انستجرام لم يعد كما كان، فيسبوك أيضاً ليس مكاناً للتواصل مع أصدقائك ومعارفك المقربين، وبزيادة تدفق الشباب لمنصات ذات هيئة جديدة مثل تيك توك، مواقع التواصل الاجتماعي على العموم لم تعد مثل الماضي وفقدت أهدافها الأساسية - زيادة الترابط وتسهيل التواصل، بل أصبح كل ما تبغاه تلك المنصات هو شيء واحد: إثارة انفعالك وزيادة مستوى اشمئزازك؛ للحفاظ على تفاعلك واستكمال استخدامك للمنصة. 

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي بأساليب خوارزمياتها التي تعمل بها حاليًا تميل نحو التفرقة بين المجتمعات وتحويل كل المحتوى المتواجد عليها إلى نقاشات طويلة في صندوق التعليقات تدفع المستخدمين إلى تشكيل الجدالات والميل للعدوانية كنتيجة لها.

ما يُثير القلق حول ذلك هو أن مواقع التواصل الاجتماعي تحفزك بشكل لا إرادي للدخول في أمور لا تمس لك بصلة ولا تؤثر على الواقع من حولك، وقد توهم عقلك لتكوين آراء ونظريات عن تلك الأمور والمعتقدات حتى تصل إلى حد التشدد والثقة المبالغ بها حولها، وقد تكون أنت وحدك المالك لهذه الأفكار؛ لعدم تشابه المحتوى الذي تراه مع أي شخص آخر؛ فيصبح أي نقاش لك في الواقع مع الأفراد من حولك (الذين هم أيضًا يمتلكون رؤى مختلفة عنك) عبارة عن عراك وجدالات لا متناهية، ما يسبب في النهاية تفضيل كل فرد للعزلة والبُعد عن الآخرين، منغمسًا مع هاتفه في غرفته وحيدًا، سارحًا في نقاشاته الوهمية مع أولئك الأفراد الذين لا يملكون حياة، مغذيًا عقله على أفكار خطّاءة ولا تعكس الواقع. 

لم نعد نعيش في مجتمع، بل في فقاعة من النفاق:

قد تكون سمعت من ذي قبل عن ما يُسمى بالـ "Filter Bubble" (أو ما يمكن ترجمته للعربية لـ : "فقاعة الفلترة")، المصطلح الذي يمكن تعريفه بأنه الموقف الذي يكون فيه مستخدم الإنترنت محاطًا بالمحتوى والمعلومات التي توافق معتقداته وآرائه فقط، وقد تعزز منها أيضًا حتى وإن كانت تلك المعتقدات خاطئة أو تحفزه على التعامل بشكل سلبي مع الآخرين أو حتى أذيتهم، ولا تستهن بتأثير هذا المفهوم، حيث أن انعزال كل فرد أو فئة من الناس داخل فقاعة معينة على الإنترنت قد تسبب حروبًا على أرض الواقع! 

كما رأينا في الأسابيع الأخيرة خلال الحرب في غزة، فإن ترادف الآراء وزيادة النزاعات والخلافات على القرارات سببه الأول هو اختلاف ما يتم رؤيته عبر الإنترنت حول تلك القضية لكل من الطرفين، فالطرف الأول قد يرى أن الطرف الثاني ساذج لعدم قدرته على رؤية ما يجب فعله لحل تلك القضية، في حين أن الطرف الثاني في الواقع منغمر وسط موجة مُنهالة عليه من المعلومات المزيفة والمحتوى المضلل الذي يدفعه للتشدد حول رأيه، معتقدًا أن الطرف الأول هو العدو الشرير الذي يستحق أن يمارس ضده مستوى قاسي من العدائية، دون الوعي لمدى وحشية نتائج أفكاره المبالغ فيها بشدة، بينما إنه لو تراجع خطوة للوراء ونظر للحقائق خارج تلك المنصات المفعمة بالأكاذيب والتحريف؛ سيجد -واقعيًا- أنه هو الشخص السيء في هذه القصة. 

عقولنا لا يمكنها استيعاب هذا المستوى من التواصل: 

في بحث بعنوان "كيف يقود الإعلام الرقمي للتفرقة باستخدام اسلوب الفرز الحزبي" ناقش الباحث في جامعة أمستردام 'بيتر تورنبرغ' بُعد آخر لتأثيرات منصات التواصل الاجتماعي السلبية على المجتمعات برؤية مختلفة عن فكرة الفقاعات المفلترة، حيث شارك نظريته حول أن وسائل الإعلام الرقمية تساهم في تفرقة المجتمعات المحلية عن طريق ربط عقول الأفراد بمعتقدات مختلفة عن معتقدات من حولهم، وذلك يكسر التوازن والترابط بين الناس، ويشكل مجتمعًا أكثر انقسامًا كنتيجة لذلك، ما يزيد احتمالية حدوث الحروب الأهلية؛ لعدم اتفاق مجتمع واحد على نفس المعتقدات، الأمر الذي لم يُبن البشر عليه في الأساس، مفسرًا ما يحدث رجوعًا إلى أن عقولنا تطورت ونمت على مدار آلاف السنوات على تشارك الفِكر في المجتمعات، وذلك للحفاظ على الصحبة والتلاحم. 

حياتنا الاجتماعية قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي بهيئتها الحالية كانت أكثر بساطة. حتى إن كنت أنت وجارك لستما أفضل الجيران، لكن على الأقل كنتما متواجدين لبعضكما البعض إن احتاج أحد منكما لمساعدة الآخر، وكان من المؤكد أنكما تتشاركان الكثير من الصفات ولديكما ذكريات متشابهة حول الشوارع والمدينة والناس، تمارسان نفس العادات، تأكلان نفس الطعام، تتقابلان في بيوت الله، تساعدان بعضكما في الغُربة، وتقفان سويًا ضد الأعداء — لم يعد ذلك موجودًا بسبب ما حدث من تغييرات جذرية لسُبل التواصل خلال العشرين سنة الماضية، حيث أن انغماس كلُ منك أنت وجارك في دائرة فكرية مختلفة أدى إلى تغريبكما عن بعضكما، وفي بعض الحالات قد يمتد الأمر إلى الوصول لكرهكما البالغ وعدوانيتكما أمام بعضكما البعض، وهذا ما يحدث أمام أعيننا الآن، حيث أنك وسط الحرب الجارية قد ترى بعض الفئات من مجتمعك تقف في الصفوف المعادية حاملين فكرًا أجنبيًا عن مجتمعهم. 

الحل لمسألة العدوانية وغسيل المخ عبر الإنترنت: 

عقولنا لا يمكنها التواكب مع مستوى التطور الاجتماعي الذي حدث في العقود الأخيرة، فنحن كنا فقط على شفا التأقلم على التعايش وسط المدينة خلال القرن الماضي بعد أن كان البشر يعيشون وسط القرى والمجتمعات الصغيرة، ثم أتت صدمتنا الفكرية والمعلوماتية تلك مع اختراع الإنترنت، مما شكل لنا مشكلة 'الاستقطاب' تلك التي أحدثت تفرق في المجتمعات. الحل؟ الترشيد في التطور. 

مشكلتنا الاجتماعية يجب التعامل معها بشكل أكثر عقلانية، حيث أن أساليب التواصل الحديثة يجب أن تؤخذ على نحو تدريجي وأكثر رشدًا، فالعودة خطوات إلى الوراء إلى حيثما كان الإنترنت صديقًا لنا - عندما كان الإنترنت يتكون من قرى صغيرة (منتديات) قد يكون الحل الأمثل لهذه المشكلة.. على الأقل بشكل مؤقت لحين الوصول إلى مرحلة من استيعاب البشر لمدى اتساع نطاق التواصل في عصرنا هذا والتوصل إلى كيفية التصرف مع هذا الكم من المدخلات بحكمة دون التشتت وفقدان التركيز عن الغايات الأساسية لكل فرد منا.

المنتديات ذات المعايير المعينة والصريحة قد تكون أفضل لنا بشكل عام، حيث أنها تكون في العادة مصممة لتلائم فئات واسعة من الناس تتشارك نفس المعتقدات والتقاليد الأصلية، وذلك دون انكسار الجدران مع المجتمعات الأخرى؛ ما يمنع دخول أفراد غرباء وسطها بشكل عشوائي، وضمان عدم تلوث البيئة بالأفكار المعادية للمجتمع الخاص بالمنتدى أو تشكل معتقدات متشددة من باطنه دون تعمد بسبب تدخل تلك الخوارزميات الفاسدة التي تعمل بها مواقع التواصل الاجتماعي.

كذلك قد تكون المواقع والمدونات -المصممة لجمهور محدود (التي تسمى بالـ "niche sites")-  أيضاً مكانًا آمنا على الإنترنت للوصول إلى المعلومات دون تحيز أو محاولات إدخال فكر مختلف يثير التشتت على العقول.

قد يُرى أنه من الجيد التوسع والعبور لاستكشاف الأفكار المختلفة، وهذا بالطبع صحيح، لكن الانفتاح في بعض الأحيان بين كل فرد على حدى قد يؤدي إلى فقدان التوازن وتشتت الفكر وانقسام المجتمعات، ولذلك يجب أن تؤخذ كل الأمور تدريجيًا، فبعض الأشياء يجب أن تأخذ وقتها، وفي حالة طلب التغيير الفكري وكسر التقاليد يجب أن يُتمسّك بالصبر حينها حتى تحدث ثورة اجتماعية بين كل مجموعة من الأفراد بشكل مهيأ له طبيعيًا، وإلا فالحروب الأهلية في مختلف المناطق.