عندما ظهرت لعبة Halo: Combat Evolved لأول مرة في عام 2001، لم تكن مجرد إطلاق ناجح لجهاز Xbox الأول، بل كانت زلزالًا يُعيد رسم ملامح ألعاب التصويب من المنظور الأول على أجهزة المنصات المنزلية، ومُطورة لمعايير التحكم، والذكاء الاصطناعي، وسرد القصة الملحمي في عالم الخيال العلمي. اليوم، وبعد مرور ربع قرن من الجولات، يعود إلينا أستوديو Halo Studios بعد تغيّره من اسم 343 Industries سابقًا، بمشروع إعادة بناء شامل لطور القصة تحت اسم Halo: Campaign Evolved.

تأتي هذه النسخة في لحظة مفصلية للغاية من تاريخ السلسلة؛ إذ يُمثل إطلاقها خطوة شجاعة وجريئة للتخلي عن المحركات القديمة والانتقال بالكامل إلى محرك Unreal Engine 5. ولأول مرة في تاريخ العنوان، تكسر اللعبة قيود الحصرية لتصل إلى أجهزة PlayStation 5 بجانب Xbox Series X/S والحاسب الشخصي. بين رغبة الأستوديو في جذب جيل جديد من اللاعبين وتكريم الماضي، تقف هذه المراجعة لتقييم ما إذا كانت هذه العودة تستحق حمل إرث Master Chief الشامخ، أم أنها مجرد محاولة لاستغلال الحنين إلى الماضي تحت غطاء رسومي عصري.

من المفترض أن اللعبة ستقدم  مظهرًا عصريًا مع الحفاظ على جوهر تجربة التصويب من المنظور الأول الكلاسيكية، لكنها تأتي مع بعض القرارات التصميمية والتقنية المتباينة. مع إصدارها على الحاسب الشخصي، إكس بوكس سيريس X|S وبلاي ستيشن 5!

الغطاء البصري الجديد وتفاصيل المحرك في التجربة

تُمثل لعبة Halo: Campaign Evolved نقطة التحول التاريخية لـ Halo Studios بعد التخلي عن محرك Slipspace والانتقال إلى Unreal Engine 5. من الناحية التقنية البحتة، تُقدم تقنية الإضاءة العالمية وتفاصيل الهندسة الرسومية قفزة هائلة مقارنة بالنسخ السابقة. تتجلى هذه القفزة في البيئات الخارجية المفتوحة لعالم Ringworld الاستوائي، حيث تبدو انعكاسات المياه على الغابات والوديان، والانعكاسات الضوئية على درع Master Chief الأخضر في غاية الجمال والابهار الرسومي.

على الجانب الآخر، تظهر تضحية واضحة بالهوية الفنية الأصيلة، إذ أصبحت الممرات والمنشآت الداخلية التابعة لحضارة Forerunner تمتلك طلاءً مصقولًا وشديد اللمعان وكأنها ملمعة بمواد كيميائية حديثة، مما يفقدها طابع اللغز الفضائي القديم والمجهول الذي ميّز نسخة عام 2001. يُضاف إلى ذلك معاناة اللعبة على المنصات من ضبابية حادّة في المؤثرات البصرية وضغط في حدة الصورة لا يمكن إيقافه إلا عبر تعديل ملفات النظام على الحاسب الشخصي. أما المشاهد السينمائية، فرغم إعادة إخراجها بالكامل بجودة رسومية عالية جدًا، فإنها مقفلة عند معدل 30 إطارًا في الثانية، مما يُسبب شعورًا بالتقطع البصري عند الانتقال المباشر من أسلوب اللعب إلى المشاهد.

إثراء القصة والتلميح لإعادة بناء مُرتقبة لـ Halo 2

لم تكتفِ اللعبة بنقل القصة الكلاسيكية حرفيًا، بل قدّمت صياغة سردية متقنة تُعد من أذكى جوانب اللعبة؛ حيث نجح الأستوديو في إدخال تعديلات دقيقة على السيناريو الأصلي لتعميق دوافع الشخصيات وإثراء الخلفية القصصية. مع توسيع التفاعل بين ماستر شيف والذكاء الاصطناعي Cortana لمنح العلاقة بينهما عمقًا دراميًا يتنبأ بتطورات الأجزاء اللاحقة، إلى جانب تسليط الضوء على الدوافع العقائدية للـ Covenant عبر تسجيلات صوتية ومشاهد جانبية جديدة تُفسر إصرارهم الأعمى على تنشيط حلقة Halo. هذه الإضافات تمت حياكتها بعناية دون المساس بالهيكل الأساسي لحدث عام 2001، مما منح الحبكة طابعًا أكثر نضجًا وإقناعًا.

الأكثر إثارة في هذا التحديث السردي هو النهاية الجديدة والمشاهد التلميحية التي أضافها المطورون؛ إذ تتضمن اللعبة مجموعة من التلميحات بشكل صريح ومثير للاهتمام إلى مشروع إعادة بناء الجزء الثاني Halo 2 Remake. هذا الربط السردي المبتكر لم يكتفِ بتنعيم حواف قصة الماضي فحسب، بل وضع حجر الأساس لنقلة مستقبلية تمهد الطريق لإعادة تقديم أسطورة Halo 2 بأسلوب تقني وسردي يواكب معايير الجيل الحالي.

التجربة كانت للأسف سطحية تفتقد للسحر والابتكار الحقيقي

بعيدًا عن اللمعان الرسومي والمظهر العصري، يطغى على التجربة الإجمالية للعبة شعور واضح بالإحباط وعدم الرضا الكامل. التجربة في جوهرها تبدو كمنتج تجاري بيعي آمن ومصقول للاستعراض التقني بدلاً من كونها مشروعًا يفيض بالشغف والإبداع؛ فلعبة كانت تُحدث ثورة في عالم ألعاب التصويب قبل ربع قرن أصبحت هنا مُجرّد لعبة تصويب تقليدية أخرى في السوق.

يتجسد هذا الإحباط في الغياب التام للحماس والشعور بالرهبة الذي يرافق الاستكشاف الأول لـ Halo؛ فالمواجهات تفتقر إلى الذكاء الاصطناعي الابتكاري، وتوزيع الأعداء ينتهج قواعد مكشوفة ومكررة تمنح اللاعب شعورًا بأنه يؤدي مهامًا روتينية بدلًا من خوض حرب بقاء ملحمية.

حقيقة أن الأستوديو لم يحاول تقديم أي آليات تفاعلية جليلة أو أفكار جديدة في تصميم العالم تجعل التجربة بأكملها تفتقر إلى الروح التي جعلت النسخة الأصلية أسطورة لا تُنسى، لتبدو اللعبة في النهاية كنسخة مكررة لا تترك أثرًا عميقًا بعد إغلاقها. وفي الأغلب، لن تصل للنجاح المرغوب في إدخال جمهور جديد للسلسلة.

خيارات التصميم وتأثيرات التضحية بالهوية والعسكرية الكلاسيكية لصالح الأجندات

من أكثر الجوانب التي لا أستطيع تقبلها في هذه النسخة هو الإقحام المتكلّف والمُكثّف لمعايير التنوع والمساواة والشمول أو ما يعرف بـ DEI على تصميم الشخصيات والخيارات داخل اللعبة. ستلاحظ فورًا مع أول ساعة من اللعب تعديل التصاميم الكلاسيكية لجنود المارينز والشخصيات المساندة لتبدو متوافقة مع أطُر وشكليات مفروضة، بدلًا من المظهر العسكري الصارم والواقعي الذي ميّز السلسلة تاريخيًا. كما اُستبدلت الهيبة والصلابة التي كانت تظهر على ملامح الجنود بتصاميم ناعمة ومحايدة تفقد المُشاهد عاطفة الواقعية الحربية.

يتعدى هذا التأثير التصميم الخارجي ليطال النصوص والحوارات ونظام القوائم؛ حيث أُزيلت العديد من الدعابات النارية والتعليقات الحماسية الكلاسيكية التي كان يطلقها الجنود في ساحة المعركة واستبدالها بحوارات عقيمة ومحايدة سياسيًا لتجنب إحداث أي إزعاج. كما عُدل نظام إنشاء وتخصيص الشخصية في اللعب التعاوني لإلغاء تحديد الجنس الصريح واستبداله بنماذج أجسام محايدة، فضلًا عن إعادة كتابة بعض تفاصيل الشخصيات الثانوية وتغيير أعراقها أو توجهاتها البصرية دون أدنى ضرورة درامية.

هذا التوجه المعاصر أدّى إلى تصادم واضح مع روح القصة الأصيلة، ما جعل العديد من اللاعبين يشعرون بأن الاستوديو الجديد يولي أولوية لتطبيق أجندات شكلية على حساب الحفاظ على تراث السلسلة وهويتها الفضائية الصارمة، وتجربة اللعب المليئة بالذكريات.

ديناميكية القتال وتحديثات الحركة

نجح المطورون في هذا الجزء في الحفاظ على الفيزياء الخاصة التي جعلت قتال Halo مميزًا على مدار ربع قرن. احتفظت اللعبة بقفزة Chief الشهيرة بشعورها المعتاد بالطفو الهادئ في الهواء، إلى جانب زخم حركة المركبات الكلاسيكية مثل Warthog و Ghost وانزلاقها الممتع على المنحدرات. مع وجود انحدار ملحوظ في تفاصيل حركة الجنود معك في المركبة.

ومع ذلك، أُضيفت ميزة الركض السريع لأول مرة في هذا الجزء، ورغم أنها تسرع التنقل بين المناطق، فإن بعض الخرائط لم تُبْنَ أساسًا لهذه السرعة، مما يتيح للاعب أحيانًا تجاوز المعارك والهروب من الأعداء بسهولة. ولإرضاء عشاق التجربة الكلاسيكية، وضع المطور جمجمة مخفية تُعطّل الركض السريع تمامًا لمن يبحث عن التحدي الأصلي.

أما على صعيد آليات البقاء والأسلحة، فقد أُلغيت حزم الإسعافات الأولية واستبدالها بنظام الصحة المتجددة التلقائي، إضافة إلى ميزة تخزين المعدات الذاتية لتفعيلها بنقرة زر في الوقت المناسب بدلًا من التقاطها فورًا. كما أضاف الأستوديو ترسانة متنوعة من أسلحة أجزاء Halo 2 وHalo 3 مثل بندقية Battle Rifle والـ SMG وبندقية Needler Rifle وليزر الـ Sentinel، مما أحدث تنوعًا تكتيكيًا ممتازًا وأعاد توزيع المعادلة عند مواجهة أعداء الـ Covenant. لكن كما أشرت، جميع الأسلحة رأيناها بالفعل في الأجزاء السابقة.

المحتوى المتنوع مع محاولة ذكية لإحياء طور القصة عبر METEORITE ونمط Remix

لا تقتصر اللعبة على إعادة تقديم مهمات عام 2001 العشر فحسب، بل تُحاول تقديم محتوى ملموس يبرر سعرها الكامل. تتصدر هذا المحتوى ثلاثية المهمات الإضافية تحت عنوان Operation METEORITE، والتي تُقدم أحداثًا سابقة للقصة الأصلية تجمع بين Master Chief والرقيب Johnson. تُضيف هذه المهمات ساعتين من اللعب وتتميز بتصميم ساحات قتال مفتوحة وممتازة تُذكرنا بأفضل لحظات Halo 3.

علاوة على ذلك، حظيت مرحلة The Library، المشهورة تاريخيًا بكونها متاهة مُكرّرة ومُملة، بتعديل ملموس في توزيع الأعداء وإشارات المسار، مما جعلها أكثر سلاسة مع الحفاظ على صعوبتها وجوهرها. وتكتمل خيارات إعادة اللعب مع نمط Remix Mode، وهو إضافة تُتيح إعادة خوض مهمات القصة بعد إتمامها مع تغيير عشوائي ومجنون للأعداء والأسلحة؛ حيث يمكنك مثلًا مواجهة وحوش الـ Flood ووحوش الـ Brutes في المرحلة الأولى وتدميرهم بأسلحة حديثة.

والآن أصبح هناك محتوى إضافي للاعبين الذين يطاردون أقصى مستويات الصعوبة وتجربة اللعبة بكل الجماجم على الطور الأسطوري فيما يعرف باسم LASO.

غياب طور PvP ومشكلات سلاسة الأداء

رغم الإيجابيات الواضحة في الجانب الرسومي وأسلوب اللعب، فإن اللعبة تشوبها قرارات تصميمية وتقنية تُقلل من قيمتها الإجمالية. تتمثل الصدمة الكبرى في التخلي التام عن طور اللعب الجماعي التنافسي والاكتفاء بتقديم طور القصة واللعب التعاوني، وهو قرار مُحبط للغاية لجمهور السلسلة العريض.

على صعيد الأداء التقني، تعاني اللعبة على جهازَي PS5 وXbox Series X من هبوط ملحوظ في معدل الإطارات أثناء المعارك الضخمة ذات الانفجارات الكثيفة، بينما يفرض محرك Unreal Engine 5 على لاعبي الحاسب الشخصي عملية معالجة أولية طويلة للشيدرز تتجاوز عدة دقائق عند كل تحديث للبطاقة الرسومية.

يضاف إلى ذلك فرض الربط الإجباري بحساب Microsoft وXbox حتى عند اللعب في وضع عدم الاتصال على Steam، فضلًا عن ضعف إعادة التسجيل الصوتي للحوارات الرئيسية؛ إذ تسببت نبرة الصوت المتعبة لممثلي الأدوار الأصليين في فقدان بعض الحماس والنشاط الفضائي الذي أبدعوا فيه عام 2001.

خلاصة الحكم والتقييم النهائي

تعتبر Halo: Campaign Evolved تجربة تجمع بين المظهر الرسومي العصري والانبهار البصري من جهة، وبين القرارات التصميمية المحبطة وتراجع الروح الأصيلة من جهة أخرى. القتال والتنوع في الأسلحة يمنحان متعة لحظية جيدة، والمهمات الإضافية تُعد إضافة مرحبًا بها للاعبين الجدد وعشاق السلسلة.

ومع ذلك، فإن الشعور العام بالإحباط وتواضع الابتكار، إلى جانب التضحية بهوية الشخصيات لصالح معايير DEI (الأجندات) المفروضة، وغياب طور PvP التنافسي، حتى وإن كان لصالح اللاعبين وعدم تشتيتهم بين الأطوار الموجودة في Halo: The Master Chief Collection و Halo Infinite على حسب تصريحهم، يجعلها تجربة مقبولة وممتعة في مواضع عدة، لكنها بعيدة كل البعد عن أن تكون إعادة البناء المثالية التي انتظرها الجمهور.