كذبة النصف تريليون دولار: لست وحدك.. لا أحد يستخدم Copilot حقاً
وقف ساتيا ناديلا بثقة أمام العالم تملؤه نشوة اللحظة وهو يعدنا بحاسوب نتحدث إليه. لا مزيد من القوائم المعقدة، لا مزيد من كتابة معادلات إكسل الطويلة، فقط اطلب من Copilot وسينفذ أوامرك فوراً.
في هذا المقال:
- كيف تحول استثمار النصف تريليون دولار إلى أكبر إخفاق تقني يواجه ميكروسوفت
- الأرقام الكارثية لنسب استخدام المساعد الذكي وتراجعه أمام المنافسين
- لعنة العمل الخفي ورفض الشركات دفع فاتورة الاشتراكات الباهظة
- مخاوف الخصوصية وحجب المحتوى التي تدفع مديري الأنظمة لحظر الأداة من الجذور
- أساليب الإطعام القسري التي تتبعها الشركة لفرض الذكاء الاصطناعي على المستخدمين
ضخت ميكروسوفت 80 مليار دولار في البنية التحتية، وطبعت شعار Copilot على كل زاوية في نظام ويندوز. وصل الهوس إلى تغيير تصميم لوحات المفاتيح بالكامل.
هناك مشكلة واحدة فقط وسط هذه الاحتفالية الصاخبة؛
لا أحد يريد هذا المنتج.
أرقام تفضح سردية النجاح
السردية التي تحاول ميكروسوفت فرضها يومياً تتصادم مع واقع رقمي شديد القسوة. إذا كنت تشعر بالذنب لتجاهلك الأيقونة الملونة في شريط المهام وذهابك لفتح موقع ChatGPT فاطمئن تماما. أنت تمثل الأغلبية الساحقة من كوكب الأرض. لغة الأرقام تفضح هذا الإخفاق بشكل لا يقبل التأويل. تبلغ حصة Copilot السوقية على الديسكتوب والهاتف والتابلت 3.5 بالمائة فقط. الكارثة الأكبر في كون هذه النسبة الضعيفة تتراجع باستمرار مقارنة بالعام الماضي.
يستحوذ ChatGPT على 80.49 بالمائة من كعكة الذكاء الاصطناعي ويتبعه Perplexity بنسبة 7.89 بالمائة. ثم Gemini بنسبة 7.18 بالمائة، ليقف مساعد ميكروسوفت المدعوم بمليارات الدولارات بجوار نماذج ناشئة. أدوات مثل Claude و DeepSeek، يمتلكون حصصًا سوقية تُضاهي ما يملكه Copilot. الجمهور العريض يرفض المنتج حتى وهو متاح مجانا ومدمج في متصفح Edge بقوة.

الشركات ترفض الفاتورة المليارية
الخسارة الحقيقية لميكروسوفت تتركز في قطاع الأعمال والشركات، لا في الويب المفتوح. تمتلك الشركة قاعدة مستخدمين مرعبة تبلغ 450 مليون مقعد تجاري ضمن اشتراكات Microsoft 365. الخطة اعتمدت على إجبار الشركات على دفع 30 دولارا إضافية شهريا لكل موظف مقابل تفعيل المساعد الذكي. استأجرت ميكروسوفت شركات استشارية لضخ تقارير مبهرة عن توفير ملايين الدولارات وساعات العمل.

النتيجة الفعلية جاءت كصفعة مدوية. نسبة المستخدمين الذين يدفعون مقابل Copilot تبلغ 3.3 بالمائة فقط. تسريبات داخلية من مصادر مطلعة تشير إلى أرقام كارثية توقفت عند 8 ملايين ترخيص نشط في أغسطس الماضي. الشركات العظمى جربت المنتج واكتشفت أن 72 بالمائة منها عالقة في تجارب محدودة جدا. نسبة 6 بالمائة فقط تجرأت على نشره بالكامل بين الموظفين.

لعنة العمل الخفي
لماذا تدفع الشركات تكلفة إضافية لمنتج يفشل في أداء وظيفته الأساسية. الإجابة تكمن في الفجوة المرعبة بين توقعات الإدارة العليا وواقع الموظف.
يباع Copilot للمديرين التنفيذيين كآلة سحرية للإنتاجية. تقتنع الإدارة وتدفع الفاتورة الباهظة ثم تضغط على الموظفين لاستخدامه لتبرير التكلفة.
وهنا تبدأ المعاناة اليومية. يطلب الموظف تلخيص ملف أو تصميم عرض تقديمي على PowerPoint. يقوم Copilot بتدمير التنسيق الأساسي للشرائح ويتجاهل الألوان المؤسسية. ينتج المساعد نصوصا مليئة بالهلوسات. يضطر الموظف لقضاء وقت أطول في إصلاح ما أفسدته الآلة مقارنة بإنجاز المهمة يدويا من الصفر.
يطلق الخبراء التقنيون على هذه الظاهرة اسم العمل الخفي(Shadow Work). المساعد الذي جاء ليوفر وقتك تحول إلى عبء إداري يتطلب منك مراجعته وتصحيح أخطائه. بيانات اختبارات الذكاء الاصطناعي المستقل (Agentic AI) تشير إلى نسبة فشل تصل إلى 70 بالمائة في المهام المتعددة الخطوات. أداة تفشل في ثلاثة أرباع محاولاتها هي مجرد نسخة حديثة ومكلفة من المساعد القديم Clippy الذي كان يقفز فجأة على الشاشة في أواخر التسعينيات ليقدم نصائح لا علاقة لها بما تفعله.

حصار المحتوى والعمى المعرفي
الشركات لا تثق بميكروسوفت فيما يخص خصوصية البيانات. يوجد رعب حقيقي في الأوساط التقنية من قيام Copilot بامتصاص المستندات الحساسة للشركة وتخزينها في سياقات غير آمنة. هذا الخوف دفع مديري أنظمة المعلومات في مئات الشركات الكبرى إلى حظر استخدام المساعد من الجذور عبر إعدادات الشبكة.

يعاني مساعد ميكروسوفت من ضعف شديد في جودة مخرجاته مقارنة بنموذج مثل Claude 3.5. السبب المباشر هو قرار العديد من المواقع الإخبارية ومنصات المحتوى حجب عناكب البحث الخاصة بميكروسوفت. منع سحب المحتوى لتدريب النماذج جعل Copilot أعمى جزئيا عن الوصول لمعلومات محدثة. ترتفع معدلات الهلوسة ويقدم البرنامج إجابات سطحية مقارنة بالمنافسين الممتلكين لاتفاقيات ترخيص قوية مع صناع المحتوى.
الإطعام القسري وانهيار الثقة
ميكروسوفت تدرك هذا الرفض وتتعامل معه بأسوأ طريقة ممكنة؛ الإطعام القسري.
عندما يرفض المستخدمون منتجك يمكنك إجبارهم على رؤيته في كل مكان. أصبح Copilot يقفز في وجهك عند فتح File Explorer ويحتل مساحة إجبارية في شريط إشعارات ويندوز 11.

المثير للسخرية أن ميكروسوفت نشرت مقالًا رسميًا عن أفضل أدوات الإنتاجية المدمجة في ويندوز 11 وتصدر Copilot القائمة. هذا التصرف يعكس حالة من الإنكار المؤسسي العميق لشركة تتجاهل صرخات مستخدميها المطالبين بطريقة سهلة لإزالة هذا الدمج الإجباري.
كان رد فعل الأسواق حاسما وسريعا. فقدت ميكروسوفت حوالي 440 مليار دولار من قيمتها السوقية في أسبوع واحد فقط بعد إعلانها عن زيادة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، الذي تلاه انخفاض أسهمها بنسبة تصل إلى 12% عقب تقرير أرباح يظهر إنفاقاً قياسياً على الذكاء الاصطناعي دون عوائد واضحة كافية.
المستثمرون أدركوا أن الدمج لا يعني الفائدة الفعلية. حقيقة وجود الأداة افتراضيا على مئات الملايين من الأجهزة تسقط تماما عندما يفضل المستخدم فتح نافذة متصفح جديدة والذهاب إلى منصة منافسة.

الشركات والمستخدمون يفضلون الأداة التي تعمل بكفاءة على الأداة المفروضة عليهم بقوة النظام. يبرع Copilot فقط في المهام التقنية الجامدة جدا مثل كتابة معادلات إكسل المعقدة بقواعد واضحة. بمجرد طلب مهمة تتطلب الفهم العميق لسياق العمل البشري ينهار النظام بالكامل ويقدم قوالب باهتة ومزعجة.
ميكروسوفت حاولت بناء نظام تشغيل جديد يعتمد على الصوت فانتهت بصناعة أداة بحث مكلفة للغاية لا يثق بها أحد. الخطيئة تكمن في الغرور المؤسسي الذي افترض أن المستخدم سيتخلى عن أدواته المفضلة بمجرد وضع زر ملون على لوحة المفاتيح.
سوق التقنية لا يرحم، والدرس الذي تتجرعه ميكروسوفت الآن بثمن باهظ هو أن الذكاء الاصطناعي لا ينجح بفرض السيطرة والاحتكار، بل بقدرته الحقيقية على حل مشاكل البشر دون التسبب في مشاكل جديدة.
لذلك، في المرة القادمة التي تنظر فيها إلى أيقونة Copilot وتتجاهلها لفتح أداة أخرى، تذكر أنك لست متأخراً عن ركب التكنولوجيا، بل أنت جزء من تصويت عالمي صامت يرفض كذبة النصف تريليون دولار.
?xml>