القائمة

نهاية "جاك ما" الحزينة وانهيار امبراطورية "النملة"!

نهاية "جاك ما" الحزينة وانهيار امبراطورية "النملة"!

منذ شهر - بتاريخ 2021-07-27

هل تعيش في الصين؟ إذا التزم الصمت ولا تتطلع إلى ما هو غير مصرح لك به، وإلا سيتم القضاء عليك حتى لو كنت على قمة قائمة أغنياء البلد، حتى لو كنت جاك ما نفسه.

مع بداية العام أثار غياب جاك ما عن الكاميرات الشكوك حول إمكانية اعتقاله أو خطفه أو حتى القضاء عليه من قبل الحكومة الصينية والحزب الشيوعي الحاكم بعد انتقاده اللاذع لهم، لكنه ظهر بعدها معللاً اختفائه بأنه يفضل الابتعاد قليلاً.

والآن وبعد مرور عدة أشهر على هذه الواقعة انخفضت قيمة امبراطورية جاك ما إلى ثُلث ما كانت عليه العام الماضي.

فما الذي حدث خلال هذه الأشهر؟

قبل عام واحد، كان جاك ما أغنى رجل في الصين، فهو مؤسس شركة "علي بابا" الصينية التي تعتبر نسخة أخرى من أمازون ومنافس قوي لها، ويمتلك أكبر شركة تكنولوجيا مالية في الصين وهي "The Ant Group" أو بالعربية مجموعة "النملة".

ووصلت إمبراطورية شركته إلى مكانة القوة العظمى في القطاع الخاص، تضعها على قدم المساواة مع عمالقة FANG وهم "Facebook Amazon Netflix Google" المحرك الرئيسي لبورصة ناسداك الأمريكية. حيث كانت قيمة "علي بابا" وحدها أكثر من أي شركة أمريكية باستثناء آبل وجوجل وأمازون.

كان اسم "ما" أيضاً ذو صدى كبير في جميع أنحاء العالم- أشهر شخص صيني على قيد الحياة. وهو معروف خارج الصين أكثر من الرئيس الصيني "شي جين بينغ".  نحن هنا أمام جيف بيزوس وإيلون موسك وبيل جيتس جميعهم مدمجون في واحد.

إلى هنا تبدو الأمور جيدة ومبشرة بالخير لهذا الملياردير الصيني الشاب، لكنه لم يكن يعلم أن نهايته ستبدأ عشية أكبر انتصاراته.

في نوفمبر 2020، كان جاك ما يحتفل بنجاح شركة "علي بابا" التي بدأها كموقع إلكتروني يديره من داخل منزله، ووصولها إلى كيان ضخم بلغ عدد مستخدميه 800 مليون متسوق حول العالم.

علي بابا

كان الملياردير الصيني الشاب يتبنى اتجاه التجديد، ويسعى لبناء ما يسمى بالصين الجديدة بعيداً عن سيطرة النظام المصرفي، وأساليب العمل القديمة لدى المؤسسات.

وفي تلك الليلية أعلن "جاك ما" أنه ينوي عرض مجموعة شركاته "The Ant Group" للاكتتاب العام في البورصة عالمياً يوم 24 أكتوبر 2020. وقام بالقاء خطاب أمام مجموعة من كبار الشخصيات انتقد فيه النظام المالي الصيني.

حيث اتهم مؤسس شركة علي بابا المصارف الصينية بالعمل بعقلية "مكاتب الرهانات". وقال إن السلطات تعتمد طريقة "إدارة محطة قطار لإدارة المطارات"، في سعيها لضبط عالم المال الالكتروني الجديد.

تلك التصريحات، أغضبت رؤساء المصارف في الصين وزادت مخاوفهم من مجموعة "النملة" بعد إعلان عرضها للإكتتاب، ووصل الأمر للرئيس الصيني نفسه، واستُدعي "ما" وشركائه فورا إلى اجتماع مع هيئة الضبط الصينية. وتم إيقاف عملية الاكتتاب الخاصة بمجموعة "The Ant Group". وتراجعت أسعار أسهم شركات "ما" في البورصة، إذ فقدت 76 مليار دولار من قيمتها خلال أيام، وبعد الاجتماع اختفى "ما" عن الأنظار تماما. ولم ينته الأمر عند ذلك، حيث فتحت الحكومة بعدها تحقيقاً تتهم فيه شركة علي بابا بالاحتكار.

مجموعة النملة "The Ant Group" تهدد النظام المصرفي في الصين

مجموعة The Ant Group كانت تهديد حقيقي للنظام المصرفي الصيني ككل، حيث وصلت الشركة إلى مكانة عالمية يصعب منافستها بفضل المعاملات المالية السريعة والذكية التي تقدمها من خلال خدماتها المالية المختلفة كما يشير برنامج المخبر الاقتصادي.

مجموعة النملة - The Ant Group

خدمة المدفوعات AliPay

فالذراع الأول للشركة كان يركز على خدمات المدفوعات من خلال تطبيق AliPay ، وهو تطبيق دفع مباشر عبر الهاتف المحمول متكامل يحل محل خدمات الدفع المختلفة مثل باي بال والماستر كارد وآبل باي كلها في تطبيق واحد.

وصل عدد مستخدمي AliPay إلى أكثر من مليار مستخدم حول العالم، وفي يونيو 2020 وصل حجم المعاملات عبر التطبيق إلى 17 تريليون دولار خلال الـ 12 شهر السابقة لذلك التاريخ.

والسر في نجاح AliPay هنا هو نسبة الرسوم التي لا تتجاوز 0.1% من حجم المعاملات، وهي نسبة أقل بكثير من تلك التي تفرضها البنوك الصينية على خدمات بطاقات الإئتمان، لذلك اتجه الصينيون إلى AliPay وعزفوا عن استخدام بطاقات الإئتمان الأمر الذي أغضب المصارف في الصين من جهة.

ومن الجهة الأخرى، مثل هذا التطبيق كنز حقيقي للشركة بفضل البيانات التي وفرها لهم، فاستخدام التطبيق في كافة أنواع المعاملات اليومية من هذا العدد الضخم من المستخدمين وفر لمجموعة النملة الوصول الحر إلى كم ضخم من بيانات المستخدم التي لا يمكن للحكومة نفسها الحصول عليها، وكانت هذه نقطة غضب أخرى.

خدمة الاقراض Huabei و Jiebei

أما الذراع الثاني للشركة، فهو خدمات الإقراض والتي تنقسم إلى خدمة الإقراض الاستهلاكي عبر Huabei والتي تعتبر بمثابة بطاقة إئتمان افتراضية تتيح للمستخدمين تأجيل مدفوعاتهم لمدة شهر أو تقسيمها على أقساط، لكن الشركة كان تقدم هذه الخدمة برسوم أقل عن البنوك وبدون تعقيد، الأمر الذي أضر بالبنوك الصينية أيضاً.

خدمة الإقراض الثانية من الشركة هي خدمة إقراض أصحاب المشاريع الصغيرة  Jiebei ، والتي كانت بفوائد أقل من البنوك الصينية، وكانت تهتم بأصحاب المشاريع الصغيرة، وكانت تقدم القرض خلال 180 ثانية فقط! معتمدة في ذلك على البيانات السابقة التي جمعتها عبر AliPay عن المستخدم لتحديد ما إذا كان قادرا على تسديد القرض أم لا.

لكن خدمة Jiebei لم تستمر بهذا النمط بعد تحقيقها أرباح وصلت إلى 3.5 مليار يوان في 2018، الأمر الذي أغضب الجهات التنظيمية وفرضت قواعد جديدة تحد من استمرار خدمات الإقراض في Jiebei ، وهنا قرر جاك ما تغيير طريقة عمل Jiebei لتتحول من تقديم القروض بنفسها إلى وسيط بين المستخدم والبنك، حيث يقدم المستخدم الطلب عبر التطبيق، ثم يقوم التطبيق بتحليل بيانات المستخدم وتحديد جدارته الإئتمانية، ثم إرسال النتائج والطلب إلى البنوك التي تتعاون مع التطبيق، وتحصل الشركة على نسبة، وبهذه الطريقة تكون الشركة تبيع البيانات إلى البنوك فعلياً. وهو الأمر الذي لم يكن كافي لإرضاء الحكومة والبنوك الصينية ايضاً.

الخدمتان الماليتان الأخريان اللتان تقدمهما الشركة هما خدمة الإستثمار عبر تطبيق Yu'ebao ، وخدمة التأمين، واللتين تساهمان أيضاً في جمع المزيد من المعلومات الدقيقة حول المستخدمين.

حجم هذه الخدمات المالية الأربعة والبيانات التي تملكها الشركة جعل النملة تهديد صريح لسياسة الحكومة الصينية والنظام المصرفي في الدولة القائم على الإقراض.

الإجراءات التعسفية التي اتخذتها الصين مع جاك ما تحت عنوان "التصحيح"

وقف اكتتاب "The Ant Group"

بالنسبة لوقف إكتتاب مجموعة "The Ant Group"، فإذا أردت أن تعرف حجم تلك الكارثة، فقد وصل قيمة الاكتتاب بحلول أكتوبر 2020 حسب صحيفة وول ستريت جورنال إلى " 3 تريليون دولار".

ووفقاً لتصريحات جالك ما، كان ذلك هو" أكبر اكتتاب في تاريخ البشرية" ولأول مرة يحدث إكتتاب بهذا الحجم الضخم خارج نيويورك، وقبل إلغاء الاكتتاب كان سعر سهم الشركة قد ارتفع بنسبة 50% قبل الإعلان عن الاكتتاب.

وفي اللحظة الأخيرة أوقفت بكين عملية الإكتتاب!

مجموعة النملة - The Ant Group

تقسيم الشركة

بعد الفشل الذريع للاكتتاب العام ، بدأ المنظمون في تفكيك مجموعة The Ant Group، وأمر البنك المركزي الصيني المجموعة بتشكيل شركة قابضة مالية منفصلة تخضع لنوع متطلبات رأس المال المطبقة على البنوك. الأمر الذي يمكن أن يفتح الباب أمام البنوك الحكومية الكبرى أو أنواع أخرى من الكيانات التي تسيطر عليها الحكومة لشراء الشركة.

ولم يتوقف الأمر على ذلك فقط، بل وصل إلى طلب البنك المركزي الوصول إلى بيانات المستهلك الخاصة بالشركة والتي تضم بيانات أكثر من مليار شخص يتعامل مع الشركة، وقالت الحكومة أن الاحتفاظ بهذه البيانات لصالح The Ant Group وحدها يعتبر نوع من أنواع الاحتكار!

تحييد صندوق سوق المال التابع لمجموعة Ant Group

ربما كان صندوق سوق المال التابع لمجموعة Ant Group قصة نجاحها الأكثر روعة وانفجارًا، ففي غضون أربع سنوات فقط ، أصبح الصندوق (لفترة وجيزة) الأكبر في العالم، متجاوزًا الشركات الأمريكية العملاقة مثل فيديليتي وجي بي مورجان و "صدم التنفيذيين المصرفيين في جميع أنحاء العالم".

أنشأ Ant هذا الصندوق من خلال دعوة المستهلكين الصينيين للاحتفاظ بأموالهم الفائضة في هذه الحسابات.

وفي ظل إجراءات الصين التعسفية أو ما يسمونه بالتصحيح، "تقلص صندوق سوق المال التابع لمجموعة Ant Group إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من أربع سنوات حيث قام المستخدمون بتحويل أموالهم في مواجهة حملة الصين على مجموعة مدفوعات جاك ما، وصدرت أوامر لشركة Ant" بتقليص حجم [الصندوق] كجزء من صفقة إعادة الهيكلة التي أبرمت مع السلطات الصينية منذ شهرين.

توقيع غرامة احتكار على شركة "على بابا"

في أبريل 2021، تم فرض غرامة كبيرة على شركة "على بابا" الرائدة، وصلت قيمة الغرامة إلى 2.8 مليار دولار بتهمة الإحتكار.

حيث اتهمت الحكومة الشركة بإساءة إستخدام هيمنتها على السوق، ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل صدرت الأوامر لشركة علي بابا بتصحيح سلوكها وتقليص أعمالها.

مضايقات متفرقة من الحكومة الصينية

لم تكتف الحكومة الصينية بالإجراءات السابقة، بل وصلت الأمور الأصغر، حيث قامت بحذف متصفح الإنترنت الشهير للشركة، والذي كان رقم 2 في السوق الصينية مع أكثر من 400 مليون مستخدم نشط.

وفي أبريل  2021، تمت إقالة جاك ما من منصب رئيس جامعة هوبان-  Hupan ، وهي كلية إدارة الأعمال التي أسسها وأنفق عليها في عام 2015.

كان "ما" يملك طموحاً كبيراً في تطوير نهج إدار الأعمال داخل الصين، لكن حتى هذا الحلم تحطم. بعد إقالته تم فصل الطلاب الجدد وانهار كل شئ.

مجموعة النملة - The Ant Group

الكابوس الأسوأ

أخيراً، فقد اتخذت الحكومة الصينية خطوة قاتلة للنملة، وذلك بإجبارها على بدء شركة تمويل جديد في مجال إقراض المستهلك، ستساهم Ant Group فيها بقيمة 155 مليار دولار في شكل قروض.

ستصبح الشركة الجديدة حجر الزاوية في أعمال الإقراض المعاد هيكلتها لشركة النملة ، ومع ذلك، ستمتلك النملة 50% فقط من الشركة الجديدة، وسيتم تقسيم الـ 50% الأخرى بين عدد من الشركات التابعة للمصارف والحكومة الصينية، ومن ضمنهم شركة Huarong الأسوأ في مجال التمويل داخل الصين والمعروفة حجم الفساد الضخم والسمعة السيئة!

كل هذه الضربات جعلت مجموعة The Ant Group تتراجع قيمتها من 320 مليار دولار إلى 100 مليار دولار، وخسر جاك ما مايقرب من 10 مليار دولار من ثروته، وحتى الآن لم يظهر جاك ما منذ أكتوبر الماضي إلا ثلاثة مرات فقط، ويُقال أنه محتجز إجبارياً تحت عين الحكومة الصيني.

من المؤسف حقاً أن نرى كيان ناجح مثل The Ant Group ينهار ويتفكك بهذا الشكل المُدمر، لكنه هذه هي الصين وهذه هي سياسة حكومتها التي تمسك بزمام كل صغيرة وكبيرة داخل البلد.

أضف تعليق (0)

ذات صلة