من سنن الله سبحانه وتعالى تمحيص الصفوف قبل النصر، فلا يحصل إلا على يد الصفوة من عباده، فإن تتابع النصر وسرعته يجعل كثيراً من الناس على اختلافهم في الصدق والإيمان في صف الغالب، لذلك يبتلي الله عباده أولاً حتى تتميز الصفوف، ولا يكون في صفوف المجاهدين إلا أهل الصدق والثبات – وهم الذين ينصرهم الله بعد ذلك – كما صار هذا الأمر في غزوة (أحد)، فإن المسلمين لما نصرهم الله في غزوة (بدر) دخل كثير من الناس في (المدينة) الإسلام – ومنهم المنافقون - فجعل الله سبحانه (أحداً) بعد هذه الغزوة للتمحيص كما قال تعالى بعد هذه الغزوة ( وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا منكم)، فظهر المنافقون بعد هذه الغزوة، وكما حصل لطالوت وجنوده لما قال لمن معه (إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم)، فتمحص الصف بهذا الابتلاء، ثم كان هذا (القليل) هو المنتصر على (جالوت) وجنوده.

ولما دخل الناس في دين الله أفواجاً في (جزيرة العرب) في آخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الله قد أعد المسلمين لحمل هذه الرسالة إلى جميع الأمم، كان لا بد من تمحيصهم قبل بداية نشرهم للإسلام وقتالهم فارس والروم، فكان موت النبي صلى الله عليه وسلم هو الامتحان الذي أظهر الصادق في دينه من الكاذب، فظهرت جماعات المرتدين الذين قاتلهم المسلمون، فخلصت بذلك صفوفهم، وحصلت الفتوحات العظيمة بعد ذلك.

العالم المجاهد الأسير ناصر الفهد -ثبته الله-.