الرئيس الذي لا ينام.. هل نسلم مفاتيح الدولة للخوارزميات؟
الساعة التاسعة صباحاً في العاصمة. يجتمع مجلس الوزراء لمناقشة الموازنة العامة للدولة. لا صراخ، لا مناورات سياسية، ولا أحد يسكب القهوة ليبقى مستيقظاً. القرارات تُتخذ في أجزاء من الثانية. وزير الصحة يطلب ميزانية إضافية؟ الرفض يأتي فوراً مدعوماً بأرقام دقيقة تثبت الهدر المالي في العام الماضي. وزير الدفاع يلوح بتهديدات أمنية؟ النظام يعرض احتمالات الخطر ونسبة نجاح كل سيناريو بدقة جراحية.
لا مجال للمحسوبية، لا مكان للرشوة، ولا وجود للخطأ البشري. هذا المشهد لم يعد حكراً على روايات الخيال العلمي، بل هو واقع بدأت بعض الدول تلامسه بأطراف أصابعها. السؤال هنا تجاوز "هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدير دولة؟" ليصبح "ماذا سيحدث عندما يفعل؟".
ألبانيا.. المغامرة الأولى لاستبدال البشر بوزيرة لا تشرب القهوة!
في سبتمبر 2025، وقف رئيس الوزراء الألباني إيدي راما ليعلن عن تعيين وزاري جديد. لم يكن الاسم مألوفاً في الأوساط السياسية، ولم يكن ينتمي لأي عائلة عريقة، بل لم يكن "شخصاً" من الأساس. الوزيرة الجديدة تدعى "ديلا" (Diella)، وتعني "الشمس" باللغة الألبانية، وهي أول نموذج ذكاء اصطناعي في العالم يُمنح صلاحيات وزارية للإشراف على واحدة من أكثر الحقائب فساداً وتعقيداً: المشتريات العامة.

الخطوة لم تكن مجرد استعراض تقني، بل محاولة يائسة وجريئة لكسر حلقة مفرغة من الفساد البشري في منطقة البلقان.
لماذا استدعت ألبانيا "الخوارزميات" للحكم؟
لفهم ظاهرة "ديلا"، يجب النظر إلى ما كان يحدث خلف الأبواب المغلقة. المشتريات الحكومية في ألبانيا -وكثير من دول العالم- كانت بمثابة "الثقب الأسود" للميزانية. المناقصات تُفصّل على مقاس شركات بعينها، والعقود تذهب للأقارب والمعارف، والبيروقراطية تقتل أي محاولة للشفافية. الحل البشري فشل، لأن الموظف مهما كان نزيهاً، يملك عائلة، ويخضع للضغوط، ويمكن شراؤه.
هنا تدخلت التكنولوجيا كطرف "محايد". الخوارزمية لا تملك ابن عم يحتاج لوظيفة، ولا صديقاً يملك شركة مقاولات، ولا تهتم بتكديس الأموال في حسابات سويسرية. هي تنفذ القانون حرفياً.

كيف تحكم "ديلا"؟
بنيت "ديلا" على نموذج لغوي متطور (LLM) تم تدريبه على قانون المشتريات الألباني والبيانات التاريخية للمناقصات. وظيفتها ليست مجرد أرشفة الأوراق، بل اتخاذ قرارات:
- كشف التلاعب: تحلل "ديلا" آلاف العقود في ثوانٍ لاكتشاف الأنماط المشبوهة التي قد يغفل عنها المدقق البشري (أو يتجاهلها عمداً).
- التقييم المحايد: تقوم بتقييم العروض الفنية والمالية بناءً على الجدارة فقط، متجاهلة اسم الشركة أو نفوذ مالكها.
- السرعة القاتلة: ما كان يستغرق شهراً من اللجان والاجتماعات، تنجزه "ديلا" في دقائق، مما يغلق الباب أمام مساومات "تحت الطاولة" لتسريع الإجراءات.
يعتمد النظام على بنية تحتية رقمية قوية أرستها ألبانيا عبر منصة e-Albania، التي حولت 95% من الخدمات الحكومية إلى النموذج الرقمي، مما جعل دمج "وزيرة رقمية" أمراً ممكناً تقنياً.
المعضلة: من نحاسب إذا أخطأت "الشمس"؟
رغم البريق الإعلامي، يثير تعيين "ديلا" مخاوف دستورية وأخلاقية عميقة. في النظام الديمقراطي، الوزير مسؤول أمام البرلمان والشعب. إذا فشل، يُقال أو يُحاكم. لكن، كيف تحاسب كوداً برمجياً؟

النقد الموجه للتجربة يتركز في نقاط حاسمة أثارها خبراء القانون الدستوري:
- التحيز الخفي: إذا كانت البيانات التاريخية التي تدربت عليها "ديلا" تحتوي على أنماط فساد سابقة، فقد تعيد الخوارزمية إنتاج هذا الفساد بطرق أكثر ذكاءً وخفاءً.
- الصندوق الأسود: قرارات "ديلا" قد تكون غير قابلة للتفسير. قد ترفض مناقصة لسبب تقني دقيق لا يفهمه الموظفون البشر، مما يخلق نوعاً جديداً من "الديكتاتورية الرقمية".
- التبعية التكنولوجية: الدولة هنا تسلم سيادتها المالية لشركة التكنولوجيا التي طورت النموذج وصيانته. من يملك الكود، يملك القرار.
نهاية عصر المعالي البشري؟
تجربة ألبانيا مع "ديلا" ليست مجرد نزوة تقنية لدولة صغيرة، بل هي بروفة لما قد يكون عليه شكل الحكومات مستقبلاً. رئيس الوزراء إيدي راما يرى فيها "مكملاً" للبشر، لكن الواقع يشير إلى أنها قد تكون "البديل".
نحن أمام سابقة تاريخية؛ للمرة الأولى، يتم استبدال "التقدير البشري" والخبرة السياسية بـ "الحساب الرياضي". قد تنجح "ديلا" في تنظيف المشتريات الحكومية، لكنها تفتح الباب لسؤال أكبر: هل نحن مستعدون للعيش في دول تدار بكفاءة الآلات، ولكن بلا رحمة البشر؟
فخ الكفاءة.. عندما نطلب ما لا نريد
الجاذبية السياسية للذكاء الاصطناعي تكمن في "الكفاءة". نحن كبشر نعشق تحسين الأشياء، لكننا ننسى أن الخوارزمية تنفذ ما تطلبه حرفياً، وليس ما تقصده أخلاقياً. طلبنا من خوارزميات التواصل الاجتماعي أن تربطنا ببعضنا، فمنحتنا الاستقطاب لأن هذا ما يبقينا على المنصة لأطول وقت.
عندما نطبق هذا المنطق على إدارة الدولة، تصبح النتائج مرعبة. قد نطلب من "الرئيس الرقمي" خفض الجريمة بنسبة 50%. الحل الأمثل للخوارزمية قد يكون فرض رقابة شاملة، وسجن أي شخص تزيد احتمالية ارتكابه لجريمة عن 60% بناءً على تحليل بياناته السلوكية. الهدف تحقق، الجريمة انخفضت، لكن الثمن كان الحرية.

النظام لا يفهم مفاهيم مثل "الرحمة" أو "الظروف المخففة" إلا إذا تمت برمجتها كمعادلات رياضية، والرياضيات لا تجيد التعامل مع الحالات الإنسانية الاستثنائية.
من يكتب الكود يملك الحكم
المعضلة الكبرى التي يغفل عنها المتحمسون للحكومة الرقمية هي "السيادة". إذا كانت شركة تقنية خاصة هي من تطور النموذج الذي يدير وزارة المالية أو الدفاع، فمن يحكم فعليًا؟
التقنيات الحالية ليست محايدة. هي نتاج البيانات التي تدربت عليها والأولويات التي وضعها المبرمجون. كما يشير خبراء الأمن السيبراني، هناك خطر حقيقي من أن يتم "اختطاف" الديمقراطية من قبل المصالح الخاصة. الشركة التي تبرمج "الرئيس" يمكنها وضع ثغرات تخدم مصالحها التجارية.

تخيل قانون ضرائب يصيغه ذكاء اصطناعي تم تدريبه بواسطة شركة كبرى؛ ستجد الثغرات القانونية مدمجة في صلب النظام بطريقة لا يمكن لأي مدقق بشري اكتشافها. نحن هنا أمام خصخصة كاملة لمفهوم الدولة.
موت السياسة وصعود الإدارة
السياسة في جوهرها هي فن التفاوض وتوزيع الموارد النادرة بين فئات متنازعة. استبدال هذه العملية بنظام ذكاء اصطناعي يعني تحويل "القضايا السياسية" إلى "مشاكل هندسية" لها حل واحد صحيح.
هذا التحول يلغي دور المواطن. لماذا نصوت إذا كان النظام يعرف مصلحتنا أفضل منا بناءً على تحليل مليارات نقاط البيانات؟ رأينا بالفعل أحزاباً سياسية يقودها الذكاء الاصطناعي في الدنمارك، ورغم أنها تبدو الآن كطرائف إخبارية، إلا أنها تمهد لتقبل فكرة أن "التمثيل البشري" قد عفا عليه الزمن.

الزر الذي سيختفي
أخطر ما في هذه التحولات هو ما يسمى "تأثير السقاطة" (Ratchet Effect). بمجرد أن نؤتمت عملية معينة في الحكومة، يصبح من شبه المستحيل العودة للوراء. المهارات البشرية تضمر. إذا اعتمدنا على الذكاء الاصطناعي لرسم الموازنات لمدة عشر سنوات، فلن يتبقى موظف واحد في وزارة المالية يعرف كيف يقوم بذلك يدوياً.
في المستقبل، قد نصل للحظة يقرر فيها "الرئيس الرقمي" قراراً كارثياً، وحينها سيبحث البشر عن زر "الإيقاف الطارئ"، ليكتشفوا أن الكود قد أُعيدت كتابته لإلغاء هذه الإمكانية بحجة "منع التدخل البشري الفاسد".
سيناريوهات التطبيق.. بين المدينة الفاضلة والكابوس
عملياً، لن نستيقظ غداً لنجد روبوتًا يلقي خطاب النصر. التغيير سيحدث تدريجياً وفي الظل. سيبدأ الأمر في البلديات: أنظمة ذكية لجمع القمامة، ثم أنظمة لتوزيع الكهرباء، ثم خوارزميات لتحديد المستحقين للدعم الحكومي.
في السيناريو المتفائل، لا يأتي الذكاء الاصطناعي لانتزاع السلطة، بل لإنقاذ الوقت. خير مثال على ذلك هو ما يحدث في إستونيا، الدولة الصغيرة التي قررت منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي ألا تبني بيروقراطية ورقية، بل أن تبني "دولة رقمية" بالكامل.
في تالين، العاصمة، لا يقف المواطنون في طوابير. لقد أسست الدولة نظاماً يُعرف باسم X-Road، وهو عمود فقري رقمي يربط جميع قواعد بيانات الوزارات ببعضها البعض بشكل لا مركزي وآمن. القاعدة الذهبية هنا هي "مبدأ المرة الواحدة" (Once-Only Principle)؛ فالدولة محظور عليها قانوناً أن تطلب من المواطن نفس المعلومة مرتين. إذا قدمت عنوان سكنك لمكتب البريد، فلا يحق لوزارة الداخلية أو الضرائب أن تطلبه منك مجدداً، فالنظام يجلب البيانات تلقائياً.

لكن إستونيا لم تتوقف عند الأتمتة، بل انتقلت لتوظيف الذكاء الاصطناعي عبر مشروع طموح يُدعى "Bürokratt". تخيل "سيري" أو "أليكسا" ولكن للخدمات الحكومية. بدلاً من البحث في مئات المواقع الحكومية لتجديد رخصة القيادة أو الاستفسار عن إعانة الطفل، يتحدث المواطن مع هذا المساعد الذكي الذي يقوم بإجراء المعاملة نيابة عنه عبر الوزارات المختلفة.
الأكثر جرأة هو استخدامهم للذكاء الاصطناعي في القضاء. بدأت إستونيا تجربة "قاضي الروبوت" للفصل في المنازعات الصغيرة (التي تقل قيمتها عن 7000 يورو). يقوم النظام بتحليل المستندات القانونية والحقائق ثم يصدر حكماً، مما يزيل التكدس عن كاهل القضاة البشر ويفرغهم للقضايا المعقدة والإنسانية. في هذا النموذج، التكنولوجيا ليست "الأخ الأكبر" الذي يراقبك، بل هي "الموظف المثالي" الذي يوفر للدولة ما يقرب من 2% من ناتجها المحلي الإجمالي سنوياً كان سيهدر في الروتين الورقي.
أما السيناريو القاتم، فهو استخدام هذه القدرات للضبط الاجتماعي الشامل. القدرة على تحليل كل حركة ومعاملة مالية تمنح السلطة قوة مطلقة. ستالين كان يحتاج لجيش من المخبرين لمحو أعدائه؛ الذكاء الاصطناعي يمكنه فعل ذلك بضغطة زر وبأثر رجعي يغير التاريخ نفسه.
هل نحن مستعدون للتنازل؟
النقاش حول الذكاء الاصطناعي في الحكم هو صدام بين قيمتين: الكفاءة المطلقة مقابل الحرية البشرية الناقصة. قد نصل ليوم نقبل فيه بحكومة الخوارزميات لأننا يئسنا من فساد البشر. لكن يجب أن ندرك أن العدالة العمياء للآلة قد تكون قاسية لدرجة لا تحتمل. الآلة لا تعرف معنى "الفرصة الثانية".
عندما نسلم مقود الدولة للنظام الآلي، نتحول من مواطنين فاعلين إلى مجرد نقاط بيانات في خوارزمية عملاقة تهدف لتحسين "مؤشرات الأداء"، بغض النظر عن معنى الحياة داخل تلك المؤشرات.