما تعطل العقل عن التفكير والتدبير فاجتماع الإيمان والعمران والأخلاق عزيز ؟ !
فالله الله عن توكله وإخلاصه عليه السلام
قال تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) يوسف 24 هذا إيمانه .
وأما عمرانه(2) : قال تعالى (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) يوسف 55
وأما أخلاقه : قال تعالى (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) 36 يوسف
(1)مثال سورة يونس ربما لا تجد فيها أمرا ونهيا وكذلك الأنعام ومافيها من أوامر مدني ناهيك عن قصار السور كالماعون مثلا .
(2) أقصد بالعمران .. اسم جامع لكل ما يجعل هذا الكون مكان أفضل للعيش من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة وترك ماينافي ذلك .

نقل البغوي عن الضحاك بن مزاحم – رحمهم الله- قال: [أما إحسانه في السجن كان إذا مرض في السجن إنسان عاده وقام عليه وإذا ضاق عليه المجلس وسع له وإذا احتاج جمع له شيئاً وكان مع ذلك يجتهد في العبادة ويقوم الليل كله للصلاة ](أ.هـ) هكذا المؤمن ربما تختلف الظروف ولكن الأداء واحد.
الله أكبر ما هذه النفسية الصلبة
دعونا نعترف أن بلاءات يوسف عليه السلام عظيمة ومتنوعة ولعل عناوين استراتيجيات أهل الباطل والبطش والظلم في كل زمان تتلخص في قصته عليه السلام
فإستراتيجيتهم الأولى (الإنهاء) : ويندرج تحتها التصفية الجسدية والقتل والسحل وقد حدثت معه عليه السلام في مشهد إلقاءه في الجُب .
الإستراتيجية الثانية (الإغواء) : وهي استراتيجية تبنى لإخراج أهل الإيمان والعمران عن جادة الطريق إما بسلطة أو بمال أو بنساء أو دعونا نُجمل فنقول (الدنيا) وقد حدثت معه عليه السلام في فتنة المراودة .
والثالثة (الإلغاء) وتعتمد على إبقائهم على قيد الحياة ولكنهم أموات وكما قال أحدهم (لم أرى أصعب من الموت إلا العيش كالأموات) ويندرج تحتها النفي أو السجن أو الحبس المنزلي وهذا واضح جلي في فتنة السجن قال تعالى (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) ذكر القرطبي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (اثنتا عشرة سنة)
وأخيرا ( الإلهاء ): وهي تعتمد علي إستخدام المباح في صرف أهل الإيمان والعمران عن غايتهم وهدفهم الرئيس ( وما أهل تفسير الأحلام والرقية والأعشاب عنا ببعيد )
وهذا ظاهر جلي في سؤال عن تفسير الرؤي فكلموه عن الرؤيا والأحلام فدعاهم إلي الملك العلام ، وتم تعيينه علي رأس فريق إنقاذ العالم ، فلم يلهه عن قومه وأبيه و دعوته عليه السلام.
قال تعالي (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) الأنفال 30
وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له رزية مال أو فراق حبيب
أخي في طريق التمكين :
سورة يوسف ترسل إلينا رسالة عبر الزمان والمكان تقول لنا أن الإلغاء والإنهاء والإغواء والإلهاء لا يجعلنا نتوقف عن البناء.
إذا أردنا عنونا لقصة يوسف عليه السلام فليكن :
( مؤمن يبني في وسط زلازل الفتن )

ولعلها واضحة في كل آية
قال تعالي: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )يوسف 22 في الآية التي تليها (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ) وقبلها (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ) وقبلها (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ) تأمل الكريم ابن الكريم ابن الكريم صار عبدا ،، ثم في وسط هذا الجو النفسي الأليم (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) والأهم (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) نعم والله (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )
ماهذه الحياة التي عاشها عليه السلام؟ ابتلاء في كل مشهد وضغط نفسي في كل لحظة ولكن لعله كما يقول البابيدي ( يقتضي الخلود أن لا يعيش المرء حياة طبيعية )
وفي وسط هذا كله يبني ويؤهل ويصنع ليكون مؤهلا لإنقاذ العالم (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ) إقتصاديا وإداريا واستراتيجيا .
وكأننا نحكي عن أحد الدعاة في 1432 – 2011 يؤذى في الله ويطارد وينفى ويمنع من الصلاة في المساجد ويمنع الحج من بلده ويصمت الأذان بين أهله ورغم ذلك يحصل علي الدكتوراة في الإقتصاد الدولي من هارفرد (بالطبع مع الضوابط )وليسانس في الشريعة ويطلب العلم ويصلي بالليل، تحارب اللعبة ( فلة ) في بلده ( من مضحكات زين الهاربين المبكية ) لأنها محجبة ، فماذا عن زوجته الحاملة لكتاب الله؟
ورغم ذلك يصنف كتابا في آية الحجاب !!
تمر به لحظات يموت فيها حقًا ولكنه موت ماركة ( هنري تراويا ) حين يقول ( كنت أموت لأولد من جديد علي نحو أفضل )
ربما لم تر بلد إسلامي ما رآه أهل تونس الحرة المسلمة من كبت وقهر وظلم للإسلام والمسلمين مثلما رأوا حتي بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالا شديدا
ولكن السؤال الذي نطرحه لنا ولهم (مع عذرهم سددهم الله وأعانهم ) هل كان كل صحويّ تونسي مستعد ومؤهل للحظة ( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ) رغم إنهاء وإغواء وإلغاء وإلهاء زين الهاربين هل كان (حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) هدفا إستراتيجيا غير معلنا رغم طول فترة الجب ، أقصد الظلم ؟
بإذن الله مؤهلين ونسأل الله ذلك .
ولكن نداءنا ليس لهم فقط، إنما لكل يوسف في كل بقعة مسلمة أو غير مسلمة
هل أهلت نفسك إيمانيا وعمرانيا وأخلاقيا حين يحتاج الناس إليك ، سورة يوسف دورة تدريبية تؤهلك لذلك عبر رسائل عدة:
سورة يوسف تقول لنا حي على النفسيات الصلبة التي تبني وسط الزلازل.
سورة يوسف تقول لاتحقرن من العلم شيئا عمرانيا كان أم إيمانيا فربما كان مدخلنا للتمكين.
سورة يوسف تقول لنا ربما سقطنا في أكثر من جب ولكن ليس المهم السقوط ولكن المهم الصعود مع أول دلو ينزل إلينا.
سورة يوسف تقول لنا لا لإتقان دور الضحية ونعم للتحدي والتفرغ للبناء فالشكاية يحسنها كل فرد والبناء لا يحسنه إلا من استحضر في وعيه أنه مستخلف في هذه الأرض.
سورة يوسف تقول لنا التمكين يبدأ ( بحلم و طفل ومربي وعقبات ) ولعل تفاعلها هو خليط التمكين.
يوسف عليه السلام نموذج يغري بالاقتداء إيمانيا وعمرانيا وأخلاقيا يقول لنا لابد أن يري الناس عمراننا أوأخلاقنا حتي يؤمنوا بإيماننا ، نكون محسنين في كل مكان وحال طالما نستعين بالله ذي الجلال
سورة يوسف تقول لنا إن مكننا الله فالتسامح عقيدتنا ومنهجنا واستراتيجيه لا تكتيك ، فلا تجتمع سيادة مع انتقام للنفس …
لما عفوت ولم أحقد علي أحد أرحت نفسي من هم العداوات

أخي يوسف أينما كنت
في الجب…في قصر العزيز…في السجن… وليتك علي خزائن الأرض…
لا يضرك ما أنت فيه من نصب ، فاللؤلؤ بين التراب لؤلؤ والألماس في وسط الطين ألماس.
أخي يوسف:
سورة يوسف تقول لنا لابد أن يتقدم أهل الإيمان والعمران وإلا تقدم أهل الظلم والبهتان والمؤمن لا يمنع الناس خيره ولا يمنع أمته عطاءه الإيماني والعمراني
قال الأحنف بن قيس رحمه الله: ” شر أخلاق الكريم أن يمنع خيره “
فتقدم إلي خزائن الأرض واستعن برب السموات والأرض
المحرك الأساس لرحلة الإيمان والعمران التعلق بالله الولي الرحمن قال تعالي في ختام أحسن القصص ولعله التعليق النهائي ليوسف عليه السلام ( رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ) لما حرم من صحبة الصالحين في الدنيا سأل الله أن يلحقه بهم في الآخرة.
أخي يوسف:
اليوم هو بداية لبقية العمر
فكن حامل منهج الإيمان والعمران والأخلاق
أخي يوسف (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) )
أخي يوسف
لا راحه في الدنيا إلا بالعمل لأمتنا والاستعداد لآخرتنا
قيل : يارسول الله ماتت فلانة واستراحت ! فغضب صلي الله عليه وسلم وقال ” إنما يستريح من غفر له “ [السلسلة الصحيحة 1710]
فنتعب ها هنا لنستريح هناك ونسأل الله أن يغفر لنا.

أخي يوسف اقرأ سورة يوسف في رحلتك ولكن بعدسة جديدة ولتكن منهجيتك هي:

المنهجية 108



أقصد الآية 108 من سورة يوسف ولم أكتبها لتفتح المصحف وتقرأ تفسيرها ولعلها مفتاح السورة وسرها
وأخيرا أقول لنفسي ولك ولأهل تونس قال تعالي (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) )
أعتذر،، توقف وأقرأها مرة أخري ولكن بقلبك
هذا ختام آيات سورة هود لنبدأ في السورة التي تليها في ترتيب المصحف والنزول مباشرة بنفسية مافيها من عبر.
ابدأ…
بسم الله الرحمن الرحيم
توقيع
يوسف في مكان ما


المصدر:
http://www.quran4nahda.com/?p=2258