نحو عالم تسوده تقنية "بلوك تشين" أقوى وأكثر ابتكاراً - عرب هاردوير

يشاركنا السيد مارك بيبرماستر، رئيس التكنولوجيا والنائب الأول لرئيس التكنولوجيا والهندسة بشركة “AMD” رؤيته حول تقنية بلوك تشين في هذا العالم الذي يزداد تطوراً وابتكاراً حيث يراه البعض بالمخيف ويراه أخرون بالتطور المطلوب ليوكب العصر الذي نعيش فيه.

تخيل لو أنك عُدت بالزمن إلى الوراء، تحديداً في عقد الثمانينات ومطلع عقد التسعينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي اعتبر الانترنت نهجاً منظماً في التحول أثّر على أوجه حياة البشر وأنشطتهم. بكل تأكيد، كانت حالة الشكّ هي السائدة بين الكثيرين، بحسب ما أشارت إليه هذه المقالة في مجلة “نيوزويك”. ولربما نعيش اليوم حال مشابه، إذ يسلّط الكثيرون بالضوء في عدة قطاعات على إمكانيات تقنيات “البلوك تشين” من أجل تحقيق تحول مشابه لما حدث خلال تلك الفترة الزمنية.

السيد مارك بيبرماستر من AMD

تعد تكنولوجيا “البلوك تشين” وسيلة لتخزين البيانات، ومن ثّمَ تنفيذ عددٍ من متزايد من العمليات المعقّدة في مجال الأعمال، ومنها على سبل المثال تنفيذ العقود الذكية في بيئة مشفّرة وآمنة وذلك دون الحاجة إلى وسيط من الأفراد أو المؤسسات. فهي تنطوي على مجموعة من السجلات التسلسلية المتزايدة ذات الطابع الزمني، والتي يتم تصنيفها على شكل مجموعات من الكتل، وتتدفق من خلال الكثير من الأطراف المشاركة في هذه العملية. لذا، فبدلاً من أن يستعين البنك بسجل حسابات يحتوي على بيانات حسابك، فإن كل عميل بالبنك منوطة به مهمة تحقيق طابع اللامركزية في سجلات الحسابات. الأمر المهم في هذه العملية هو أنه لا يوجد طرف بعينه يتحكم في هذه المنظومة، فهي تعمل بأسلوب “الند للند”، وتتوفر البيانات في مواقع متفرقة. كل كتلة تعتمد على بعضها البعض، ما يجعل عمليات التغير للسجلات لا تنطوي على فائدة اقتصادية، إن لم تكن مستحيلة. ويتم تتبع أية تغييرات تطرأ الكتلة، حيث يتعين السماح لها من قبل معظم سلسلة الكتلة. وتوفر هذه العملية منظومة أكثر أماناً للمعاملات من خلال ضمان دقتة التغييرات وقابليتها للتتبع.

وفي الوقت الذي تنشأ جذور تقنية “البلوك تشين” في مجال صك العملات المشفّرة، فإن الكثير من المؤسسات تستكشف سبل الاستفادة من عمليات “البلوك تشين” لتحقيق التحوّل في أعمالها، أو تمكينها من الدخول إلى أسواق أكثر كفاءة، أو ابتكار منتجات وخدمات جديدة. وتعقد المؤسسات العاملة في مجال الخدمات المالية آمالاً كبيرة على تقنية “البلوك تشين” في اختصار زمن إنجاز المعاملات التجارية من أيام لتصبح ثوانٍ، وتعزيز عمليات التدقيق وتسريع مفاوضات تمويل العمليات التجارية. والأكثر من ذلك، يمكن الاستعانة بهذه التقنية في ضمان توفير الألماس غير المتنازع عليه حيث يساهم في حمايته من التزوير وذلك عن طريق انترنت الأشياء، وتتبع رحلة هذه الأحجار النفيسة من مصدرها حتى جهة التوصيل. كذلك فقد باشرت شركات بتطبيق “البلوك تشين” لحمايتها من عمليات التزوير وفي مجالي سلسلة الإمداد والسجلات الطبية، إذ تقبل بالفعل شركات مثل “أوفرستوك” و””باي بال” عمليات الدفع من خلال المنصات التي تعتمد على “البلوك تشين”.

ما هي “البلوك تشين”؟

تقوم فكرة “البلوك تشين” بشكل أساسي على توزيع قواعد البيانات، حيث يتم التحقق من سجلات كل كتلة عن طريق لوغاريتمات متفردة تقوم بتخصيص وسم يتألف من تشكيلة حروف وأرقام لكل كتلة. فهو الوسم الذي يضمن سلامة المعلومات وتشفيرها داخل سجل الحسابات فلو حدث أن تغيرت المعلومات داخل الكتلة، فلن يكون بإمكان اللوغاريتمات بث وسم صحيح.

ويتم فحص الوسوم بشكل مستمر من أجل ضمان صحتها، حيث ترتبط كل كتلة ببعضها البعض لتشكيل “البلوك تشين”. ونظراً للتداخل بين هذه الوسوم، فإن المعلومات المخزّنة في “البلوك تشين” لا يمكن التلاعب بها إلا إذا تمت صياغة السلسلة بأكملها حتى يتسنى إدخال كتلة جديدة. وتتطلب هذه المسألة مقادير غير مسبوقة من الطاقة لتشغيلها، وهو الأمر غير ممكن حالياً، سواء من الناحية الاقتصادية أو الفنية. وتقوم كافة أطراف عملية “بلوك تشين” بعملية التحقق المستمرة هذه.

فلنتخيل معاً وجود سجل حسابات رئيسي خاص بفئة أو نمط استثماري معين، فلن تكون هناك حاجة لوجود وسيط أو بيت خبرة في مجال الاستثمار لإطلاع قسم سجلات الحسابات داخل المؤسسة على أحدث المستجدات، وسيتم الاعتماد على مصادر نظيرة من أجل تحقيق التوافق بين سجلات المؤسسة، وسيجري تنفيذ كافة الإجراءات بشكل تلقائي. كما توفر تقنية “بلوك تشين” شفافية وطمأنينة بالنسبة للعميل حول المعاملات التي يتم تنفيذها نيابة عنه، وسيتم تلافي الأخطاء المرتبطة بالمعاملات، وذلك بفضل حدوث هذه العمليات بأقل نسبة تدخل بشري. وتضمن هذه المنظومة تجنب حدوث حالات التزوير المالي، مثل مخطط “بونزي”.

كذلك هناك مجال آخر لتطبيق تقنية “البلوك تشين” والذي يتمثل في اجتذاب المزيد من الاستثمارات على صعيد العقود الذكية، وهي عبارة عن بروتوكولات مؤتمتة يتم فيها دمج شروط العقد ضمن سطور شفرة الكتابة. فالشفرة والاتفاقيات تكون قائمة في عملية “البلوك تشين”، وعليه فإن الثقة المتأصلة في العملية ومعاملات العقود يمكن أن يتم تنفيذها بشكل أوتوماتيكي وآمن.

ويساهم ذلك في إنجاز معاملات “الندّ للندّ” بين الأشخاص أو المؤسسات التي تتطلب خدمات معقّدة ومكلّفة من الجهة الوسيطة. ويتمحور جانب كبير من الاستثمارات في مجال الخدمات المالية حول العقود الذكية، وذلك بسبب قدرتها على تقليص الوقت والتكلفة والتعقيدات التي تشوب المعاملات. كما تشمل هذه الميزات مجال المدفوعات العابرة للحدود والذي تشير تقديرات مؤسسة “ماكينزي” إلى أن “البلوك تشين” يمكن أن يحقق وفورات بما يتراوح بين 50 – 60 مليار دولار أمريكي سنوياً بفضل السرعة في إنجاز المعاملات والتكاليف الأقل. فالعمليات التي كانت تتطلب أياماً أو أسابيع يمكن أن يتم اختصار مدتها الزمنية إلى دقائق أو ثوانٍ. وتماماً كما كانت الحال بالنسبة لأي شخص يقوم بتأجير مقعد في سيارته قبل الاستعانة بخدمات مشاركة التوصيل، فإن “البلوك تشين” يمكن أن يوفر مقادير جديدة تماماً من الخدمات الاقتصادية.

الحاجة إلى كفاءة طاقة أكبر وتكلفة أقل

إن القدرة على الانتشار تشكّل سقفاً رئيسياً لمجالات تطبيق “البلوك تشين” الحالية، والتي تجعل من الصعوبة بمكان أن يتم تطبيق التكنولوجيا على نطاق مثل مجال المدفوعات. فعلى سبيل المثال، يصل عدد المعاملات التي تتم من خلال منصات “فيزا” إلى 1,667 معاملة في الثانية الواحدة. وتصل قدرة تنفيذ المعاملات من خلال علمة “بيتكوين” ما بين 3 – 4 معاملات في الثانية، فيما تدعم منصة “ايثريوم” تنفيذ ما يصل إلى 15 معاملة في الثانية، والأمر الجدير بالملاحظة أن عمليات “البلوك تشين” تتطلب اليوم مقادير هائلة من الكهرباء.

وفي هذا الإطار، فإنه ما بين 3 إلى 4 معاملات تتم عبر شبكة “بيتكوين” في الثانية تحتاج إلى 32 تيراواط ساعة من الكهرباء سنوياً، أي ما يعادل استهلاك الريف الدانماركي من الكهرباء. فالاستعانة بمنطومة على هذا النحو للتعامل مع شبكة بطاقات ائتمان ليس أمراً ممكناً، سواء من الناحية الفنية أو الطاقة.

لكي نضمن نجاح تقنية “البلوك تشين” وغيرها من تقنيات الجيل المقبل، مثل الذكاء الاصطناعي والواقع المعزّز والافتراضي، فإن صناعة أشباه الموصّلات لا بد أن تتبع طرقاً جديدة لصناعة معالجات ذات أداء أعلى وأكثر كفاءة من حيث التكاليف. وفي هذا الإطار، يعكف المهندسون العاملون في هذه الصناعة على التعامل مع هذه التحديات، بدءاً من الشرائح الدقيقة ثلاثية الأبعاد إلى تصميم أفضل للدوائر الإلكترونية، حيث تشهد الفترة الحالية إنجازات كبيرة تتحقق على صعيد المعالجات المركزية للحاسبات ووحدات معالجة الرسومات (الجرافيك). ويرجع الفضل في ذلك إلى ما تحقق من تقدم في مجال الابتكار الهيكلي والإدارة المتطورة للطاقة وتوفر خيارات تغليف جديدة. ويأتي دور وضع معايير لـ “البلوك تشين” في مجال المعالجات المتاحة على نطاق واسع والذي من شأنه زيادة قدرات اجتذاب المستخدمين وتعزيز مجالات التركيز في الأبحاث والتطوير التي تستهدف تحسين الأداء والكفاءة.

توسيع قدرات “البلوك تشين”

من المبكر الحديث حول هذا الأمر، رغم أن الآفاق شاسعة. ففي حقيقة الأمر، يرى دون تابسكوت، وهو خبير في هذا المجال، أن التحول سيكون جوهرياً، إذ يتوقع أن “البلوك تشين” قادر على إحداث ثورة في الاقتصاد العالمي من خلال تمهيد مجالات العمل الاقتصادي، بغض النظر عن الحالة الاقتصادية للجهة المشاركة، كما أن هذه التقنية توفر فرصاً جديدة لتحقيق القيمة.

إن التطورات الجديدة مثل سجلات الحسابات الثابتة والمقسّمة والعقود الذكية التي تعمل على تحسين المجالات المالية ما هي إلا البداية فقط. وعلى سبيل المثال، تنطوي “البلوك تشين” على قدرات متميزة توفر مشاركة السجلات الطبية بشكل آمن مدى الحياة بالنسبة للجهات المزوّدة للخدمة، وتعمل على مواجهة الصعوبات في مجال تطبيق السجلات الطبية الإلكترونية وتحسين مستوى الرعاية الصحية للجميع. وفي الوقت الذي تتسم سجلات الحسابات بأنها قابلة للبرمجة ومرتبطة بالعامل الزمني، فإن “البلوك تشين” يمكن أن تحقق ميزة التتبع والتكامل للسجلات الطبية لأي مريض، وتتيح صورة تامة وزمنية للرعاية في أي مرحلة.

إنه عالم جديد ويتطلب الشجاعة، ولا يمكن إدراكه وتحفيز “البلوك تشين” إلا من خلال تسوية تحديات الأداء والكفاءة والتكلفة. فمن خلال الأساليب الهندسية الذكية والالتزام الحقيقي بكفاء الطاقة، فإن صناعة أشباه الموصّلات يمكن أن تلعب دوراً هاماً في دعم تحقيق النمو لـ “البلوك تشين” وغيرها من التقنيات المتقدمة.