الرئيسية المقالات

الذكاء الاصطناعي: هل يبقى “عبد المأمور” أم يتطور إلى “المأمور” نفسه؟

السؤال الأخطر، هل في يومٍ من الأيام  سيسلك الذكاء الاصطناعي دربه وينتقل من طور الطفولة وتلقي المعلومات والأهداف من خلالنا، إلى تشكيل وعي خاص به قادر على صنع القرارات وتنفيذها؟!

“ليتنا أنا وأنت جئنا إلى العالم قبل اختراع التلفزيون والسينما لنعرف هل هذا حب حقًا، أم أننا نتقمص ما نراه”

                                                                                                                    الدكتور: أحمد خالد توفيق

ربما تُعد هذه أكثر مقولة معبرة عمّا نمر به في حياتنا! أتساءل كثيرًا: هل ما نعيشه هو ما نريده بالفعل؟ هل ما نقتنيه بشكل يومي أو حتى سنوي هو ما نحتاج إليه حقًا؟ الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج منا أولًا معرفة الخطوات التي تمر بها المعلومة من مصدرها حتى تصل إلينا؛ فهي تبدأ من عند المرسل، ثم الرسالة نفسها، عن طريق الوسيلة المستخدمة في إيصال المعلومة، ثم إلى المستقبل أو المرسَل إليه.

ومع تطور وسائل الاتصال وتعقدها أصبح هناك ما يسمى بحارس البوابة، وهو المسؤول عمّا يجب أن يعرفه العامة وما لا يجب أن يعرفوه، كان دور حارس البوابة مثل قطعة الشطرنج في يد السلطة، أو في يد من له الصوت الأعلى، لذلك  تشكل القوة الإعلامية “القوة الناعمة” خطرًا وأهمية أعظم من القوة الحربية.

واليوم ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتعددها، أصبح المتلقي  أكثرتعقيدًا، فلم يعد تحت رحمة ما يتلقاه فحسب، بل إنه يبحث وينتقل من مصدر إلى آخر ليعرف الحقيقة التي تشبع فضوله وتجيب عن تساؤلاته وتحترم عقله، ومن هنا بدأت الحيل والأساليب، فتفرد مراجع وتطبع كتب وتتترجم مقالات عن كيفية فهم المتلقي وتحديد احتياجاته ودراسة الجمهور وأنواعه، كل ذلك لتصل إلى أعلى نسب المشاهدة والمشاركة!

Artificial intelligence Machine Learning Business Internet Technology Concept

الذكاء الاصطناعي: “أنا عبد المأمور!”

هل ينتهك فيسبوك خصوصيتك عندما يقوم بحساب الوقت المستهلك  لقراءة “post” أو إعلان مدفوع الأجر، ويعيد ظهوره لك مرة أخرى، وفي نفس الوقت يقوم بتجنب المحتوى الذي لم يلفت انتباهك من البداية؟ هل يلبي فيسبوك أو جوجل احتياجك عندما تتحدث بصوت مسموع أو بشكل مكتوب عن منتج أو سلعة معينة تحتاجها، ليعرض لك كل المعلومات الخاصة بها من أماكن بيعها، وسعرها، وأنواعها؟

يقوم فيسبوك كل يوم بجمع المزيد من المعلومات عن المستخدمين، من خلال طريقة تصفحهم وحركتهم داخل التطبيق، والآن ننتقل إلى الجزء الأهم، هل ما يتم عرضه هو ما نريده بالفعل؟ هل خوارزمية فيسبوك تفرض علينا شيئًا لا نريده؟ أو هل تشعر أنك مضطر لشراء سلعة معينة بسبب تكرار ظهورها أمامك  أكثر من مرة؟!

في تجربة خاصة بحركة الروبوتات، طُلب من الروبوت الانتقال من النقطة A  إلى النقطة B، ولكن أولًا يجب معرفة شرط هام عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي، دورك ينتهي باصدار الأمر، أو عرض المشكلة، أي أنك لا تقوم بشرح كيفية حلها، وعن طريق التجربة والخطأ، يكتشف الروبوت بنفسه كيفية الوصول إلى أفضل الحلول وأنسبها.

كان من المتوقع أن يقوم الروبت بتجميع الأجزاء الخاصة بتشكيل قدميه للتحرك من النقطة A حتى النقطة B، ولكن من وجهة نظر الروبوت لمفهوم الحركة اختار الانتقال في حركة واحدة، عن طريق تشكيل أجزائه على هيئة برج طويل وإسقاط نفسه من نقطة البداية إلى نقطة النهاية. عمليًا لقد قام بتنفيذ مهمته بنجاح، ولكن هل هذا ما نريده؟ بالطبع لا، وبالمثل يقوم الذكاء الاصطناعي الخاص بخوارزمية فيسبوك أو تويتر بتحقيق المهام المطلوبة منه دون معرفة الخطوة القادمة أو الهدف الأكبر من ذلك. 

في تمام الثانية بعد منتصف الليل ما تريده أنت فعلًا هو النوم، لكن ما تفعله هو مشاهدة  مقاطع فيديو غريبة ومتفرقة، ما بين الفضائح والعنف دون مبرر واضح، والسبب وراء ذلك هو الذكاء الاصطناعي، إذ تستخدم منصة يوتيوب لتحقيق ذلك ما يُسمى الشبكة العصبية “Neural network”، وهي خاصية تشبه مطرقة طبيب العظام، تبحث عما يثير الخلايا العصبية في دماغ الإنسان وتطرق عليها لتقوم بالاستجابة ملبيةً هدفًا بعينه، والهدف هنا هو مشاهدة كثير من المقاطع، واستخدام التطبيق لأطول فترة ممكنة، بغض النظر عن المحتوى السادي أو الإباحي الذي تشاهده، هل الذكاء الاصطناعي يعلم المحتوى الذي تشاهده؟ هل لديه ما لدينا من القيم الإنسانية؟! الإجابة مرة أخرى: بالطبع لا، هو ينفذ الهدف المطلوب منه فحسب!

سقطت قطعة الدومينو!

في الماضي، كان التلفزيون يستقي أفلامه وبرامجه من قصص العامة، فسُمي بـ “مرآة المجتمع”، أما اليوم، وبمجرد ظهور قضية رأي عام ذات تفاصيل مروعة، كالقتل أو الاغتصاب، تجد أن صفحة فيسبوك الخاصة بك تعرض عليك مزيدًا من الحوادث، فتُشحن أنت بطاقة غضب كامنة، يعتريك القلق والتخبط على الرغم من أننا نعيش في أقل العصور دموية، وفجأة تنفجر طاقة الغضب وتنهار قواك، وفي أسوأ الظروف تظهرعلى صفحة فيسبوك الخاصة بأحد المستخدمين كمواطن يقتل سائق السيارة التي تجاوره بسبب الازدحام المروري، من المرآة الآن؟

صورت الأفلام العالمية وروايات الخيال العلمي والفانتازيا الذكاء الاصطناعي على أنه الخطر القادم، الذي سيدمر البشرية، ويستغل الإنسان لخدمته بعدما يتمكن من محاكاة عقل يشبه العقل البشري، تفاحة جديدة هي السبب لخروج الجنس البشري من جنة الله، ولكن إلى أين تلك المرة؟ سقطت قطعة الدومينو منذ بداية الألفية ولن نتمكن من إيقافها، ولا حتى التنبؤ بنتيجة ذلك على المستقبل، وما سوف تجنيه الأجيال القادمة هو ما أردناه وطلبناه حرفيًا اليوم.

السؤال الأخطر، وربما الأبعد عن الواقع، هل في يومٍ من الأيام  سوف يسلك الذكاء الاصطناعي دربه وينتقل من طور الطفولة وتلقي المعلومات والأهداف من خلالنا، إلى تشكيل وعي خاص به قادر على صنع القرارات وتنفيذها؟!

الإجابة هي: ربما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينقلب على صانعه، ومن الممكن أن يصبح طورًا أكثر رقيًا منا، ونقوم معًا ببناء حضارة لم يشهدها الجنس البشري من قبل، وربما لا يستطيع أن يجاري تعقد العقل البشري من الأساس، كل الاحتمالات مطروحةً هنا!

ولكن الإجابة الأنسب والأقرب إلى واقعنا وعالمنا، حتى الآن، هي: لو لم تفنينا الأمراض، لو لم تقسمنا الحروب، أو إذا لم يقضي علينا  نقص الموارد والتوزيع غير العادل لها، لو تبقى من إنسانيتنا شئ،  فلتسيطر علينا الكائنات الفضائية حينها، لا يهم أي طور يصل إليه الذكاء الاصطناعي، لكن ما يهم إلى أي طور نتحول نحن!