النتائج 1 إلى 14 من 14

الموضوع: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

  1. #1
    عضو برونزي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    7,341
    الدولة: Syria
    معدل تقييم المستوى
    65

    Post كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.



    طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد لعبد الرحمن الكواكبي، أنصح وبشدّة الجميع بقراءته والتغلل فيه للخروج بالعبر ، يتحدّث العلّامة في كتابه عن الاستبداد، المُستبِد والمُستبَد ويصف أحوالهم التي هي أحوالنا حاليّاً وكأنه قد عاش بيننا وتكلّم عن عصرنا المشابه لعصورٍ خلت اشترك حكّامها جميعهم في استبداد الأمم، رغم أنّ كتابه هذا قد فات على تسطيره أكثر من مئة عامٍ .
    في مقدّمة كتابه يبيّن لنا أنّ المتكلّم في الاستبداد عليه أن يُلاحظ تعريف وتشخيص ما هو الاستبداد وما سببه وما أعراضه، ما سيره وما إنذاره وما دواؤه ولماذا يكون المستبد شديد الخوف، وبماذا ينبغي استبدال الاستبداد، وهكذا إلى أخر الأسئلة التي يثيرها الكواكبي في كتابه، وكان الكواكبي حريصاً أيضاً على أن يبين واجبات الحاكم إزاء الرعية وأنهم لابد أن يكونوا في خدمة الرعية ويسهرون على رعاية مصالحهم، وقد تخيّر الكواكبي أسلوب الاقتضاب وهو الأسلوب السهل المفيد الذي يختاره كتاب سائر اللغات ابتعاداً عن قيود التعقيد وسلاسل التأصيل والتفريغ.

    بدايةً عبد الرحمن الكواكبي (1854 - 1902 م) مفكر وعلامة سوري، ورائد من رواد التعليم ومن رواد الحركة الإصلاحية العربية، وكاتب ومؤلف ومحامي وفقيه شهير، ألف العديد من الكتب وترك لنا تراثاً أدبيّاً كبيرًا، ومن مؤلفاته العظمة لله، وصحائف قريش، وقد فقد مخطوطين مع جملة أوراقه ومذكراته ليلة وفاته، وله الكثير من المخطوطات والكتب والمذكرات التي طبعت، توفي في القاهرة متأثراً بسم دس له في فنجان القهوة عام 1320 هـ الموافق 1902 حيث دفن فيها (رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه).


    بعض المقتطفات العشوائيّة المهمّة من الكتاب التي أثارت في نفسي مشاعر لا يمكن وصفها بكلمات ...

    في تعريفه للاستبداد والمستبدين..

    أنّ الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً، التي تتصرّف في شؤون الرّعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقَّقَين.

    وأشدّ مراتب الاستبداد التي يُتعوَّذ بها من الشّيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية. ولنا أنْ نقول كلّما قلَّ وَصْفٌ منْ هذه الأوصاف؛ خفَّ الاستبداد إلى أنْ ينتهي بالحاكم المنتخب الموقت المسؤول فعلاً. وكذلك يخفُّ الاستبداد ـ طبعاًـ كلّما قلَّ عدد نفوس الرَّعية، وقلَّ الارتباط بالأملاك الثّابتة، وقلَّ التّفاوت في الثّروة وكلّما ترقَّى الشّعب في المعارف.

    وقد تكلَّم بعض الحكماء ـ لا سيَّما المتأخِّرون منهم ـ في وصف الاستبداد ودوائه بجمل بليغة بديعة تُصوِّر في الأذهان شقاء الإنسان، كأنَّها تقول له هذا عدوَّك فانظر ماذا تصنع، ومن هذه الجمل قولهم:
    «المستبدّ: يتحكَّم في شؤون النّاس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنَّه الغاصب المتعدِّي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من النَّاس يسدُّها عن النّطق بالحقّ والتّداعي لمطالبته».
    «المستبدّ: عدوّ الحقّ، عدوّ الحّيّة وقاتلهما، والحق أبو البشر، والحرّيّة أمّهم، والعوام صبية أيتام لا يعلمون شيئاً، والعلماء هم إخوتهم الرّاشدون، إنْ أيقظوهم هبّوا، وإنْ دعوهم لبّوا، وإلا فيتَّصل نومهم بالموت».
    «المستبدّ: يتجاوز الحدّ ما لم يرَ حاجزاً من حديد، فلو رأى الظّالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظّلم، كما يقال: الاستعداد للحرب يمنع الحرب».
    «المستبدّ: إنسانٌ مستعدٌّ بالطّبع للشّر وبالإلجاء للخير، فعلى الرّعية أنْ تعرف ما هو الخير وما هو الشّر فتلجئ حاكمها للخير رغم طبعه، وقد يكفي للإلجاء مجرَّد الطَّلب إذا علم الحاكم أنَّ وراء القول فعلاً. ومن المعلوم أنَّ مجرد الاستعداد للفعل فعل يكفي شرَّ الاستبداد».
    «المستبدّ: يودُّ أنْ تكون رعيته كالغنم درّاً وطاعةً، وكالكلاب تذلُّلاً وتملُّقاً، وعلى الرَّعية أنْ تكون كالخيل إنْ خُدِمَت خَدمتْ، وإنْ ضُرِبت شَرست، وعليها أن تكون كالصقور لا تُلاعب ولا يُستأثر عليها بالصّيد كلِّه، خلافاً للكلاب التي لا فرق عندها أَطُعِمت أو حُرِمت حتَّى من العظام. نعم؛ على الرّعية أن تعرف مقامها: هل خُلِقت خادمة لحاكمها، تطيعه إنْ عدل أو جار، وخُلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟.. والرَّعية العاقلة تقيَّد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزَّت به الزّمام وإنْ صال ربطتْه».

    الاستبداد: يَدُ الله القويّة الخفيّة يصفعُ بها رقاب الآبقين من جنّة عبوديَّته إلى جهنَّم عبودية المستبدِّين الذين يشاركون الله في عظمته ويعاندونه جهاراً، وقد ورد في الخبر: «الظّالم سيف الله ينتقم به، ثمَّ ينتقم منه»، كما جاء في أثرٍ آخر: «مَنْ أعان ظالماً على ظلمه سَلَّطَه الله عليه»، ولا شكَّ في أنَّ إعانة الظّالم تبتدئ من مجرَّد الإقامة على أرضه.
    الاستبداد: هو نار غضب الله في الدّنيا، والجحيم هو نار غضبه في الآخرة، وقد خلق الله النّار أقوى المطهِّرات، فَيُطَهِّر بها في الدّنيا دَنَسَ منْ خلقهم أحراراً، وبَسَطَ لهم الأرض واسعة، وبذلَ فيها رزقهم، فكَفَروا بنعمته، ورضخوا للاستعباد والتَّظالم.
    الاستبداد: أعظم بلاء، يتعجَّل الله به الانتقام من عباده الخاملين، ولا يرفعه عنهم حتَّى يتوبوا توبة الأنفة. نعم؛ الاستبداد أعظم بلاء؛ لأنَّه وباء دائم بالفتن وجَدْبٌ مستمرٌّ بتعطيل الأعمال، وحريقٌ متواصلٌ بالسَّلب والغصْب، وسيْلٌ جارفٌ للعمران، وخوفٌ يقطع القلوب، وظلامٌ يعمي الأبصار، وألمٌ لا يفتر، وصائلٌ لا يرحم، وقصة سوء لا تنتهي. وإذا سأل سائلٌ: لماذا يبتلي الله عبادَه بالمستبدِّين؟ فأبلغُ جواب مُسْكِت هو: إنَّ الله عادلٌ مطلقٌ لا يظلم أحداً، فلا يُولَّى المستبدّ إلا على المستبدِّين. ولو نظر السّائل نظرة الحكيم المدقِّق لوجد كُلَّ فرد من أُسراء الاستبداد مُستبدّاً في نفسه، لو قدر لجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كُلَّهم، حتَّى وربَّه الذي خلقَهُ تابعين لرأيه وأمره.
    فالمستبدُّون يتولاهم مستبدّ، والأحرار يتولاهم الأحرار، وهذا صريح معنى: «كما تكونوا يُولَّى عليكم».
    ما أليقَ بالأسير في أرضٍ أن يتحوَّل عنها إلى حيثُ يملك حرّيّته، فإنَّ الكلب الطّليق خيرُ حياةً من الأسد المربوط.

    الاستبداد والدين.

    وهذا القرآن الكريم مشحونٌ بتعاليم إماتة الاستبداد وإحياء العدل والتّساوي حتّى في القصص منه؛ ومن جملتها قول بلقيس ملكة سبأ من عرب تُبَّع تخاطبُ أشراف قومها: يا أيُّها الملأُ أفتوني في أمري ما كنت قاطعةً أمراً حتى تَشهَدون * قالوا نحن أولوا قوةٍ وأُولوا بأسٍ شديدٍ والأمر إليكِ فانظري ماذا تأمرين * قالت إنَّ الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذِلةً وكذلك يفعلون.
    فهذه القصة تُعلِّم كيف ينبغي أن يستشير الملوك الملأ؛ أي أشراف الرَّعية، وأن لا يقطعوا أمراً إلا برأيهم، وتشير إلى لزوم أن تُحفظ القوّة والبأس في يد الرّعية، وأن يخصص الملوك بالتّنفيذ فقط، وأن يكرموا بنسبة الأمر إليهم توقيراً، وتقبّح شأن الملوك المستبدين.
    ومن هذا الباب أيضاً ما ورد في قصة موسى عليه السلام مع فرعون في قوله تعالى: قال الملأ من قوم فرعون إنَّ هذا لساحرٌ عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون؛ أي قال الأشراف بعضهم لبعض: ماذا رأيكم؟ (قالوا) خطاباً لفرعون وهو قرارهم: أَرجِه وأخاه وأرسِل في المدائن حاشرين * يأتوك بكلِّ ساحرٍ عليم؛ ثمّ وصف مذاكراتهم بقوله تعالى: فتنازعوا أمرهم؛ أي رأيهم بينهم وأسرُّوا النجوى؛ أي أفضت مذاكراتهم العلنية إلى النّزاع فأجروا مذاكرة سرية طبق ما يجري إلى الآن في مجالس الشورى العمومية.
    بناءً على ما تقدّم؛ لا مجال لرمي الإسلامية بتأييد الاستبداد مع تأسيسها على مئات الآيات البيِّنات التي منها قوله تعالى: وشاورهم في الأمر؛ أي في الشأن، ومن قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم؛ أي أصحاب الرأي والشأن منكم، وهم العلماء والرؤساء على ما اتَّفق عليه أكثر المفسِّرين، وهم الأشراف في اصطلاح السياسيين. ومما يؤيِّد هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: وما أمرُ فرعون؛ أي ما شأنه، وحديث «أميري من الملائكة جبريل»؛ أي مشاوري.
    وليس بالأمر الغريب ضياع معنى وأُولي الأمر على كثير من الأفهام بتضليل علماء الاستبداد الذي يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، وقد أغفلوا معنى قيد منكم؛ أي المؤمنين منعاً لتطرُّق أفكار المسلمين إلى التفكير بأنّ الظالمين لا يحكمونهم بما أنزل الله، ثمَّ التدرُّج إلى معنى آية إن الله يأمر بالعدل، أي بالتساوي؛ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، أي التساوي؛ ثمّ ينتقل إلى معنى آية:ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. ثمَّ يستنتج عدم وجوب طاعة الظالمين وإن قال بوجوبها بعض الفقهاء الممالئين دفعاً للفتنة التي تحصد أمثالهم حصداً. والأغرب من هذا جسارتهم على تضليل الأفهام في معنى (أمر) في آية: وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقَّ عليها القول فدمَّرناها تدميراً؛ فإنهم لم يبالوا أن ينسبوا إلى الله الأمر بالفسق... تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، والحقيقة في معنى (أمرنا) هنا أنَّه بمعنى أمرِنا - بكسر الميم أو تشديدها-؛ أي جعلنا أمراءها مترفيها ففسقوا فيها (أي ظلموا أهلها) فحقّ عليهم العذاب؛ أي (نزل بهم العذاب).
    والأغرب من هذا وذاك؛ أنَّهم جعلوا للفظة العدل معنىً عُرفياً؛ وهو الحكم بمقتضى ما قاله الفقهاء؛ حتى أصبحت لفظة العدل لا تدلُّ على غير هذا المعنى، مع أنّ العدل لغةً للتسوية؛ فالعدل بين النّاس هو التسوية بينهم، وهذا هو المراد في آية: إن الله يأمر بالعدل، وكذلك القصاص في آية: ولكم في القصاص حياةٌ المتواردة مطلقاً، لا المعاقبة بالمثل فقط على ما يتبادر إلى أذهان الأُسراء، الذين لا يعرفون للتّساوي موقعاً في الدِّين غير الوقوف بين يدي القضاة.
    وقد عدّد الفقهاء من لا تُقبَل شهادتهم لسقوط عدالتهم، فذكروا حتّى من يأكل ماشياً في الأسواق؛ ولكنّ شيطان الاستبداد أنساهم أن يُفسِّقوا الأمراء الظالمين فيردّوا شهادتهم. ولعلّ الفقهاء يُعذَرون بسكوتهم هنا مع تشنيعهم على الظالمين في مواقع أخرى؛ ولكن، ما عذرهم في تحويل معنى الآية: ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إلى أنّ هذا الفرض هو فرض كفاية لا فرض عين؟ والمراد منه سيطرة أفراد المسلمين بعضهم على بعض؛ لا إقامة فئة تسيطر على حكامهم كما اهتدت إلى ذلك الأمم الموفقة للخير؛ فخصّصت منها جماعات باسم مجالس نّواب، وظيفتها السيطرة والاحتساب على الإدارة العمومية: السياسية والمالية والتشريعية، فتخلّصوا بذلك من شآمة الاستبداد. أليست هذه السيطرة وهذا الاحتساب بأهم من السيطرة على الأفراد؟ ومن يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكّام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبوا الصّبر عليهم إذا ظلموا، وعدّوا كلّ معارضة لهم بغياً يبيح دماء المعارضين؟!.
    اللهم؛ إنّ المستبدِّين وشركاءهم قد جعلوا دينك غير الدِّين الذي أنزلت، فلا حول ولا قوّة إلا بك!.



    الاستبداد والعلم.

    إنَّ الاستبداد والعلم ضدان متغالبان؛ فكلُّ إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل. والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحياناً في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار النّاس، والغالب أنَّ رجال الاستبداد يُطاردون رجال العلم وينكلون بهم، فالسعيد منهم من يتمكّن من مهاجرة دياره، وهذا سبب أنَّ كلَّ الأنبياء العظام - عليهم الصلاة والسلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء والنبلاء- تقلَّبوا في البلاد وماتوا غرباء.

    والخلاصة أنَّ المستبدّ يخاف من هؤلاء العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظاتٌ كثيرة كأنّها مكتبات مقفلة!.

    ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنَّهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا.
    العوام هم قوة المستبدُّ وقُوْتُهُ. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً؛ وإذا قتل منهم لم يمثِّل يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة.
    والحاصل أنَّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم، كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بدَّ للمستبدِّ من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم بترقّيها المستبدَّ اللئيم على الترقّي معها والانقلاب –رغم طبعه- إلى وكيلٍ أمين يهاب الحساب، ورئيسٍ عادل يخشى الانتقام، وأبٍ حليمٍ يتلذذ بالتحابب. وحينئذٍ تنال الأمة حياةً رضيّة هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عزّ وسعادة، ويكون حظّ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ، بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد؛ لأنه على الدوام ملحوظاً بالبغضاء، محاطاً بالأخطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قطّ أمامه من يسترشده فيما يجهل؛ لأنَّ الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متيناً، لا بدَّ أن يهابه، فيضطرب باله، فيتشوش فكره، ويختلّ رأيه، فلا يهتدي على الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريح به قبل استطلاع رأي المستبدّ، فإن رآه متصلِّباً فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده راشداً كان أو غيّاً، وكلُّ مستشار غيره يدَّعي أنَّه غير هيّاب فهو كذَّاب؛ والقول الحقُّ: إنَّ الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناءً عليه؛ لا يستفيد المستبدُّ قطُّ من رأي غيره، بل يعيش في ضلال وترددٍ وعذابٍ وخوف، وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده النّاس وقد خلقهم ربهم أحراراً.
    إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه، وخوفهم عن توهّم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النّبات وعلى وطنٍ يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كلِّ شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياةٍ تعيسة فقط.
    كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبدِّ بالجنون التّام.

    المستبدون الشرقيون فأفئدتهم هواء ترتجف من صولة العلم، كأنّ العلم نار وأجسامهم من بارود. المستبدون يخافون من العلم حتى من علم الناس معنى كلمة (لا إله إلا الله)، ولماذا كانت أفضل الذكر، ولماذا بُني عليها الإسلام. بُني الإسلام، بل وكافة الأديان على (لا إله إلا الله)، ومعنى ذلك أنّه لا يُعبد حقاً سوى الصانع الأعظم، ومعنى العبادة الخضوع ومنها لفظة العبد، فيكون معنى لا إله إلا الله: "لا يستحق الخضوع شيءٌ غير الله". وما أفضل تكرار هذا المعنى على الذاكرة آناء الليل وأطراف النهار تحذُّراً من الوقوع في ورطة شيء من الخضوع لغير الله وحده. فهل –والحالة هذه- يناسب غرض المستبدين أن يعلم عبيدهم أنْ لا سيادة ولا عبودية في الإسلام ولا ولاية فيه ولا خضوع، إنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض؟ كلا؛ لا يلائم ذلك غرضهم، وربما عدّوا كلمة (لا إله إلا الله) شتماً لهم! ولهذا؛ كان المستبدون –ولا زالوا- من أنصار الشِّرك وأعداء العلم.


    الاستبداد والمجد.

    المستبدُّ في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنساناً فصار إلهاً. ثم يُرجع النظر فيرى نفسه في نفس الأمر أعجز من كلِّ عاجز وأنَّه ما نال ما نال إلا بواسطة من حوله من العوان، فيرفع نظره إليهم فيسمع لسان حالهم يقول له: ما العرش؟ وما التاج؟ وما الصولجان؟ ما هذه إلا أوهام في أوهام. هل يجعلك هذا الريش في رأسك طاووساً وأنت غراب؟ أم تظن الأحجار البراقة في تاجك نجوماً ورأسك سماء؟ أم تتوهم أنَّ زينة صدرك ومنكبيك أخرجتك عن كونك قطعة طينٍ من هذه الأرض؟ والله ما مكَّنك في هذا المقام وسلَّطك على رقاب الأنام إلا شعوذتنا وسحرنا وامتهاننا لديننا ووجداننا وخيانتنا لوطننا وإخواننا، فانظر أيها الصغير المكبَّر الحقير الموقّر كيف تعيش معنا!
    ثمَّ يلتفت إلى جماهير الرّعية المتفرجين، منهم الطائشين المهللين المسبِّحين بحمده، ومنهم المسحورين المبهوتين كأنهم أموات من حين، ولكن؛ يتجلّى في فكره أنَّ خلال الساكتين بعض أفراد عقلاء أمجاد يخاطبونه بالعيون؛ بأنَّ لنا معاشر الأمَّة شؤوناً عمومية وكَّلناك في قضائها على ما نريد ونبغي، لا على ما تريد فتبغي. فإنْ وفَّيت حقَّ الوكالة حُقَّ لك الاحترام، وإن مرت مكَرْنا وحاقت بك العاقبة، ألا إنَّ مكر الله عظيم.

    والنتيجة أنَّ المستبد فردٌ عاجز لا حول له ولا وقوة إلا بالمتمجدين، والأمة؛ أي أمة كانت، ليس لها من يحكُّ جلدها غير ظفرها، ولا يقودها إلا العقلاء بالتنوير والإهداء والثبات، حتى إذا ما اكفهرَّت سماء عقول بينها قيَّض الله لها من جمعهم الكبير أفراداً كبار النفوس قادة أبرار يشترون لها السعادة بشقائهم والحياة بموتهم؛ حيث يكون الله جعل في ذلك لذتهم، ولمثل تلك الشهادة الشريفة خلقهم، كما خلق رجال عهد الاستبداد فسّاقاً فُجّاراً مهالكهم الشهوات والمثالب. فسبحان الذي يختار من يشاء لما يشاء، وهو الخلاّق العظيم.


    الاستبداد والمال.

    إنَّ الاستبداد داءٌ أشدُّ وطأةً من الوباء، أكثر هولاً من الحريق، أعظم تخريباً من السّيل، أذلُّ للنفوس من السؤال. داءٌ إذا نزل بقومٍ سمعت أرواحهم هاتف السماء ينادي القضاء القضاء، والأرض تناجي ربّها بكشف البلاء. الاستبداد عهدٌ؛ أشقى الناس فيه العقلاء والأغنياء، وأسعدهم بمحياه الجهلاء والفقراء، بل أسعدهم أولئك الذين يتعجّلون الموت فيحسدهم الأحياء.


    الاستبداد والأخلاق.

    الاستبداد يسلب الرّاحة الفكرية، فيضني الأجسام فوق ضناها بالشقاء، فتمرض العقول، ويختلُّ الشعور على درجات متفاوتة في الناس. والعوام الذين هم قليلو المادة في الأصل قد يصل مرضهم العقلي إلى درجة قريبة من عدم التمييز بين الخير والشر، في كلِّ ما ليس من ضروريات حياتهم الحيوانية. ويصل تسفُّل إدراكهم إلى أنَّ مجرّد آثار الأبَّهة والعظمة التي يرونها على المستبدّ وأعوانه تبهر أبصارهم، ومجرّد سماع ألفاظ التفخيم في وصفه وحكايات قوته وصولته يزيغ أفكارهم، فيرون ويفكرون أنَّ الدواء في الداء، فينصاعون بين يدي الاستبداد انصياع الغنم بين أيدي الذئاب؛ حيث هي تجري على قدميها جاهدةً إلى مقرِّ حتفها.
    ولهذا كان الاستبداد يستولي على تلك العقول الضعيفة فضلاً عن الأجسام فيفسدها كما يريد، ويتغلّب على تلك الأذهان الضئيلة، فيشوش فيها الحقائق، بل البديهيات كما يهوى، فيكون مَثَلُهم في انقيادهم الأعمى للاستبداد ومقاومتهم للرشد والإرشاد، مثل تلك الهوام التي تترامى على النار، وكم هي تغالب من يريد حجزها على الهلاك. ولا غرابة في تأثير ضعف الأجسام على الضعف في العقول، فإنَّ في المرضى وخفّة عقولهم، وذوي العاهات ونقص إدراكهم، شاهداً بيّناً كافياً يُقاس عليه نقص عقول الأُسراء البؤساء بالنسبة إلى الأحرار السعداء، كما يظهر الحال أيضاً بأقلّ فرق بين الفئتين، من الفرق البيّن في قوة الأجسام وغزارة الدّم واستحكام الصحة وجمال الهيئات.
    ربما يستريب المطالع اللبيب الذي لم يُتعب فكره في درس طبيعة الاستبداد، من أنَّ الاستبداد المشؤوم كيف يقوم على قلب الحقائق، مع أنَّه إذا دقّق النظر يتجلى له أنَّ الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان. يرى أنَّه كم مكّن بعض القياصرة والملوك الأولين من التلاعب بالأديان تأييداً لاستبدادهم فاتَّبعهم الناس. ويرى أنَّ الناس وضعوا الحكومات لأجل خدمتهم، والاستبداد قلب الموضوع، فجعل الرعية خادمة للرعاة، فقبلوا وقنعوا. ويرى أنَّ الاستبداد ما ساقهم إليه من اعتقاد أنَّ طالب الحقِّ فاجرٌ، وتارك حقّه مطيع، والمشتكي المتظلِّم مفسد، والنّبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين. وقد اتَّبع الناس الاستبداد في تسميته النصح فضولاً، والغيرة عداوة، والشّهامة عتوّاً، والحمية حماقة، والرحمة مرضاً، كما جاروه على اعتبار أنَّ النِّفاق سياسة، والتحيُّل كياسة، والدناءة لطف، والنذالة دماثة.
    ولا غرابة في تحكُّم الاستبداد على الحقائق في أفكار البسطاء، إنما الغريب إغفاله كثيراً من العقلاء، ومنهم جمهور المؤرِّخين الذين يُسمّون الفاتحين الغالبين بالرِّجال العظام، وينظرون إليهم نظر الإجلال والاحترام لمجرّد أنَّهم كانوا أكثر في قتل الإنسان، وأسرفوا في تخريب العمران. ومن هذا القبيل في الغرابة إعلاء المؤرِّخين قدر من جاروا المستبدين، وحازوا القبول والوجاهة عند الظالمين. وكذلك افتخار الأخلاق بأسلافهم المجرمين الذين كانوا من هؤلاء الأعوان الأشرار.
    وقد يظنُّ بعض الناس أنَّ للاستبداد حسناتٍ مفقودة في الإدارة الحرّة، فيقولون مثلاً: الاستبداد يليّن الطباع ويلطِّفها، والحقُّ أنَّ ذلك يحصل فيه عن فقد الشهامة لا عن فقد الشراسة. ويقولون: الاستبداد يُعلِّم الصغير الجاهل حسن الطاعة والانقياد للكبير الخبر، والحقُّ أنَّ هذا فيه عن خوف وجبانة لا عن اختيارٍ وإذعان. ويقولون: هو يربّي النفوس على الاعتدال والوقوف عند الحدود، والحقُّ أنْ ليس هناك غير انكماشٍ وتقهقر. ويقولون: الاستبداد يقلل الفسق والفجور، والحقُّ أنَّه عن فقر وعجر، لا عن عفّةٍ أو دين. ويقولون: هو يقلل التعديات والجرائم، والحقُّ أنَّه يمنع ظهورها ويخفيها، فيقلُّ تعديدها لا عدادها.
    الأخلاق أثمار بذرها الوراثة، وتربتها التربية، وسُقياها العلم، والقائمون عليها هم رجال الحكومة، بناءً عليه؛ تفعل السياسة في أخلاق البشر ما تفعله العناية في إنماء الشجر.
    نعم: الأقوام كالآجام، إن تُرِكت مهملة تزاحمت أشجارها وأفلاذها، وسقُم أكثرها، وتغلَّب قويّها على ضعيفها فأهلكه، وهذا مثل القبائل المتوحِّشة. وإن صادفت بستانياً يهمه بقاؤها وزهوها فدبّرها حسبما تطلبه طباعها، قويت وأينعت وحسُنت ثمارها، وهذا مثل الحكومة العادلة. وإذا بُليت ببستانيٍّ جدير بأن يسمّى حطّاباً لا يعنيه إلا عاجل الاكتساب، أفسدها وخرّبها، وهذا مثل الحكومة المستبدّة. ومتى كان الحطّاب غريباً لم يُخلق من تراب تلك الديار وليس له فيها فخار ولا يلحقه منها عار، إنّما همّه الحصول على الفائدة العاجلة ولو باقتلاع الأصول، فهناك الطّامة وهناك البوار. فبناءً على هذا المثال، يكون فِعلُ الاستبداد في أخلاق الأمم فِعل ذلك الحطّاب الذي لا يُرجى منه غير الإفساد.
    لا تكون الأخلاق أخلاقاً ما لم تكن ملكة مُطردة على قانون فطري تقتضيه أولاً وظيفة الإنسان نحو نفسه؛ وثانياً وظيفته نحو عائلته؛ وثالثاً وظيفته نحو قومه؛ ورابعاً وظيفته نحو الإنسانية؛ وهذا القانون هو ما يسمّى عند الناس بالناموس.

    ومن أين لأسير الاستبداد أن يكون صاحب ناموس، وهو كالحيوان المملوك العنان، يُقاد حيث يُراد، ويعيش كالريش، يهبُّ، حيث يهبُّ الريح، لا نظام ولا إرادة؟ وما هي الإرادة؟ هي أمُّ الأخلاق، هي ما قيل فيها تعظيماً لشأنها: لو جازت عبادة غير الله لاختار العقلاء عبادة الإرادة! هي تلك الصفة التي تفصل الحيوان عن النّبات في تعريفه بأنّه متحرك بالإرادة. فالأسير، إذن، دون الحيوان لأنّه يتحرّك بإرادة غيره لا بإرادة نفسه. ولهذا قال الفقهاء: لا نيّة للرقيق في كثير من أحواله، إنما هو تابع لنيّة مولاه. وقد يُعذر الأسير على فساد أخلاقه؛ لأنَّ فاقد الخيار غير مؤاخذ عقلاً وشرعاً.
    أسير الاستبداد لا نظام في حياته، فلا نظام في أخلاقه، قد يصبح غنياً فيضحي شجاعاً كريماً، وقد يمسي فقيراً فيبيت جباناً خسيساً، وهكذا كلُّ شؤونه تشبه الفوضى لا ترتيب فيها، فهو يتبعها بلا وجهة. أليس الأسير قد يُرهق، ويسيء كثيراً فيُعفى، وقليلاً فيُشنق، ويجوع يوماً فيضوى، ويخصب يوماً فيتخم، يريد أشياء فيُمنَع، ويأبى شيئاً فيُرغم؟! وهكذا يعيش كما تقتضيه الصُّدف أن يعيش، ومن كانت هذه حاله كيف يكون له أخلاق، وإنْ وجد ابتداء يتعذر استمراره عليه؟! ولهذا لا تجوّز الحكمة الحُكمَ على الأسراء بخيرٍ أو شرّ.
    أقلُّ ما يؤثّره الاستبداد في أخلاق الناس، أنَّه يرغم حتى الأخيار منهم على إلفة الرّياء والنفاق ولبئس السيّئتان، وإنه يعين الأشرار على إجراء غيّ نفوسهم آمنين من كلِّ تبعة ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح، لأنَّ أكثر أعمال الأشرار تبقى مستورة، يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من تبعة الشهادة على ذي شرّ وعقبى ذكر الفاجر بما فيه. ولهذا، شاعت بين الأسراء قواعد كثيرة باطلة كقولهم: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وقولهم: البلاء موكولٌ بالمنطق. وقد تغالى وعّاظهم في سدِّ أفواههم حتى جعلوا لهم أمثال هذه الأقوال من الحِكَم النبوية، وكم هجوا لهم الهجو والغيبة بلا قيد، فهم يقرؤون: لا يحبُّ اللهُ الجهر بالسّوء من القول ويغفلون بقية الآية، وهي: إلاّ من ظُلِم.


    الاستبداد والتربية.

    أما أسير الاستبداد، فيعيش خاملاً خامداً ضائع القصد، حائراً لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته ويدرج أيامه وأعوامه، كأنَّه حريصٌ على بلوغ أجله ليستتر تحت التراب. ويخطئ، والله من يظنُّ أنَّ أكثر الأسراء لا سيما منهم الفقراء لا يشعرون بآلام الأسر. مستدلاً بأنهم لو كانوا يشعرون لبادروا إلى إزالته، والحقيقة في ذلك أنهم يشعرون بأكثر الآلام ولكنهم لا يدركون ما هو سببها، ومن أين جاءتهم؟ فيرى أحدهم نفسه منقبضاً عن العمل، لأنه غير أمين على اختصاصه بالثمرة. وربما ظنَّ السّلب حقاً طبيعياً للأقوياء فيتمنّى أنْ لو كان منهم. ثمَّ يعمل تارةً، ولكن؛ بدون نشاط ولا إتقان، فيفشل ضرورةً، ولا يدري أيضاً ما السبب، فيغضب على ما يسمّيه سعداً أو حظاً أو طالعاً أو قدراً. والمسكين من أين له أن يعرف أنَّ النشاط والإتقان لا يتأتيان إلا مع لذة انتظار نجاح العمل، تلك اللذة التي قدَّر الحكماء أنَّها اللذة الكبرى، لاستمرار زمانها من حين العزم إلى تمام العمل، والأسير لا اطمئنان فيه على الاستمرار، ولا تشجيع له على الصبر والجلد.
    الأسير المعذَّب المنتسب إلى دين يسلّي نفسه بالسعادة الأخروية، فيعدها بجنان ذات أفنان ونعيم مقيم أعدَّه له الرحمن، ويبعد عن فكره أنَّ الدنيا عنوان الآخرة، وأنَّ ربما كان خاسراً الصفقتين، بل ذلك هو الكائن غالباً. ولبسطاء الإسلام مسليات أظنُّها خاصّة بهم يعطفون مصائبهم عليها، وهي نحو قولهم: الدنيا سجن المؤمن، المؤمن مصاب، إذا أحبَّ الله عبداً ابتلاه، هذا شأن آخر الزمان، حسب المرء لقيماتٍ يقمن صلبه. ويتناسون حديث: "إنَّ الله يكره العبد البطّال"، والحديث المفيد معنى "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم غرسةً فليغرسها"، ويتغافلون عن النص القاطع المؤجّل قيام الساعة إلى ما بعد استكمال الأرض زخرفتها وزينتها. وأين ذلك بعد؟
    وكلُّ هذه المسميات المثبطات تهون عند ذلك السمّ القاتل، الذي يحوّل الأذهان عن التماس معرفة سبب الشقاء، فيرفع المسؤولية عن المستبدّين، ويلقيها على عاتق القضاء والقدر، بل على عاتق الأُسراء المساكين أنفسهم. وأعني بهذا السمّ، فهم العوام، وبله الخواص، لما ورد في التوراة من نحو: "اخضعوا للسلطان ولا سلطة إلا من الله"، و"الحاكم لا يتقلّد السيف جزافاً، إنه مقام للانتقام من أهل الشر"، وقد صاغ وعّاظ المسلمين ومحدِّثوهم من ذلك قولهم: "السلطان ظلُّ الله في الأرض"، و"الظالم سيف الله ينتقم به، ثمَّ ينتقم منه"، و"الملوك ملهمون". هذا وكلُّ ما ورد في هذا المعنى إنْ صحَّ فهو مقيّد بالعدالة أو محتمل للتأويل بما يعقل، وبما ينطبق على حكم الآية الكريمة التي فيها فصل الخطاب، وهي: ألا لعنة الله على الظالمين، وآية فلا عدوان إلا على الظالمين

    الاستبداد يُضطرُّ النّاس إلى استباحة الكذب والتحيُّل والخداع والنِّفاق والتذلل. وإلى مراغمة الحسِّ وإماتة النفس ونبذ الجدّ وترك العمل، إلى آخره. وينتج من ذلك أنَّ الاستبداد المشؤوم هو يتولى بطبعه تربية الناس على هذه الخصال الملعونة. بناءً عليه، يرى الآباء أنَّ تعبهم في تربية الأبناء التربية الأولى على غير ذلك لا بدَّ أنْ يذهب عبثاً تحت أرجل تربية الاستبداد، كما ذهبت قبلها تربية آبائهم لهم، أو تربية غيرهم لأبنائهم سدىً.
    ثمَّ إنَّ عبيد السلطان التي لا حدود لها هم غير مالكين أنفسهم، ولا هم آمنون على أنَّهم يربّون أولادهم لهم. بل هم يربّون أنعاماً للمستبدّين، وأعواناً لهم عليهم. وفي الحقيقة، إنَّ الأولاد في عهد الاستبداد، هم سلاسل من حديد يرتبط بها الآباء على أوتاد الظلم والهوان والخوف التضييق. فالتوالد من حيث هو زمن الاستبداد حمق، والاعتناء بالتربية حمقٌ مضاعف! وقد قال الشاعر:
    إنْ دام هذا ولم تحدث له غِيَرٌ لم يُبكِ ميتٌ ولم يُفرح بمولودِ


    الاستبداد والترقّي (رفعة الأمم).

    وقد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحوِّل ميلها الطبيعي من طلب الترقّي إلى التسفُّل، بحيث لو دُفِعَت إلى الرِّفعة لأبت وتألَّمت كما يتألَّم الأجهر من النور، وإذا أُلزِمَت بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أُطلِق سراحها. عندئذٍ يصير الاستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم الأمة، فلا ينفكُّ عنها حتى تموت ويموت هو بموتها.

    أُسراء الاستبداد حتى الأغنياء منهم كلُّهم مساكين لا حراك فيهم، يعيشون منحطّين في الإدراك، منحطِّين في الإحساس، منحطّين في الأخلاق. وما أظلم توجيه اللوم عليهم بغير لسان الرأفة والإرشاد، وقد أبدع من شبَّه حالتهم بدود تحت صخرة، فما أليق باللائمين أن يكونوا مشفقين يسعون في رفع الصخرة ولو حتّاً بالأظافر ذرَّةً بعد ذرّة.
    وقد أجمع الحكماء على أنَّ أهم ما يجب عمله على الآخذين بيد الأمَّة، الذين فيهم نسمة مروءة وشرار حمية، الذين يعرفون ما هي وظيفتهم بإزاء الإنسانية، الملتمسين لإخوانهم العافية، أن يسعوا في رفع الضغط عن العقول لينطلق سبيلها في النموِّ فتمزِّق غيوم الأوهام التي تمطر المخاوف، شأن الطبيب في اعتنائه أولاً بقوة جسم المريض، وأن يكون الإرشاد متناسباً مع الغفلة خفَّةً وقوة: كالساهي ينبِّهه الصوت الخفيف، والنّائم يحتاج إلى صوتٍ لأقوى، والغافل يلزمه صياحٌ وزجر. فالأشخاص من هذا النوع الأخير، يقتضي لإيقاظهم الآن بعد أن ناموا أجيالاً طويلة أن يسقيهم النطاسي البارع مرّاً من الزواجر والقوارس علَّهم يفيقون، وإلا فهم لا يفيقون، حتى يأتي القضاء من السماء: فتبرق السيوف، وترعد المدافع وتمطر البنادق، فحينئذٍ يصحون، ولكن؛ صحوة الموت!.

    هذا القرآن الكريم إذا أخذناه وقرأناه بالتّروي في معاني ألفاظه العربية وأسلوب تركيبه القرشي، مع تفهُّم أسباب نزول آياته وما أشارت إليه، ومع التبصُّر في مقاصده الدقيقة وتشريعه السامي، ومع أخذ بعض التوضيحات من السُّنَّة العملية النبوية أو الإجماع إن وجدا، وقلَّما يوجدان، فحينئذٍ لا نرى فيه من أولِّه إلى آخره غير حِكَمٍ يتلقّاها العقل بالإجلال والإعظام، إلى درجة انقياد العقل طوعاً أو كرهاً للإيمان إجمالاً بأنَّ تلك الحِكَم حِكَمٌ عزيزة إلهية، وأنَّ الذي أنزلها الله على قلبه هو افضل من أرسله الله مرشداً لعباده.
    وتوضيح ذلك: أنَّ الناظر في القرآن حقّ النظر يرى أنَّه لا يكلِّف الإنسان قطّ بالإذعان لشيء فوق العقل، بل يحذِّره وينهاه من الإيمان اتِّباعاً لرأي الغير أو تقليداً للآباء. ويراه طافحاً بالتنبيه إلى أعمال الإنسان فكره ونظره في هذه الكائنات وعظيم انتظامها، ثمَّ الاستدلال بذلك إلى أنَّ لهذه الكائنات صانعاً أبدعها من العدم، ثمَّ الانتقال إلى معرفة الصِّفات التي يستلزم العقل أن يكون هذا الصانع متَّصِفاً بها، أو منزَّهاً عنها، ثمَّ يرى القرآن يعلِّم الإنسان بعض أعمال وأحكام وأوامر ونواهي كلّها لا تبلع المائة عدداً، وكلُّها بسيطة معقولة، إلا قليلاً من الأمور التعبُّدية التي شُرِّعت لتكون شعاراً يعرف به المسلم أخاه، أو يستطلع من خلال قيامه بها أو تهاونه فيها أخلاقه، فيستدلُّ مثلاً بالتّكاسل عن الصلاة على فَقدِ النشاط، وبترك الصوم على عدم الصبر، وبالسُّكر على غلبة النفس والعقل ونحو ذلك.
    وكفى بالإسلامية رقيّاً في التشريع، رقيّها بالبشر إلى منزلة حصرها أسارة الإنسان في جهة شريفة واحدة وهي (الله)، وعتقها عقل البشر عن توهُّم وجود قوة ما، في غير الله، من شأنها أن تأتي للإنسان بخيرٍ ما، أو تدفع عنه شرّاً ما. فالإسلامية تجعل الإنسان لا يرجو ولا يهاب من رسولٍ أو نبيّ، أو ملكٍ أو فلك، أو وليٍّ أو جنّي، أو ساحرٍ أو كاهن، أو شيطانٍ أو سلطان.

    وكأني بسائلكم يقول: هل بعد اجتماع هذه القوات في الغرب واستيلائه على أكثر الشَّرق من سبيل لنجاة البقية؟ فأجيب قاطعاً غير متردِّد: إنَّ الأمر مقدور ولعلَّه ميسور. ورأس الحكمة فيه كسر قيود الاستبداد. وأنْ يكتب الناشئون على جباههم عشر كلمات، وهي:
    1-ديني ما أُظهر وما أُخفي.
    2-أكون؛ حيثُ يكون الحقُّ ولا أبالي.
    3-أنا حرٌّ وسأموت حرّاً.
    4-أنا مستقلٌّ لا أتِّكل على غير نفسي وعقلي.
    5-أنا إنسان الجدّ والاستقبال، لا إنسان الماضي والحكايات.
    6-نفسي ومنفعتي قبل كلِّ شيء.
    7-الحياة كلُّها تعبٌ لذيذ.
    8-الوقت غالٍ عزيز.
    9-الشَّرف في العلم فقط.
    10-أخاف الله لا سواه.
    "وأنت أيها الوطن المحبوب: أنت العزيز على النفوس، المقدَّس في القلوب، إليك تحنُّ الأشباح وعليك تئنُّ الأرواح... أيها الوطن الباكي ضعافه: عليك تبكي العيون، وفيك يحلو المنون. إلى متى يعبث خلالك اللئام الطّغام؟ يظلمون بنيك ويذلُّون ذويك. يطاردون أنجالك الأحباب ويمسكون على المساكين الطُّرق والأبواب، يُخرجون العمران ويُقفرون الدّيار؟.
    أيها الوطن العزيز: هل ضاعت رحابك عن أولادك؟ أم ضاقت أحضانك عن أفلاذك؟... كلا؛ إنَّما فقدت الأُباة، فقدت الحُماة، فقدت الأحرار. أيها الوطن الملتهب فؤاده: أما رويت من سُقيا الدموع والدِّماء؟ ولكنْ؛ دموع بناتك الثاكلات ودماء أبنائك الأبرياء، لا دموع النادمين ولا دماء الظالمين. ألا فاشرب هنيئاً ولا تأسف على البُلْهِ الخاملين، ولا تحزن، فما هم كرائماً وكراماً، لسْنَ هنَّ كرائماً باكيات محمسات، وليسوا هم كراماً أعزَّة شهداء، إنَّما هم –غفر الله لهم- من علمت، قلَّ فيهم الحرُّ الغيور، قلَّ فيهم من يقول أنا لا أخاف الظالمين.
    أيها الوطن الحنون: كَوَّنَ الله عناصر أجسامنا منك، وجعل الأمهات حواضن، ورزقنا الغذاء منك، وجعل المرضعات مجهزات، نعم؛ خلقنا الله منك فحقَّ لك أن تحبَّ أجزاءك وأن تحنَّ على أفلاذك. كما يحقّ لكفي شرع الطبيعة أنْ لا تحبَّ الأجنبي الذي يأبى طبعه حبَّك، الذي يؤذيك ولا يواليك، ويزاحم بنيك عليك ويشاركهم فيك، وينقل إلى أرضه ما في جوفك من نفيس العناصر وكنوز المعادن، فيفقرك ليغني وطنه، ولا لوم عليه، بل بارك الله فيه!".

    وخلاصة القول إنَّ الأمم التي يُسعدها جدُّها لتبديد استبدادها، تنال من الشَّرف الحسّي والمعنوي ما لا يخطر على فكر أُسراء الاستبداد. فهذه بلجيكا أبطلت التكاليف الأميرية برمَّتها، مكتفيةً في نفقاتها بنماء فوائد بنك الحكومة. وهذه سويسرا يصادفها كثيراً أن لا يوجد في سجونها محبوسٌ واحد، وهذه أمريكا أثرت حتى كادت تخرج الفضة من مقام النقد إلى مقام المتاع. وهذه اليابان أصبحت تستنزف قناطير الذهب من أوربا وأمريكا ثمن امتيازات اختراعاتها وطبع تراجم مؤلَّفاتها.


    الاستبداد والتخلص منه.

    وإني أقتصر على بعض الكلام فيما يتعلق بالمبحث الأخير منها فقط؛ أعني مبحث السَّعي في رفع الاستبداد، فأقول:
    1-الأمَّة التي لا يشعر كلُّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة.
    2-الاستبداد لا يقاوَم بالشِّدة إنما يُقاوم باللين والتدرُّج.
    3-يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ما يُستَبدَل به الاستبداد.

    هذه قواعد رفع الاستبداد، وهي قواعد تُبعد آمال الأسراء، وتسرُّ المستبدّين؛ لأنَّ ظاهرها يؤمنِّهم على استبدادهم. ولهذا أذكِّر المستبدّين بما أنذرهم الفياري المشهور؛ حيثُ قال: "لا يفرحنَّ المستبدُّ بعظيم قوَّته ومزيد احتياطه، فكم جبّارٍ عنيدٍ جُنِّد له مظلومٌ صغير"، وإني أقول: كم من جبّار قهّار أخذه الله أخذ عزيزٍ منتقم.
    مبنى قاعدة كون الأمَّة التي لا يشعر أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة هو:
    إنَّ الأمَّة إذا ضُرِبَت عليها الذِّلَّة والمسكنة، وتوالت على ذلك القرون والبطون، تصير تلك الأمَّة سافلة الطِّباع حسبما سبق تفصيله في الأبحاث السَّالفة، حتى إنَّها تصير كالبهائم، أو دون البهائم، لا تسأل عن الحرية، ولا تلتمس العدالة، ولا تعرف للاستقلال قيمة، أو للنظام مزية، ولا ترى لها في الحياة وظيفة غير التابعية للغالب عليها، أحسنَ أو أساء على حدٍّ سواء، وقد تنقم على المستبدِّ نادراً،


    ولكنْ، طلباً للانتقام من شخصه لا طلباً للخلاص من الاستبداد، فلا تستفيد شيئاً، إنما تستبدل مرضاً بمرض؛ كمغصٍ بصداع.
    وقد تقاوم المستبدَّ بسَوق مستبدٍّ آخر تتوسَّم فيه أنَّه أقوى شوكةً من المستبدِّ الأول، فإذا نجحت لا يغسل هذا السائق يديه إلا بماء الاستبداد، فلا تستفيد أيضاً شيئاً، إنما تستبدل مرضاً مزمناً بمرض حديث، وربما تُنال الحرية عفواً، فكذلك لا تستفيد منها شيئاً؛ لأنَّها لا تعرف طعمها، فلا تهتمُّ بحفظها، فلا تلبث الحرية أن تنقلب إلى فوضى، وهي إلى استبدادٍ مشوَّش أشدُّ وطأةً كالمريض إذا انتكس. ولهذا؛ قرَّر الحكماء أنَّ الحرية التي تنفع الأمَّة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها، وأمَّا التي تحصل على أثر ثورةٍ حمقاء فقلّما تفيد شيئاً؛ لأنَّ الثورة –غالباً- تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولاً.
    فإذا وُجِد في الأمَّة الميتة من تدفعه شهامته للأخذ بيدها والنهوض بها فعليه أولاً: أن يبثَّ فيها الحياة وهي العلم؛ أي علمها بأنَّ حالتها سيئة، وإنَّما بالإمكان تبديلها بخيرٍ منها، فإذا هي علمت بطبعه من الآحاد إلى العشرات، إلى إلى...، حتى يشمل أكثر الأمَّة، وينتهي بالتحمُّس ويبلغ بلسان حالها إلى منزلة قول الحكيم المعرّي:
    إذا لم تقُم بالعدل فينا حكومةٌ فنحن على تغييرها قُدَراء
    وهكذا ينقذف فِكرُ الأمَّة في وادٍ ظاهر الحكمة يسير كالسيل، لا يرجع حتى يبلغ منتهاه.

    يوم يغور في يوم. بناءً عليه؛ يلزم لمقاومة تلك القوات الهائلة مقابلتها بما يفعله الثبات والعناد المصحوبان بالحزم والإقدام.
    الاستبداد لا ينبغي أن يُقاوَم بالعنف، كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصداً. نعم؛ الاستبداد قد يبلغ من الشدَّة درجة تنفجر عندها الفتنة انفجاراً طبيعياً، فإذا كان في الأمَّة عقلاء يتباعدون عنها ابتداءً، حتى إذا سكنت ثورتها نوعاً وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حينئذٍ يستعملون الحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة، وخير ما تؤسَّس يكون بإقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد، ولا علاقة لهم بالفتنة.
    العوام لا يثور غضبهم على المستبدِّ غالباً إلا عقب أحوال مخصوصة مهيِّجة فورية، منها:
    1-عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبدُّ على المظلوم يريد الانتقام لناموسه.
    2-عقب حرب يخرج منها المستبدُّ مغلوباً، ولا يتمكَّن من إلصاق عار التغلُّب بخيانة القوّاد.
    3-عقب تظاهر المستبدِّ بإهانة الدّين إهانةً مصحوبةً باستهزاء يستلزم حدَّة العوام.
    4-عقب تضييق شديد عام مقاضاةً لمالٍ كثير لا يتيسَّر إعطاؤه حتّى على أواسط الناس.
    5-في حالة مجاعة أو مصيبة عامّة لا يرى الناس فيها مواساةً ظاهرة من المستبدّ.
    6-عقب عمل للمستبدِّ يستفزُّ الغضب الفوري، كتعرُّضه لناموس العرض، أو حرمة الجنائز في الشرق، وتحقيره القانون أو الشرف الموروث في الغرب.
    7-عقب حادث تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الاستجارة والاستنصار.
    8-عقب ظهور موالاة شديدة من المستبدِّ لمن تعتبره الأمَّة عدوّاً لشرفها.
    إلى غير ذلك من الأمور المماثلة لهذه الأحوال التي عندها يموج الناس في الشوارع والساحات، وتملأ أصواتهم الفضاء، وترتفع فتبلغ عنان السماء، ينادون: الحقّ الحقّ، الانتصار للحقّ، الموت أو بلوغ الحقّ.
    المستبدُّ مهما كان غبياً لا تخفى عليه تلك المزالق، ومهما كان عتياً لا يغفل عن اتِّقائها، كما أنَّ هذه الأمور يعرفها أعوانه ووزراؤه.
    فإذا وُجِد منهم بعض يريدون له التهلكة يهوِّرونه على الوقوع في إحداها، ويُلصقونها به خلافاً لعادتهم في إبعادها عنه بالتمويه على الناس. إنَّ رئيس وزراء المستبدِّ أو رئيس قُوَّاده، أو رئيس الدِّين عنده، هم أقدر الناس على الإيقاع به، وهو يداريهم تحذُّراً من ذلك، وإذا أراد إسقاط أحدهم فلا يوقعه إلا بغتة.
    لمثيري الخواطر على الاستبداد طرائق شتّى يسلكونها بالسّرّ، والبطء، يستقرّون تحت ستار الدين، فيستنبتون غابة الثورة من بذرة أو بذورات يسقونها بدموعهم في الخلوات. وكم يلهون المستبدَّ بسوقه إلى الاشتغال بالفسوق والشَّهوات، وكم يغرونه برضاء الأمَّة عنه، ويجسِّرونه على مزيد التشديد، وكم يحملونه على إساءة التدبير، ويكتمونه الرُّشد، وكم يشوِّشون فكره بإرباكه مع جيرانه وأقرانه. يفعلون ذلك وأمثاله لأجل غاية واحدة، هي إبعاده عن الانتباه إلى سدِّ الطريق التي فيها يسلكون، أمَّا أعوانه، فلا وسيلة لإغفالهم عن إيقاظه غير تحريك أطماعهم المالية مع تركهم ينهبون ما شاؤوا أن ينهبوا.

    ونتيجة البحث، أنَّ الله –جلَّت حكمته- قد جعل الأمم مسؤولة عن أعمال من تُحكِّمه عليها. وهذا حقٌّ. فإذا لم تحسن أمّة سياسة نفسها أذلَّها الله لأمَّة أخرى تحكمها، كما تفعل الشرائع بإقامة القيّم على القاصر أو السفيه، وهذه حكمة. ومتى بلغت أمَّةٌ رشدها، وعرفت للحرية قدرها، استرجعت عزَّها، وهذا عدلٌ.

    وهكذا لا يظلم ربُّك أحداً، إنما هو الإنسان يظلم نفسه، كما لا يذلُّ الله قط أمة عن قلّة، إنما هو الجهل يسبِّب كلَّ علَّة.

    وإني أختم كتابي هذا بخاتمة بشرى، وذلك أنَّ بواسق العلم وما بلغ إليه، تدلُّ على أنَّ يوم الله قريب. ذلك اليوم الذي يقلُّ فيه التفاوت في العلم وما يفيده من القوّة، وعندئذٍ تتكافأ القوات بين البشر، فتنحلُّ السلطة، ويرتفع التغالب، فيسود بين الناس العدل والتوادد، فيعيشون بشراً لا شعوباً، وشركات لا دولاً، وحينئذٍ يعلمون ما معنى الحياة الطيبة: هل هي حياة الجسم وحصر الهمّة في خدمته؟ أم حياة الروح وغذاؤها الفضيلة؟ ويومئذٍ يتسنّى للإنسان أن يعيش كأنَّه عالم مستقلٌّ خالد، كأنَّه نجمٌ مختصٌّ في شأنه، مشتركٌ في النظام، كأنَّه ملكٌ، وظيفته تنفيذ أوامر الرحمن الملهمة للوجدان.

    لتحميل الكتاب من المرفقات.

    أكرّر وأنصح الجميع بقراءته كاملاً ، وأرجو منكم الدعاء لنا، فنحن نُذبح على أيدي مخلوقات في هيئتهم بشر لا يهابوا الله.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  2. #2
    عضو ذهبي الصورة الرمزية warior10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2005
    المشاركات
    1,991
    الدولة: Saudi Arabia
    معدل تقييم المستوى
    25

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    هية دة المشاركات ولا بلاش
    [SIZE=3][COLOR=red]الحــــر يعـــرف مــــــا تــريـــد المحـــــــكمة [/COLOR][/SIZE]
    [SIZE=3][COLOR=red]وقضــــاتها سلفا قـــــد ارتشفوا من دمــــه [/COLOR][/SIZE]
    [SIZE=3][COLOR=red]لا يرتجي دفعا لبهتــــــان رماه به الطغــــاة [/COLOR][/SIZE]
    [SIZE=3][COLOR=red]المجرمون الجالسون فوق كراسي القضاة[/COLOR][/SIZE]

  3. #3
    عضو الصورة الرمزية besher9292
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    409
    الدولة: Syria
    معدل تقييم المستوى
    9

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    مشكور اخي عالموضوع الجميل لكن لا يوجد داعي للقراءة و عندنا المثال الحي

  4. #4
    عضو برونزي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    7,341
    الدولة: Syria
    معدل تقييم المستوى
    65

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    لا أخي بشر أخالفك الرأي، صحيح أنّ الإفادة الحقيقيّة هي لأُسراء الاستبداد الذين لا ينفكوا عن مناصرة الظالم، لكن داعي القراءة للمظلومين واضح، فالكتاب يعطيك الحلول ولا يشخّص الحالة فقط، بل ويقدّم الدواء الشافي للعلّة، والذي يحول دون البتر أو الإقصاء، رحم الله الكواكبي عندما قال..

    كلمات حقٍّ وصيحةٌ في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح، فقد تذهب غداً بالأوتاد، فيا ليت قومي يعقلون.

    أتمنى من الجميع قراءته لمناقشة ما ورد فيه، دعونا في ظل هذه الصحوة العربيّة أن نرّد على من يقول أنّنا شعبٌ لا يقرأ!.

  5. #5
    عضو الصورة الرمزية besher9292
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    409
    الدولة: Syria
    معدل تقييم المستوى
    9

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    انا لم اقصد عدم القراءة بشكل عام
    لكني قرأت الكثير من الكتب و المقالات و الاشعار عن الاستبداد
    لكني فهمته اكثر عن طريق الحياة اليومية هذا ما اقصده

  6. #6
    عضو الصورة الرمزية besher9292
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    409
    الدولة: Syria
    معدل تقييم المستوى
    9

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    (((وإني أقتصر على بعض الكلام فيما يتعلق بالمبحث الأخير منها فقط؛ أعني مبحث السَّعي في رفع الاستبداد، فأقول:
    1-الأمَّة التي لا يشعر كلُّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة.
    2-الاستبداد لا يقاوَم بالشِّدة إنما يُقاوم باللين والتدرُّج.
    3-يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ما يُستَبدَل به الاستبداد.)))))

    المشكلة عندنا بسوريا ان هناك طبقة مستفيدة كبيرة و هناك مؤيدون للنظام وهذا ما يخيفني على الثورة واشعر ان الوقت التي قامت به هو خاطئ
    فمثلا في حلب اكثر الناس تؤيد النظام و رأيت بأم عيني كيف الناس تقوم بقمع المظاهرات بحلب
    و لو صبرنا لعدة سنوات قليلة فكانت الثورة ستكون فاعلة اكثر لان ( الوضع الاقتصادي كان يتجه نحو الاسوء و في كل المجالات ) و هذا ما سيقلل عدد المؤيدين للنظام
    لذلك اهم شرط من شروط نجاح الثورات هو قيام الاغلبية الساحقة من الشعب و هذا غير موجود الان في سوريا حسب رأي
    و من يظن ان الثورة تنتهي بسقوط النظام فهو مخطئ لان سقوط النظام هو نصف الطريق للثورة
    الثورة الفرنسية استمرت حوالي خمسون عام و اكثر و عانت فرنسا من الاضطرابات بعد سقوط النظام الملكي و قامت بعد معاناة اغلبية السكان من الفقر و الجهل

  7. #7
    عضو برونزي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    7,341
    الدولة: Syria
    معدل تقييم المستوى
    65

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    بارك الله فيك أخي بشر، وأسأل الله ألّا نكون كأممٍ خلت وصفها الكواكبي بأنّها دون البهائم!، لم تشعر أكثرها بآلام الاستبداد فلم تستحقّ الحريّة.

  8. #8
    عضو الصورة الرمزية besher9292
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    409
    الدولة: Syria
    معدل تقييم المستوى
    9

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة The Mysterious مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك أخي بشر، وأسأل الله ألّا نكون كأممٍ خلت
    لا تخاف من هذه الناحية فبلاد الشام يوجد فيها الابدال و هم خير سكان الارض في الوقت الحالي و كلما مات احدهم يأتي اخر و يحل محله و عددهم على ما اذكر 40
    و يوجد حديث صحيح لكني لا اذكره

  9. #9
    عضو فضي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    2,277
    معدل تقييم المستوى
    24

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    سوريا بها كثر علماء العرب

  10. #10
    عضو برونزي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    7,341
    الدولة: Syria
    معدل تقييم المستوى
    65

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة besher9292 مشاهدة المشاركة
    (((وإني أقتصر على بعض الكلام فيما يتعلق بالمبحث الأخير منها فقط؛ أعني مبحث السَّعي في رفع الاستبداد، فأقول:
    1-الأمَّة التي لا يشعر كلُّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة.
    2-الاستبداد لا يقاوَم بالشِّدة إنما يُقاوم باللين والتدرُّج.
    3-يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ما يُستَبدَل به الاستبداد.)))))

    المشكلة عندنا بسوريا ان هناك طبقة مستفيدة كبيرة و هناك مؤيدون للنظام وهذا ما يخيفني على الثورة واشعر ان الوقت التي قامت به هو خاطئ
    فمثلا في حلب اكثر الناس تؤيد النظام و رأيت بأم عيني كيف الناس تقوم بقمع المظاهرات بحلب
    و لو صبرنا لعدة سنوات قليلة فكانت الثورة ستكون فاعلة اكثر لان ( الوضع الاقتصادي كان يتجه نحو الاسوء و في كل المجالات ) و هذا ما سيقلل عدد المؤيدين للنظام
    لذلك اهم شرط من شروط نجاح الثورات هو قيام الاغلبية الساحقة من الشعب و هذا غير موجود الان في سوريا حسب رأي
    و من يظن ان الثورة تنتهي بسقوط النظام فهو مخطئ لان سقوط النظام هو نصف الطريق للثورة
    الثورة الفرنسية استمرت حوالي خمسون عام و اكثر و عانت فرنسا من الاضطرابات بعد سقوط النظام الملكي و قامت بعد معاناة اغلبية السكان من الفقر و الجهل
    فعلاً كما قلت، وبصراحة لا أحمّل القاتل المستبد الطاغي مسؤولية ما حدث ويحدث بقدر ما أحمّل الخامل المذلول المستكين هذه المسؤوليّة، لأنّ القتل والسحل وهتك العرض من طباعه المتأصّلة التي نشأ عليها فهو بها لا يُلام!، أمّا من يُلام هو من يشهد هذه الأعمال دون أن يتحرّك قيد أنملة لنصرة أخيه الذي يُذبح توقاً لحريته وحريّة أسير المستبد، والأسوء من هذا أنّ الأخير لا يفوّت على نفسه فرصةً دون أن يطعن أخيه من الخلف نصرةً للظالم المستبد!، فعلاً كما قال الكواكبي الأمَّة التي لا يشعر كلُّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة .
    لا تخاف من هذه الناحية فبلاد الشام يوجد فيها الابدال و هم خير سكان الارض في الوقت الحالي
    لا لستُ خائفاً على من يخرج ويكبّر فهو عالمٌ تماماً أنّه مظلومٌ وأنّ الله معه، ورغم قلّة العدد فهو منصورٌ بإذن الله، لكنّني حزين على الأكثريّة التي تنصر الظالم على المظلوم، هذه الفئة التي لم تعد قاردةً على التمييز بين الخير والشر، كلّ همّها هو التمجيد والتهليل للمستبد الذي يستقوي بهم على المظلوم فيزيد من بطشه وطغيانه.

  11. #11
    عضو ذهبي الصورة الرمزية mohammed_kamal
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    المشاركات
    2,412
    الدولة: Egypt
    معدل تقييم المستوى
    20

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    اجمل ما به
    الحكمه التى تقول ان وسائل ازاله الاستبداد
    لن تكون مشكله للمستبد بل انه لن يتضايق منها ايضا
    ممتازه الفكره
    [CENTER][IMG]http://sphotos-d.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc6/184158_360621420679617_414523508_n.jpg[/IMG]
    [SIZE=4][COLOR=#0000cd][B][URL]http://www.youtube.com/watch?v=1tTDqT-WXRc&feature=related[/URL][/B][/COLOR][/SIZE]
    [SIZE=4][COLOR=#ff0000]خبِأ قصائِدكـ القديمة كلها
    مـزق دفاتِركـ القديمة كلها [/COLOR]
    [COLOR=#006400]واكتب لمصر اليوم شـعراً مثلها
    لاصمت بعد اليوم يفرض خوفه[/COLOR]
    فاكتب سلام النيل مصر وأهلها [/SIZE]
    [/CENTER]

  12. #12
    عضو برونزي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    7,341
    الدولة: Syria
    معدل تقييم المستوى
    65

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    يا جماعة لا داعي لشخصنة الموضوع!، الكتاب يتحدّث عن الاستبداد بشكلٍ عام، وأنا لم أقصد من نصيحتي لقراءته الإشارة إلى نظامٍ عربي بعينه أو أشخاص بذواتهم، أصلاً جميع الأنظمة العربيّة مستبدّة لذا لا داعي للإيحاء .

  13. #13
    إداري سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    9,955
    الدولة: Syria
    معدل تقييم المستوى
    59

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.

    تم حذف المشاركات الخارجة عن موضوع بما فيها مشاركتي.

  14. #14
    إداري سابق
    تاريخ التسجيل
    Jun 2002
    المشاركات
    18,891
    معدل تقييم المستوى
    110

    رد: كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد <أنصح الجميع بقراءته>.



    شكرا على الكتاب القيم
    الحقيقة أن مجرد التعريفات التي أوردت بعضها تعبر عن قيمة الكتاب وبالذات في هذا الزمان.
    الحقيقة أن من أعظم أسباب الاستبداد سكوت الناس عن المستبد، وأن الناس هم الذين يساهمون في صناعة الشخص الذي يستبد بهم.
    أتمنى أن الكتاب تطرق لهذه النقطة لأنها مهمة، سأقرأه وأبحث فيه.

    كذلك الاستبداد غالبا ما يبدأ اجتماعيا قبل أن يكون سياسيا.
    وبعيدا حتى عن الانظمة العربية التي تعطي أبشع أمثلة ونماذج في الاستبداد، لكن حتى نحن في بيوتنا وعملنا مستبدين.

المواضيع المتشابهه

  1. الرجاء من الجميع مساعدتي في كسر السرعة
    بواسطة فادي ابوزيد في المنتدى الأرشيف
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 12-07-2011, 20:56
  2. مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 07-07-2011, 09:46
  3. مساعدة في بحث أرجو من الجميع الدخول والمساعدة
    بواسطة سكاي1 في المنتدى الأرشيف
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 29-06-2011, 18:12
  4. مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 24-06-2011, 04:01
  5. هام: ايهما الافضل؟؟؟ نرجو المشاركه من الجميع
    بواسطة elly3an3an في المنتدى الأرشيف
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 01-07-2007, 16:53

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •