حكاوي رمضان| الذكاء الاصطناعي ورحلة المئة عام!
تجلس على حاسوبك أو على هاتفك من على أريكتك، تفتح تطبيق "ChatGPT" وتطلب منه شرح مفهوم عشوائي لم تكن لتفهمه إلا بالبحث لساعات في أرجاء منتديات الإنترنت.
تحصل على رد فوري مخصص لك واضعًا في الحسبان معلوماتك السابقة وتفضيلاتك الشخصية، يشرح لك البوت كل ما تريد ويفعل المهمات الصعبة والروتينية في العمل بدلًا عنك بلا كلل أو ملل.
ولكن، كيف وصلنا إلى هنا؟ ماهي بدايات الذكاء الاصطناعي وكيف تغير وتطور على مدار العقود الماضية حتى وصلنا لمرحلة نتسائل فيها حقًا، هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ وهل ستسيطر الروبوتات المتطورة على العالم؟
1920: البدايات مع الروبوتات
لم يكن أول من ابتكر كلمة روبوت عالمًا أو مهندسًا يعمل على تقنيات متطورة، ولكن كان كاتبًا مسرحيًا يدعى اسمه كارل تشيبيك، حيث كتب عام 1920 - أي قبل أكثر من 100 عام- مسرحية بعنوان R.U.R تصور فيها مصانع تُنتج عمالًا اصطناعيين للقيام بالأعمال الشاقة، وأطلق عليهم اسم "Roboti" بالتشيكية، ومنها جاءت كلمة Robot.

لم يكن كارل متفائلًا بما اخترع في خياله، فمسرحيته تنتهي بثورة الروبوتات على البشر وفنائهم، للمفارقة هذا هو نفس الهاجس الذي أعادت السينما إنتاجه مرارًا حتى اليوم في أفلام مثل Terminator و Ex Machina و Her الذي عقد الكثيرون مقارنات بينه وبين أشياء مثل الصديقة الافتراضية على Grok!
بعد سبع سنوات فقط في 1927، أخرج فريتز لانج فيلم Metropolis الذي قدم للعالم فيه "ماريا" أول روبوت أنثى في تاريخ السينما، وهو فيلم يصعب تصديق أنه صنع قبل قرن من الزمن حين ترى تصميمه البصري.

اقرأ أيضًا: الروبوتات من قصص الخيال العلمي إلى واقع يصنع المستقبل!
1950: هل يمكن للآلة أن تفكر؟
نتنقل إلى البدايات الفعلية وليس الخيال والأفلام، في عام 1950 كتب عالم الحاسوب الشهير آلان تورنج ورقة بحثية بعنوان Computing Machinery and Intelligence بدت في ذلك الوقت أقرب إلى الفلسفة منها إلى العلم، طرح فيها سؤالًا بسيطًا: "هل يمكن للآلات أن تفكر؟"

ولأن الإجابة المباشرة كانت مستحيلة، اقترح تورينج اختبارًا بديلًا عرف لاحقًا باسم اختبار تورينج وهو: إذا تحدث إنسان مع آلة ولم يستطع التمييز بينها وبين إنسان آخر، إذن فالآلة تفكر.
عبقرية هذا الاختبار أنه بسط السؤال الأصعب وهو "هل يمكن للآلة أن تفكر؟" إلى سؤال آخر يمكن الإجابة عنه.
بعدها في عام 1956، أي بعد وفاة تورنج بسنتين، جمع عالم اسمه جون مكارثي في كلية دارتموث بأمريكا مجموعة من العلماء لهدف بسيط: دراسة فكرة أن كل جانب من جوانب التعلم يمكن وصفه بدقة كافية لصنع آلة تحاكيه.
هناك في جامعة دارتموث، خرج مصطلح الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence لأول مرة، ويعتبر الكثيرون هذه هي اللحظة التي ولد فيها مجال الذكاء الاصطناعي.

لكن الأمور لم تسِر بسلاسة. جاءت عقود يصفها الباحثون بـ"الشتاء الأول والثاني للذكاء الاصطناعي"، فترات انكمشت فيها التمويلات وخابت فيها الآمال حين لم تحقق الوعود الكبيرة للذكاء الاصطناعي.
اقرا أيضًا: رحلة السيارات ذاتية القيادة: من محض جنون إلى أرض الواقع 🚗
1966: الشتاء الأول
في عام 1966، نشر تقرير من اللجنة الاستشارية للمعالجة التلقائية للغة ALPAC، وهي لجنة من الحكومة الأمريكية مختصة بتقييم التطورات في معالجة اللغة خلال فترة الحرب الباردة، حيث كانت الحكومة تنفق المال لإنشاء نظام ترجمة آلي من الروسية للإنجليزية.
نتائج تقرير الـ ALPAC عن برامج الترجمة الآلية كانت الآتي: التكلفة أغلى والدقة أقل والسرعة أبطأ من الترجمة البشرية، ما أدى لإنقطاع التمويل الحكومي لتلك المشاريع بعد إنفاق حوالي 20 مليون دولار في وقتها.
تعد هذه اللحظة بداية الشتاء الأول للذكاء الاصطناعي.
1987: الشتاء الثاني
تعلم الباحثون من الشتاء الأول درسًا: بدلًا من تطوير آلة تفهم كل شيء، ابتكروا ما يسمى بالأنظمة الخبيرة "expert systems" وهي برامج متخصصة في مجال واحد فقط، تستند إلى قواعد يضعها خبراء بشريون من أمثال: "إذا كانت الحرارة فوق 38 والسعال مستمرًا فاقترح الفحص الفلاني."
بدت فكرة رائعة، وانتشرت الأنظمة الخبيرة في الشركات الكبرى والمستشفيات والبنوك، واستثمرت فيها مئات الملايين، وتم إنتاج حواسيب مخصصة لها عرفت بـ LISP machines.

لكن كان هناك مشكلة بسيطة صغيرة، كل تحديث في المعرفة يستلزم العودة إلى الخبراء البشريين وتعديل القواعد يدويًا، ودفع تكاليف باهظة، وهناك مشكلة أخرى وهي أن هذه الأنظمة لا تفقه أي شيء على الإطلاق خارج حدود معرفتها والقواعد التي لديها.
أدى ذلك لانهيار شركة Lisp Machines عام 1987 ووجدت شركات عديدة نفسها أمام أنظمة خبيرة لا تعمل كما هو المطلوب، بدأت موجة تشكيك جديدة. وفي غضون سنوات قليلة، تبخرت مليارات الدولارات من التمويل مرة أخرى.
1997: صدمة Deep Blue
بعد شتاء الذكاء الاصطناعي، حدث شيء هز العالم في 1997، حاسوب IBM باسم Deep Blue هزم بطل العالم في الشطرنج وقتها غاري كاسباروف في مباراة رسمية.
كان الشطرنج يعتبر تاجًا للذكاء الإنساني، لعبة استراتيجية تتطلب حدسًا وتفكيرًا عميقا، والآن فاز حاسوب على بشري فيها، حتى إن كاسباروف اتهم IBM بالغش في حينه وطلب مراجعة سجلات الكمبيوتر، ولكنه كان مخطئًا، الحاسوب لم يكن فيه أي تلاعب، وغاري هزم بالفعل.

الآلة ربحت، لكن الأهم هو أنها ربحت بطريقة "غير ذكية"، لأنها تحسب ملايين الاحتمالات في الثانية بدلًا من أن "تفكر" أو تتعلم أنماط جديدة ومختلفة.
2012: شرارة التعلم العميق
عام 2012، حين قدم فريق بحثي من جامعة تورنتو بقيادة جيفري هينتون نموذجًا اسمه AlexNet والذي أعطى أداء لم يسبق في التعرف على الصور، حيث كانت نسبة الخطأ 15% فقط! وهو أقل بـ 10% كاملة من أفضل نموذج آخر موجود.

السر كان في استخدام تقنية التعلم العميق Deep Learning، وهي تقنية ليست جديدة نظريًا، لكنها صارت ممكنة عمليًا بفضل قوة الحوسبة المتاحة وكميات البيانات الهائلة التي أنتجها الإنترنت، حيث اعتمد الفريق على قاعدة بيانات ImageNet التي شملت أكثر من مليون صورة مصنفة!
2017: الانتباه!
عام 2017 جاءت الورقة البحثية الأهم في العقد الأخير بعنوان "Attention Is All You Need" من فريق جوجل DeepMind، والتي قدمت بنية المحوّل (Transformer) وهي ببساطة حجر الأساس لجميع النماذج اللغوية الكبيرة LLMs مثل GPT وجيميناي وغيرها.
2022: شات جي بي تي
في 30 نوفمبر 2022، أطلقت OpenAI رسميًا بوت الدردشة ChatGPT بشكل تجريبي محدود، ولكن سرعان ما انتشر كالنار في الهشيم، حيث وصل إلى مليون مستخدم خلال خمسة أيام فقط، وهو رقم استغرق فيسبوك عشرة أشهر لبلوغه.

لم يكن ChatGPT جديدًا من الناحية التقنية البحتة، فـGPT-3 كان موجودًا من 2020، لكن الجديد كان جعل الوصول إليه سهلًا لأي شخص عبر واجهة محادثة مألوفة، ومن هنا بدأ عصر آخر للذكاء الاصطناعي هو الذي نعيشه حاليًا.
2025: الوكلاء
مؤخرًا رأينا توجها كبيرًا من الشركات نحو فكرة وكلاء الذكاء الاصطناعي AI Agents التي تعمل بمبدأ مختلف كليًا: أنت تعطيهم هدفًا لا سؤالًا، وهم يُفككون هذا الهدف إلى مهام، يخططون للخطوات، يستخدمون أدوات خارجية (كالبحث على الإنترنت وكتابة الكود وقراءة الملفات وإرسال الإيميلات)، ويتعاملون مع نتائج كل خطوة قبل الانتقال للتالية.
وقد رأينا مؤخرًا وكيل OpenClaw والضجة الهائلة التي حدثت بسببه وبسبب قدراته، حتى أن ميتا استحوذت على منصة تواصل اجتماعي للـ AI Agents رسميًا.
أين نحن الآن وكيف يبدو المستقبل
هناك ما يعرف بـ innovation s curve وهو رسم بياني يصف ظهور التقنيات الجديدة وتطورها.

يبدأ المنحنى بظهور التقنية، في البداية تكون قدارتها ضعيفة وتكون غير معروفة إلا للباحثين والمتخصصين، مع الوقت يحدث تطور بمعدل سريع وهائل في قدرات التقنية ومعرفة الناس بها، حتى نصل لنقطة الإنقلاب "Inflection point" التي يبدأ معدل التطور بعدها في النقصان، ومعدل النضج يزداد، ويصبح أغلب الناس معتمدين على تلك التقنية.
فكر في الهواتف الذكية على سبيل المثال، في البدايات كانت لا تستطيع فعل الكثير ولم يكن عدد من يحملها كبيرًا، مع الوقت شهدنا فترة من التطور، نرى كل عام منافسة قوية بين الشركات وابتكارات كثيرة، ومؤخرًا أصبحنا لا نكاد نجد فرقًا بين هاتف هذا العام والعام الماضي.
في نظري، نحن مررنا بنقطة الانقلاب للذكاء الاصطناعي، أو قريبون جدًا منها، فالتطورات في النماذج أصبحت طفيفة مقارنة بالماضي، ولكني أظن أن تطور النماذج اللغوية سيصبح محدودًا من الآن فصاعدًا، وستصبح التكلفة أقل.
ولكن من الجهة الأخرى، وصولنا لتلك النقطة يعني أننا سنبدأ في رؤية المزيد من التطبيقات المفيدة فعلًا للذكاء الاصطناعي في حياة الناس وليس ملخصات -طويلة- لا فائدة منها.
?xml>