في ثلاثينيات القرن الماضي كانت مدينة Daegu الكورية هادئة إلى حد بعيد، شوارعها تعج بالتجار الصغار وروائح الأسواق التقليدية. في أحد تلك الأزقة، بدأ رجل أعمال كوري طموح اسمه Lee Byung‑chul مشروعه المتواضع عام 1938. لم يكن المشروع أكثر من شركة تجارة صغيرة يعمل فيها 40 موظفًا، تتعامل في تصدير السمك المجفف والخضروات والنودلز إلى الصين. في ذلك الوقت لم يكن أحد يتخيل أن هذا النشاط البسيط سيصبح نواة واحدة من أعظم الإمبراطوريات الصناعية في العالم.

اختار المؤسس اسم Samsung الذي يعني ثلاث نجوم في اللغة الكورية، كان يرمز إلى القوة والعظمة والاستمرارية، وهي القيم التي أراد المؤسس أن تبني عليها الشركة مستقبلها. منذ البداية ارتبطت فكرة الشركة بحلم بناء مؤسسة قادرة على النمو مع الزمن وتوسيع نفوذها في اقتصاد كوريا الجنوبية الذي كان آنذاك في بدايات تشكله.

في هذا المقال نستعرض رحلة صعود سامسونج منذ تأسيسها في متجر صغير وحتى تحولها إلى واحدة من أعظم شركات التكنولوجيا في العالم.

مؤسس شركة سامسونج  Lee Byung‑chul - المصدر: business insider
مؤسس شركة سامسونج  Lee Byung‑chul - المصدر: business insider

الحرب الكورية وتحدي البقاء

مع نهاية الأربعينيات، اتخذ "Lee Byung-chul" خطوة استراتيجية بنقل مقر شركة Samsung إلى سيول عام 1947، حيث كانت العاصمة مركز النشاط الاقتصادي والتجاري في البلاد. في تلك الفترة توسعت أعمال الشركة بسرعة، وأصبحت ضمن أكبر شركات التجارة في كوريا الجنوبية بفضل شبكات التوريد والتصدير التي بناها المؤسس خلال سنوات قليلة.

غير أن اندلاع الحرب الكورية عام 1950 غير مسار كل شيء. مع دخول القوات الكورية الشمالية إلى العاصمة اضطر chul إلى مغادرة سيول بشكل عاجل ونقل نشاطه التجاري إلى مدينة Busan في الجنوب. هناك بدأت مرحلة صعبة من إعادة البناء وسط ظروف الحرب ونقص الموارد، غير أن هذه الأزمة تحولت لاحقًا إلى نقطة انطلاق جديدة للشركة، أصبحت لاحقًا نواة لتوسع صناعي كبير في السنوات التالية.

مؤسس شركة سامسونج  Lee Byung‑chul - المصدر: business insider
النتقال إلى Busan - المصدر: the investor

التحول إلى تكتل صناعي

مع انتهاء الحرب الكورية بدأت مرحلة جديدة في تاريخ Samsung، حيث قرر مؤسسها Lee Byung-chul تحويل الشركة من نشاط تجاري بسيط إلى مشروع صناعي واسع. كانت الخطوة الأولى عام 1953 مع تأسيس شركة Cheil Jedang لإنتاج السكر في مدينة Busan، وهو المشروع الذي مثل أول دخول حقيقي للشركة إلى عالم التصنيع في كوريا الجنوبية.

بعد ذلك بعام واحد توسعت الشركة مرة أخرى إلى قطاع النسيج من خلال تأسيس Cheil Industries عام 1954، حيث أنشأت أكبر مصنع للصوف في البلاد آنذاك، وهو مشروع لعب دورًا كبيرًا في دعم الصناعة الكورية في مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب. ومع مرور الوقت، بدأت Samsung تبني شبكة واسعة من الشركات التابعة في قطاعات مختلفة، شملت التأمين والبنوك والتجارة وتجارة التجزئة، إضافة إلى صناعات مثل الأسمنت والأسمدة وتكرير النفط.

هذا التوسع السريع حول Samsung خلال عقدين فقط إلى نموذج لما يعرف في كوريا الجنوبية باسم تشيبول، وهو نظام التكتلات العائلية العملاقة التي تقود قطاعات واسعة من الاقتصاد. ومن خلال هذه الاستراتيجية نجحت الشركة في بناء منظومة اقتصادية متكاملة تجمع بين التمويل والتصنيع والتجارة، وهي البنية التي مهدت الطريق لاحقًا لدخولها عالم التكنولوجيا والإلكترونيات.

مؤسس شركة سامسونج  Lee Byung‑chul - المصدر: business insider
الاتجاه إلى التصنيع - المصدر: gyan book

دخول Samsung عالم الإلكترونيات

في أواخر الستينيات، اتخذت Samsung خطوة غيرت مسارها الصناعي بالكامل عندما قررت دخول قطاع الإلكترونيات. في عام 1969 تأسست شركة Samsung Electronics لتكون الذراع التقنية للمجموعة، في البداية ركزت على تصنيع الأجهزة المنزلية والإلكترونيات الاستهلاكية التي بدأت تنتشر في المنازل الكورية آنذاك. أولى منتجات الشركة كانت أجهزة تلفاز أبيض وأسود، وخرج أول نموذج من خطوط الإنتاج عام 1970 بحجم 12 بوصة، وكان يعمل في الشركة وقتها نحو 45 موظفًا فقط.

سرعان ما تحولت هذه الخطوة إلى نقطة انطلاق حقيقية؛ فخلال السبعينيات توسعت Samsung Electronics في إنتاج الأجهزة المنزلية مثل الثلاجات والغسالات وأجهزة التكييف، كما بدأت تصدير منتجاتها إلى الأسواق الخارجية. ومع الوقت دخلت الشركة مجال أشباه الموصلات بعد استحواذها على حصة في Korea Semiconductor، وهو القرار الذي فتح الباب أمام تحولها إلى لاعب رئيسي في صناعة الشرائح الإلكترونية.

مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات بدأت أعمال التكنولوجيا داخل Samsung تنمو بسرعة كبيرة. فتأسست أقسام مستقلة لأشباه الموصلات والإلكترونيات المتقدمة، كما توسعت الشركة في مجالات الاتصالات والحوسبة والبحث والتطوير. هذه المرحلة وضعت الأساس للصناعات التي أصبحت لاحقًا قلب إمبراطورية Samsung التقنية، التي قادت الشركة في العقود التالية إلى موقعها بين أكبر شركات التكنولوجيا في العالم. 

سامسونج وبداية تصنيع أجهزة التلفاز والأجهزة المنزلية - المصدر: business outreach
سامسونج وبداية تصنيع أجهزة التلفاز والأجهزة المنزلية - المصدر: business outreach

عصر التحول العالمي

بعد وفاة مؤسس Samsung عام 1987 تولى ابنه Lee Kun-hee رئاسة المجموعة، لتبدأ مرحلة مختلفة في تاريخ الشركة. كان التحدي أمامه كبيرًا، فقد كانت Samsung شركة صناعية ناجحة داخل كوريا الجنوبية، غير أن حضورها العالمي ظل محدودًا مقارنة بشركات إلكترونيات رائدة مثل Sony. لذلك أطلق Kun-hee خطة تحول عميقة هدفت إلى إعادة تشكيل ثقافة الشركة بالكامل.

في عام 1993 أعلن Kun-hee ما عُرف لاحقًا باسم فلسفة الإدارة الجديدة خلال اجتماع مع كبار التنفيذيين في مدينة فرانكفورت. ركزت هذه الاستراتيجية على التحول من ثقافة الإنتاج الكمي إلى ثقافة الجودة والابتكار، مع إصلاحات إدارية واسعة شملت نظام العمل والتوظيف والبحث والتطوير. أصبح تحسين الجودة معيارًا مركزيًا داخل الشركة، حتى وصل الأمر إلى إتلاف منتجات معيبة أمام الموظفين لترسيخ ثقافة الجودة داخل المؤسسة.

هذه التحولات غيرت مسار Samsung خلال سنوات قليلة، حيث توسعت الشركة في الأسواق العالمية، واستثمرت بقوة في أشباه الموصلات والهواتف المحمولة والشاشات. ومع بداية القرن الحادي والعشرين تحولت Samsung إلى واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، وأصبحت منتجاتها تنافس بقوة في معظم قطاعات الإلكترونيات الاستهلاكية، وهو ما رسخ مكانتها كقوة صناعية عالمية تقود الابتكار في العديد من المجالات التقنية.

وفاة مؤسس Samsung عام 1987 تولى ابنه Lee Kun-hee رئاسة المجموعة - المصدر: business korea
وفاة مؤسس Samsung عام 1987، تولى ابنه Lee Kun-hee رئاسة المجموعة - المصدر: business korea

Samsung اليوم قوة تكنولوجية عالمية

تقف اليوم Samsung في مقدمة الشركات التقنية في العالم بعد رحلة توسع طويلة عبر عقود من الاستثمار في الصناعة والبحث والتطوير. أصبحت الشركة لاعبًا رئيسيًا في عدة قطاعات استراتيجية تشمل الهواتف الذكية، وشرائح الذاكرة وأشباه الموصلات، وصناعة الشاشات المتقدمة، إضافة إلى الأجهزة المنزلية الذكية. وتملك المجموعة أيضًا حضورًا مؤثرًا في مجالات الصناعات الثقيلة وبناء السفن والطاقة، وهو تنوع صناعي يعكس حجم الإمبراطورية الاقتصادية التي تشكلت حول اسم Samsung.

تُظهر الأرقام حجم الإمبراطورية التي بنتها Samsung خلال أقل من قرن. فقد سجلت شركة Samsung Electronics إيرادات سنوية بلغت نحو 333.6 تريليون وون كوري في عام 2025، وهو ما يعادل مئات المليارات من الدولارات، مع نمو سنوي تجاوز 10%.

كما يعمل في الشركة أكثر من 120 ألف موظف حول العالم، وتصل قيمتها السوقية إلى مئات المليارات، ما يضعها بين أكبر شركات التكنولوجيا في العالم. تمتلك Samsung أيضًا موقعًا قياديًا في عدة صناعات استراتيجية، خصوصًا شرائح الذاكرة التي تُعد فيها أكبر منتج عالمي، إضافة إلى ريادتها في سوق الشاشات والهواتف الذكية والأجهزة المنزلية الذكية.

التربع على عرش صناعة الأجهزة التكنولوجية في العالم - المصدر: vocal media

يتجاوز تأثير Samsung حاليًا حدود التكنولوجيا ليصل إلى بنية الاقتصاد في كوريا الجنوبية؛ فشركات المجموعة تُساهم بنسبة كبيرة في الصادرات الكورية، وهذا النفوذ الاقتصادي جعلها جزءًا أساسيًا من قصة النهضة الصناعية الكورية، حيث يرتبط اسمها بنجاح البلاد في التحول من اقتصاد نامِ إلى قوة صناعية متقدمة.

تكشف قصة Samsung كيف يمكن لشركة بدأت بتجارة المواد الغذائية في متجر صغير أن تتحول خلال عقود قليلة إلى إمبراطورية صناعية وتقنية تقود الابتكار بين الدول. رحلة مليئة بالقرارات الجريئة والاستثمارات طويلة المدى، صنعت اسمًا أصبح اليوم من أكثر العلامات التقنية تأثيرًا وانتشارًا في العالم.