القائمة
التقنيات الرسومية: الإضاءة

التقنيات الرسومية: الإضاءة

منذ 3 سنوات - بتاريخ 2018-08-11

في هذه السلسلة سوف نتناول كل التقنيات الرسومية التي تستخدمها الألعاب، سوف نشرح طريقة عملها والهدف من استخدامها، بالاضافة الي تأثير تفعيلها علي أداء اللعبة وعلي بطاقة الرسوميات نفسها. والهدف رفع ثقافة القارئ وجعله مستعدا لتطويع تجربة لعبته كيفما يشاء، أو بما يناسب امكاناته.

سابعا: الاضاءة والتظليل Lighting and Shading

تحذير : يرجي قراءة هذا الجزء علي مسئولية القارئ الشخصية، فالكاتب غير مسئول عن أي احتقار أو ازدراء قد يصيب القارئ تجاه عالم الرسوم ثلاثية الأبعاد بسبب المقال!!

في الجزء السابق، تركنا عالم الاكساءات Textures المُخادع، ومن قبله عالم المضلعات Polygons و نقاط الألوان Pixels، وكلها أدوات رسوميّة تستخدم في رسم و تركيب تفاصيل الأجسام ثلاثية الأبعاد، ووصفها بصريا.

لكن مجرد الرسم لا يكفي، فنحن محكومون بمحدوديّة وسائل العرض، فكلها شاشات مسطحة، ثنائية البعد، مما يعني أن الأجسام المرسومة عليها ستكون ثنائية البُعد بدورها، وهذا يفرض علي الألعاب أن تظل مسجونة في البعد الثنائي (الطول والعرض فقط) والي الأبد.

 

   

تمتّع بمقابلة أبسط لعبة في التاريخ، الصورة الصفراء، هي صورة صحراء (بأبعاد/دقّة 10x10)، والمستطيل الأزرق الصغير هو سيارة زرقاء (بأبعاد 2X1)، والهدف من اللعبة : التجوّل بالسيارة في الصحراء!

يجب أن يقوم الحاسوب بدمج صورة السيارة مع صورة الصحراء 

 

    الدمج كما نعرف جميعا، هو حذف واستبدال .. حذف نقاط صفراء من صورة الصحراء (اليمين) واستبدالها بنقاط زرقاء من صورة السيارة (اليسار).

اختلاف مواضع الدمج يعطينا الايحاء أن السيارة تتحرك .. 

و الألعاب ثنائية الأبعاد هي مجموعة من الصور العاديّة التي يتم دمجها مع بعضها، ويتحكم في مواضع الدمج المستخدم عن طريق لوحة المفاتيح مثلا، لكنها تظل مسجونة في بٌعدين فقط كما ذكرنا.

قد يبدو هذا السجن هينا ، لكنه ذا خطر كبير، فهو يجثم علي صدر الابداع البصري والرسومي في الألعاب، مقللا من قدرات المطورين علي انشاء مشاهد بصرية فائقة، فلأنهم محكومون ببعدين فقط، فمهما فعلوا .. لن يستطيعوا الهرب من النهاية المحتومة، وهي إستنفاذ الأفكار البصرية، والذي يعني تشابه رسوميات كل الألعاب مع بعضها، مهما اختلفت اللعبة.

وقد حدث هذا بالفعل، حيث أصبحت كل الألعاب ثنائية البعد ذا طابع رسومي واحد، وكان الاختلاف بينها في طبيعة المشهد فقط، فهنا صحراء، وهنا غابة خضراء، وهنا مدينة .. الخ، وهذا يقتل عامل الانغماس البصري في الألعاب، ويتركها مثيرة للضجر و مكررة.

وهنا اضطر المطورون الي الانتقال الي البعد الثالث، وهو العمق، لكن لا وجود للبعد الثالث في وسائل العرض، فهي مسطحة تماما، كيف يمكن عمل شئ من لا شئ؟

يمكن عمل هذا عن طريق .. (لا ليس الألوان الوسطيّة !) الوهم بالطبع!

ولنعرف كيف يمكن عمل مثل هذا الوهم، يجن أن نعرف عن الاتجاهات الستة في عالمنا الحقيقي. ولحسن الحظ لن نحتاج الي عالم في النظم الهندسية لندرك أن الاتجاهات الستة هي الأمام والخلف، واليمين واليسار، والأعلي والأسفل. هذا ما يجعل عالمنا ثلاثي الأبعاد!

ولكي نستطيع أن نطلق علي أي جسم أنه ثلاثي الأبعاد، فيجب أن يمتلك هذا الجسم ستة مناظير للرؤية علي الأقل.

هذا المكعب هو شكل ثلاثي الأبعاد .. هل يجرؤ أحد علي الاعتراض؟

يستخدم الحاسوب ستة أوجه لتكوين شكل المكعب.

صورة تجميعية للستة أوجه، ونري فيها الوجه الأمامي، وأعلاه الوجه الأعلي واسفله الوجه الأسفل، علي جانبيه الوجهين الجانبيين، أما الوجه الخلفي فهو في أقصي اليمين.

 

مقارنة بين الشكل النهائي للمكعب، وأوجهه الستة منفصلين .

بالنظر الي المكعب، والذي من المقترض أن يكون شكلا ثلاثي الأبعاد، نكتشف أنه خدعة كبري، فوجهه الأمامي (رقم 1) هو واحد من المربعات الستة، تم استخدامه كما هو، بينما تم استخدام وجهين آخرين، العلوي والجانبي، (رقم 2 و 3 )، لكن تم تشويههما واعادة تشكيلهما ليناسبان منظور الرؤية، أما باقي الأوجه فتم حذفها تماما، لأنها محجوبة من هذه الزاوية.

أي أن كل ما فعله الحاسوب هو اعادة تشكيل أوجه الشكل الأساسية، وجعلها منحرفة ومائلة قليلا لتعطينا الايحاء بأن للجسم عمقا وامتدادا داخليا! والعين تشتري هذه الخدعة في سهولة حمل ملعقة صغيرة.

والسبب في ذلك هو الفطرة التي فُطرت عليها العين البشرية (أو فلنقل المخ البشري)، والتي تجعلها تبحث عن الامتداد والعمق في الأجسام التي تراها، وعندما تجد شيئا يشبه ما تبحث عنه (حتي لو كان بعيد الشبه)، فانها تفترض أن الجسم الذي أماماها ثلاثي الأبعاد فورا.  والحاسوب يستغل هذه الحقيقة ، ويقوم بتشويه أوجه الأشكال لتعطي التأثير المٌناسب.

يطلق علي هذه العملية اسم الاسقاط ثلاثي الأبعاد 3D Projection ، ويستخدمها الحاسوب في عرض كل الأجسام ثلاثية الأبعاد بلا استثناء، وكما رأينا في مثال المكعب، فان الجسم ثلاثي الأبعاد (أي جسم) ما هو الا تجمع من الصور العادية التي تمثل أوجهه، والتي يتم دمجها مع بعضها، وتشويهها.

صورة سداسية الأوجه لرجل بدائي، ويظهر فيها الوجه الأمامي (المنتصف)، والوجه العلوي (منظور فوق الرأس)، والسفلي( منظور أسفل الحذاء)، بالاضافة الي الأوجه الجانبيّة، والوجه الخلفي .. باختصار هذا هو شكل الرجل ثلاثي الأبعاد كما يظهر للحاسوب، وذلك قبل أن يقوم بتشويه ودمجه في عمية الاسقاط/التشويه.

عملية الاسقاط ثلاثي الأبعاد، وتتم وفقا لحسابات دقيقة لتشويه أوجه الشكل تبعا لمنظور الرؤية ..

ومثلما كانت الألعاب ثنائية الأبعاد دمجا لمجموعة من الصور، فان الألعاب ثلاثية الأبعاد هي دمج لصور الأشكال ثلاثية الأبعاد الوهمية، مع اختلاف أن مجرد الدمج والتشويه لا يكفي للأسف ..

  

صدق او لا تصدق، هذه الأشكال هي أشكال ثلاثية الأبعاد وليست بٌقعا زرقاء وحمراء.

الأشكال بالأعلي لا تظهر كأنها اشكال ثلاثية الأبعاد، وذلك لأنها لا تعطي مظهر الامتداد أو العمق، فهي تظهر كمضلعات عاديّة و مُسطحة.

 

تذكر : يعطي المكعب الايحاء بأنه شكل ثلاثي الأبعاد بسب طابع العمق والامتداد الذي يظهر به، ويرجع الفضل في ذلك الي حواف المكعب السوداء، والتي ترشد العين بدقة وتجبرها علي تتبعها لتعطيها الوهم بالعمق.

إذا نزعنا من المكعب حوافه السوداء، واستبدلناها بحواف بيضاء، فسيظهر مفلطحا ومُسطحا في الحال .. وعلي هذا يكون الحل هو اعطاء الأشكال السابقة حوافا ذات لون مميز.

 

باعطاء الشكل الأحمر حوافا بيضاء، يصير الابحاء بوجود شكل ثلاثي الأبعاد ممكنا، حيث يجبر هذا العين علي تتبع هذه الحواف، والشعور بأن للشكل امتداد وعمقا .. الي اليسار الشكل دون الحواف للمقارنة ..

   

كذا الأمر مع الشكل الأزرق ..

لكن الأجسام في الحقيقة لا تحتوي دائما علي حواف ذات لون مميز، بل هي نادرا ما تفعل، وعلي هذا يتحّتم علينا ايجاد طريقة أخري اذا كنا سنلتزم بمحاكاة الواقع .. ولن نبحث عن هذه الطريقة كثيرا، فالطبيعة من حولنا توفرها لنا منذ البداية .. فعلي الرغم من خلو معظم الأجسام الحقيقية حولنا من حواف ذات لون مميز، الا أن العين تستطيع تمييز عمق هذه الأجسام بلا أي مُعوقات.

والسبب في ذلك هو الضوء، والذي بدونه لن تري العين أي شئ أصلا، والذي يسقط علي أسطح الأجسام، ويجعلها تتوهج فتراها العين.

لكن الضوء لا يتوزع بالتساوي علي أسطح الأجسام، حيث يعتمد هذا علي موقع مصدر الضوء، وموقع سطح الجسم، وزاوية الاضاءة، وعوامل أخري كثيرة. والنتيجة : بعض الأسطح تتوهج بطريقة أكثر من غيرها، وتظهر للعين بصورة أوضح حتي علي مستوي الجسم الواحد .. هذه الأسطح تكتسب حوافا ذات لون مميز عن غيرها، بسب توهجها الأكبر.

تلتقط العين الاختلاف في درجات التوهج، والحواف الجديدة المتكونة، وتستنتج معلومات عن العمق والامتداد.

   

(اليمين) .. تلوين أسطح الشكل الأحمر بدرجات لونية (وهج) مختلفة، يعطي في الحال الايحاء بأنه شكل ثلاثي الأبعاد، لاحظ حواف الشكل الجديدة .. فالسطح العلوي له حواف حمراء وبرتقالية باهتة .. الي اليسار الشكل بحواف بيضاء وبدون حواف اطلاقا للمقارنة.

     

(اليمين ) من جديد مع الشكل الأزرق، وتلوين اسطحه بدرجات لونية مختلفة، مما يكون حواف بلون مميز تتبعها العين، وتكتسب الايحاء بأنه شكل ثلاثي الأبعاد ذو عمق وامتداد .. ومقارنة بالأشكال الأخري علي اليسار، يمكنك أن تري أن الشكل اليميني هو أكثرها آقناعا ، وايحاءا بالبعد الثالث.

ولأنه لا يوجد أفضل من محاكاة الطبيعة ، فلقد تقرر تقليدها في اختلاف سقوط الضوء علي اسطح الشكل، وبالتالي اختلاف لون هذه الأسطح فيما بينها علي مستوي الشكل الواحد، وعلي مستوي الأشكال الأخري. والهدف : الحصول علي أفضل وسيلة لاقناع الناظر أن ما يراه أمامه هو شكل ثلاثي الأبعاد، علي الرغم من أنه مجرد وهم مُسطح .

يطلق علي عملية التلوين هذه اسم الاضاءة Lighting أو التظليل Shading (تظليل الأسطح بألوان مختلفة). وكل الألعاب تحوي اعدادات رسومية تتحكم فيها، من جهة عدد مصادر الضوء، ومدي التزامها بالواقع وشدة وهيجها ..الخ. وتأتي هذه الاعدادات بأسماء عدة مثل Lighting Quality، Dynamic Lighting و Lighting Resolution.

في النهاية رأينا كيف تميزت الألعاب ثلاثية الأبعاد عن الألعاب ثنائية الأبعاد، فكلاهما مجرد دمج لصور مختلفة، لكن الحصول علي وهم البعد الثالث يُجبر الألعاب ثلاثية الأبعاد علي استخدام عدة صور لكل وجه من أوجه الشكل، وعلي دمج هذه الصور مع بعضها وتشويهها في عملية الاسقاط ثلاثي الأبعاد، وفي النهاية استخدام الاضاءة والتظليل في احكام الخدعة .. الخدعة ثلاثية الأبعاد.

أضف تعليق (0)