في عالم التقنية، نادراً ما تعود العلاقات المقطوعة إلى سابق عهدها، خصوصاً إذا كان الطلاق مدوياً ومحرجاً علنياً كما حدث بين آبل وإنتل في 2020. حينها، وقف جوني سروجي، نائب رئيس شركة آبل لتقنيات الأجهزة، ليعلن للعالم أن شرائح إنتل لم تعد تليق بطموحات التفاحة، وأن معالجات M1 هي المستقبل مع أداء أسرع 3.5 مرات من معالجات إنتل وعمر بطارية أطول مرتين. بدت تلك اللحظة وكأنها رصاصة الرحمة في نعش هيمنة إنتل على الحواسيب الشخصية.

لكن، وبعد مرور ست سنوات، يبدو أن السيناريو ينقلب بطريقة درامية لا يكتبها إلا واقع الأسواق القاسي. التقارير الأخيرة من المحللين الموثوقين "جيف بو" من GF Securities و"مينغ-تشي كو" تشير إلى ما لا يمكن تصديقه: آبل تستعد للعودة إلى أحضان إنتل. ليس لشراء معالجاتها، بل لاستئجار مصانعها.

  • تقارير من محللي سلسلة التوريد تؤكد عودة آبل للتعاون مع إنتل لتصنيع شرائح A-Series و M-Series بدءاً من 2027.
  • الهدف ليس تقنيات إنتل القديمة، بل استغلال مصانعها (Foundry) لإنتاج تصاميم آبل الخاصة.
  • صعود إنفيديا كعميل رقم 1 لدى TSMC أجبر تيم كوك على البحث عن "خطة بديلة" لتأمين الإمدادات.
  • الصفقة تمثل طوق نجاة لمشروع "إنتل 2.0" وتوافقاً مع التوجهات السياسية الأمريكية لتوطين الصناعة.

هذا التحول ليس مجرد خبر تقني عابر؛ إنه إعلان صريح عن تغير موازين القوى في وادي السيليكون. نحن أمام قصة تتشابك فيها الغطرسة التقنية مع الضرورات الجيوسياسية، والرعب من "تنين" الذكاء الاصطناعي الذي يلتهم الأخضر واليابس في مصانع تايوان.

شبح إنفيديا.. المحرك الخفي للصفقة

لنفهم لماذا قد تتنازل آبل عن كبريائها، يجب أن ننظر إلى الأرقام. لسنوات طويلة، كانت آبل هي "العميل المدلل" لدى شركة TSMC التايوانية. كانت تحجز السعة الإنتاجية لأحدث دقة تصنيع (Node) بالكامل تقريباً قبل عام من طرحها، مما يترك الفتات للمنافسين. دفعت آبل مليارات الدولارات لتمويل خطوط إنتاج TSMC، فنمت إنفاقاتها السنوية من 2 مليار دولار في 2014 إلى 24 مليار دولار في 2025، مقابل ضمان التفوق التقني المطلق.

لكن المعادلة تغيرت. دخل "الغول" المسمى إنفيديا إلى الغرفة.

مع انفجار ثورة الذكاء الاصطناعي، باتت إنفيديا تطلب رقائق الخوادم بكميات جنونية وبأي سعر، حتى تجاوزت آبل كأكبر عميل لـ TSMC. تشير بيانات TSMC إلى أن إنفيديا ستحتفظ بحوالي 20% من إيرادات TSMC في 2026، مقابل 16% فقط لآبل. هذا يعني شيئاً واحداً مرعباً لتيم كوك: آبل لم تعد تملك "حق الفيتو" على خطوط الإنتاج.

الأرقام المرعبة لآبل:

  • حصة آبل من N2 انخفضت إلى 48% فقط (المرة الأولى منذ عقد لا تسيطر فيها على الغالبية)
  • رقائق N2 أصبحت أغلى 50% من N3
  • رئيس TSMC التنفيذي CC Wei شخصياً زار آبل وأخبرتها بـ "أكبر زيادة أسعار في السنوات الأخيرة"
  • إنفيديا ستستهلك أكثر من آبل من رقائق N3 بحلول Q4 2027

أي تأخير في التوريد أو نقص في الكميات يعني خسائر بالمليارات. هنا، وفقط هنا، يصبح "الشيطان" الذي تعرفه (إنتل) أفضل من المجهول الذي ينتظرك في طوابير الانتظار خلف إنفيديا.

إنتل 18A.. هل هي القفزة التي تحتاجها آبل؟

العودة إلى إنتل ليست عودة لتقنيات x86 القديمة والمستهلكة للطاقة. الصفقة تتعلق حصراً بقطاع "إنتل للمسابك" (Intel Foundry Services - IFS). راهن "بات جيلسنجر"، الرئيس التنفيذي لإنتل السابق، بمستقبل الشركة بالكامل على تقنيات التصنيع الجديدة: 18A و 14A.

بات جيلسنجر مُمسكًا ب 18A في 2022

تقنياً، تعد إنتل بتقديم ما عجزت عنه لسنوات. عملية التصنيع 18A (التي تكافئ 1.8 نانومتر) تقدم تقنية "PowerVia"، وهي طريقة ثورية لتوصيل الطاقة من الجهة الخلفية للشريحة (Backside Power Delivery). هذه التقنية تحل واحدة من أكبر مشاكل التصنيع الحديث: ازدحام الأسلاك. فصل أسلاك الطاقة عن أسلاك نقل البيانات يسمح بكفاءة طاقة أعلى وسرعات أكبر، وهو بالضبط ما تبحث عنه آبل للحفاظ على تفوقها في عمر البطارية والأداء مقابل الواط.

مواصفات Intel 18A:


  • RibbonFET (نوع جديد من الترانزستورات)
  • PowerVia: كثافة ترانزستور أعلى 10%، وفقدان طاقة أقل
  • أداء أعلى 15% لكل واط من الطاقة
  • كثافة أعلى 30% مقارنة بالعمليات السابقة

التقارير تشير إلى أن آبل وقعت بالفعل اتفاقيات سرية (NDA) وتسلمت أدوات التصميم (PDK) لعملية 18A. الخطة المبدئية تتحدث عن إنتاج شرائح M-series للفئات الابتدائية (ربما M6 أو M7 لأجهزة iPad و MacBook Air) بحلول منتصف 2027، تليها الخطوة الأجرأ، وهي تصنيع شرائح A-series لبعض موديلات الآيفون (iPhone 20 و 20e) باستخدام دقة 14A في عام 2028.

السياسة كأداة ضغط.. "صنع في أمريكا"

لا يمكننا قراءة هذا المشهد بمعزل عن البيت الأبيض. مع دعم الحكومة الأمريكية الضخم عبر قانون CHIPS بمليارات الدولارات، تجد آبل نفسها في موقف حرج. اعتمادها الكلي على تايوان (TSMC) يمثل "كابوساً للأمن القومي" في نظر واشنطن، وخطراً استراتيجياً في حال حدوث أي توتر في مضيق تايوان.

التحالف مع إنتل يضرب عصفورين بحجر واحد. أولاً، يمنح آبل ورقة سياسية رابحة: "نحن نصنع عقل الآيفون في أوهايو وأريزونا". هذا يحمي الشركة من أي تعريفات جمركية انتقامية قد تفرضها الإدارات الأمريكية على المنتجات المستوردة بالكامل. ثانياً، يوفر لآبل تنوعاً جغرافياً حقيقياً بعيداً عن "منطقة الخطر" الآسيوية.

مصانع إنتل في أوهايو وآريزونا

إنتل، المستفيد الأكبر من قانون "CHIPS Act" والدعم الحكومي بـ 7.86 مليار دولار في تمويل مباشر و 11 مليار دولار في قروض، تحتاج بشدة لعميل بحجم آبل لإثبات أن مصانعها الجديدة ليست "فيلة بيضاء" خاوية. وجود آبل كعميل رئيسي يعطي مصداقية فورية لمسابك إنتل أمام العالم، ويبرر المليارات التي ضختها الحكومة الأمريكية فيها.

اقتصاديات الابتزاز المشروع

من منظور اقتصادي بحت، تيم كوك هو أستاذ في إدارة سلاسل التوريد. فلسفته دائماً:

"لا تضع بيضك في سلة واحدة، واجعل الموردين يتقاتلون عليك".

لسنوات، كانت TSMC تحتكر تصنيع شرائح آبل، مما أعطاها قوة تسعيرية هائلة. بدأت TSMC ترفع الأسعار بانتظام (بنسبة 50% لرقائق N2)، وآبل تدفع وهي صاغرة لعدم وجود بديل يضاهي الجودة. دخول إنتل كـ "مصدر ثانٍ" (Second Source) هو تكتيك تفاوضي كلاسيكي. حتى لو كانت حصة إنتل صغيرة في البداية (موديلات الآيفون غير الاحترافية، أجهزة الآيباد)، فإن مجرد وجودها يجبر TSMC على إعادة التفكير في تسعيرها لآبل للحفاظ على حصتها.

التقديرات تشير إلى أن آبل قد توفر مليارات الدولارات على المدى الطويل إذا نجحت في خلق منافسة حقيقية بين TSMC وإنتل.هذا التوفير ضروري للحفاظ على هوامش الربح المرتفعة للآيفون، في وقت تتزايد فيه تكلفة المكونات الأخرى مثل الذاكرة والشاشات.

هل تكرر إنتل خطايا الماضي؟

السؤال الذي يؤرق مهندسي آبل في "كوبرتينو" الآن هو هل يمكن الوثوق بإنتل؟ تاريخ إنتل في العقد الأخير مليء بالوعود الكاذبة والتأخيرات القاتلة. تأخرت في دقة 10 نانومتر لسنوات، وتأخرت في 7 نانومتر، وفقدت ريادتها لصالح TSMC وسامسونج.

تسليم عقل الآيفون لشركة تعثرت مراراً هو مقامرة ضخمة. لذلك، تشير التسريبات إلى أن آبل تتبع سياسة "الخطوات الصغيرة". البدء بشرائح الأجهزة الأقل حساسية (iPad Air, MacBook Air) في 2027 يسمح باختبار قدرات إنتل الحقيقية دون تعريض جوهرة التاج (iPhone Pro) للخطر. إذا فشلت إنتل في تحقيق معدلات الإنتاج (Yield Rates) المطلوبة، أو إذا كانت الكفاءة الحرارية أقل من المتوقع، ستكون الخسائر محدودة ويمكن تعويضها عبر TSMC.

معضلة الجودة:

معدلات إنتاج 18A الحالية تتجاوز 60%، وهو رقم مبشر ولكنه لا يزال بعيداً عن معايير الكمال التي تطلبها آبل. الاختبار الحقيقي سيكون في القدرة على الإنتاج الضخم بالملايين دون عيوب، وهو فن أتقنته TSMC وتكافح إنتل لاستعادته.

نهاية عصر القطب الواحد

نحن نشهد نهاية حقبة الاحتكار التايواني" لسيليكون آبل. هذا التحول لا يعني التخلي عن TSMC؛ فالشركة التايوانية ستظل الشريك الأساسي للأجهزة الأقوى (Pro/Max/Ultra) لسنوات قادمة. لكنه يعني أن آبل قررت بناء جدار حماية.

هذه الصفقة، إن تمت، ستكون بمثابة قبلة الحياة لإنتل، وصفعة تنبيه لـ TSMC، وانتصار سياسي لواشنطن والحكومات الداعمة لتوطين الصناعة. بالنسبة للمستخدم، قد لا تشعر بالفرق؛ فالشريحة ستظل تحمل شعار التفاحة وتصميم آبل، سواء خرجت من مصنع في "هسينشو" أو "أريزونا". لكن خلف الكواليس، ستكون هذه الرقاقة دليلاً على أن آبل، في سعيها للبقاء على القمة، مستعدة للتحالف حتى مع أشباح ماضيها.

هل تتوقع أن تنجح إنتل في تلبية معايير الجودة الصارمة لآبل، أم سنشهد فصلاً جديداً من خيبات الأمل التقنية؟