الرئيسية المقالات

لماذا تتجه الألعاب مؤخراً إلى الأفكار المثيرة للجدل والفلسفية؟

أين ذهبت ألعاب الفانتازيا البسيطة التي كانت تحاول امتاعك وإبهارك بشكل بسيط بدون أي أجندات؟

حتى الآن عام 2020 مثير جداً للجدل بالنسبة لصناعة الألعاب فمثلاً رأينا لعبة The Last of Us Part II والتي جاءت لتثير الجدل بكل ما تحمله الكلمة من معنى بسبب فكرة المثلية الجنسية المقدمة داخلها بشكل فج تماماً.

في الحقيقة الألعاب في الأونة الأخيرة تتجه نحو طريقة سرد أكثر عمقاً أو فلسفية ولنأخذ علم 2019 على سبيل المثال حيث رأينا لعبة Death Stranding ولعبة Control وكل لعبة منهم حاولت تقديم فكرة جديدة أو فلسفية إلى حد ما.

المزيد من الأفكار السياسية والفلسفية تستمر معنا خلال العام الجاري مع لعبة Watch Dogs Legion التي تدور أحداثها حول ثورة شعبية ضد السلطة الحاكمة في مدينة لندن.

أيضاً لعبة Cyberpunk 2077 تأتي هي الأخرى بالعديد من الأفكار الفلسفية العميقة بداية من رسم العالم الخاص باللعبة المبني على فكرة الديستوبيا، كذلك اللعبة تحتوي على العديد من الاجندات الاخرى ويوجد بها كل مشاكل لعبة The Last of Us Part 2 بل وبشكل أكثر فجاجة في اعتقادي حيث يمكن لكل لاعب إنشاء شخصيته المثلية أو حتى شخصية مخنسة.

الغريب في الأمر أن الألعاب العادية بدأت في الاختفاء تقريباً، العام الجاري يمكننا عد الألعاب التي تمتلك تجربة قصصية عادية على الأصبع تقريباً، أما بالنسبة لعام 2019 فلا أتذكر أي ألعاب عادية القصة سوى Star Wars Jedi Fallen Order وباقي الألعاب جميعها كانت تمتلك قصص عميقة أو فلسفية حتى لعبة A Plague Tale Innocence لا يمكننا أن نعتبر قصتها عادية.

في الماضي كانت قصص الألعاب أكثر بساطة ولا يوجد بها أي رسائل سياسية أو توجهات وأجندات، نتحدث عن بطل يسعى خلف كنز أو يحاول تدمير عصابة أو حتى يحاول الانتقام لأسرته التي قُتلت مثل لعبة Max payne.

أيضاً كان يوجد العديد من الألعاب الخيالية مثل Devil May Cry أو لعبة God Of War أو عالم Warcraft عموماً، وعلى الرغم من خيالية هذه الألعاب وتطرف فكرتها إلى حد كبير إلا أنها حافظت على نفس درجة البساطة في الطرح والتوجه فهي ألعاب تمتلك قصص خيالية أو فانتازيا فقط ولا تقدم أي أجندات سياسية أو أفكار فلسفية.

نحن هنا لا نقول أن ألعاب الماضي كانت بسيطة أو سهلة لا تحتوي على قصة جيدة، بالعكس ألعاب الماضي كانت تمتلك القصة الافضل بلا منازع، ولكن نحن نتحدث فقط عن التوجه السياسي والفلسفي الموجود حالياً في عالم الألعاب فما هي الأسباب التي أدت إلى هذا التوجه؟

التقدم التكنولوجي الموجود في الألعاب.

لعب التقدم التكنولوجي دور كبير جداً في ظهور هذه الأفكار الغريبة إلى حد ما، في الماضي كانت التقنيات الموجودة محدودة جداً ولا يمكن بأي شكل من الأشكال تقديم المشاهد الساخنة التي نراها في الوقت الحالي.

تخيل معي عزيزي القارئ شخصية مثل لارا كروفت في الماضي وهي تقوم بمشهد جنسي، الأمر سيكون مضحك جداً خصوصاً وأن الشخصية مثلثة الشكل تقريباً.

في المثال السابق نجد أن التقنية المتاحة في الماضي لن تمكن المطور من تقديم وجهة نظهره بأي شكل من الأشكال، حتى ألعاب الجيل الماضي التي تعتبر حديثة نسبياً لا يمكنها تقديم مشاهد حميمية جيدة، لاحظ ألعاب هذه الفترة وهي تقدم مشاهد حميمية قليلاً مثل القبلة ستجد أن المشهد غير طبيعي وتعبيرات الوجه ميته تماماً.

الآن نحن على أعتاب جيل جديد والجيل الحالي في ذروة تقدمه ونرى أن تعبيرات الوجه أصبحت طبيعية جداً ويمكنها إيصال الفكرة التي يريدها المطور.

لعبة Death Stranding كانت تحتوي على أداء تمثيلي وتعبيرات وجه هي الأفضل بلا منازع خلال العام الماضي وهذه التعبيرات مكنت مخرج اللعبة hideo Kojima من إيصال وجهة نظره وفكرته إلى اللاعب.

سهولة الوصول والحاجة إلى الإبهار.

نحن نعيش عصر سهولة الوصول، إذا كنت تريد قراء أي كتاب من أي دولة في العالم يمكنك بكبسة زر الحصول عليه، إذا أردت مشاهدة فيلم جديد يمكنك في اليوم الواحد مشاهدة عشرات الأفلام بكل سهولة وبدون تكلفة تقريباً.

للأسف قد يظن البعض أن سهولة الوصول أمر جيد أو ميزة من مميزات العصر الذي نعيشه، لكن في حقيقة الأمر سهولة الوصول أسوأ شيئ حدث على الكرة الأرضية في وجهة نظري.

بسبب سهولة الوصول أختلف الذوق العام تقريباً وأصبح كل شخص قادر على الاطلاع بسهولة على باقي المنتجات من جميع بقاع العالم بمختلف الثقافات والتقنيات والإمكانيات المالية.

أيضاً كمية المعروض وكثافة الكم المُتبقي رفع جداً من سقف التوقعات عند كل شخص وأصبح من الصعب إرضاءه لأنه بالفعل تشبع بهذا النوع من الفنون، على سبيل المثال تابع أفلام مارفل التي أصبحت تتجه في الآونة الأخيرة إلى انتاجات ضخمة جداً بها كل الأبطال تقريباً مع نهايات صادمة وغير متوقعه وهذا بسبب نفاذ الافكار التقليدية تقريباً وحتى إن لم تنفذ الأفكار الجديدة إلا أن الأمر أصبح معتاد وغير جديد بالنسبة للمشاهد.

نفس الأمر مع الألعاب، نحن نعيش الآن عصر السهولة يمكنك الحصول على الكثير من الألعاب بسهولة تامة وأصلاً المعروض أصبح كثير جداً وسنوياً يجب كل لاعب منا عدد ضخم من العناوين لم نكن نجربه بأي شكل من الأشكال في الماضي.

هنا يجد المطور نفسه في وضع حرج فهو لا يستطيع تقديم فكرة عادية بل يحتاج لقصة جديدة وغير مستخدمة لكي يتمكن من جذب أكبر شريحة من اللاعبين.

لذلك نجد أن المطور قد يلجأ لأفكار فلسفية عميقة إلى حد كبير مثل لعبة Control أو لعبة Death Stranding أو قد يلجأ إلى أفكار تثير الجدل والنقاش مثل The Last of Us II أو حتى Cyberpunk 2077.

الآن قد يعتقد البعض أن هذه الألعاب الكبيرة لا تحتاج أصلاً إلى هذا الأسلوب لكي تنتشر فهي معروفة بالفعل، ولكن هل تعلم حجم المقالات والأخبار التي تم كتابتها حول الاختيارات الجنسية في لعبة Cyberpunk؟

العدد مهول وضخم جداً وقد يتخطى المقالات التي تم كتابتها عن الأسلحة أو الشخصيات في اللعبة، هذا الجدل والانتشار الكبير في مصلحة اللعبة فقط حتى وإن كان الجدل في صورة انتقادات.

العالم بعد وسائل التواصل الاجتماعي.

لا يمكن أن ننكر ان العالم اختلف تماماً بعد اكتشاف وسائل التواصل الاجتماعي، قبل وسائل التواصل الاجتماعي كان العالم منعزل جداً حتى وإن كنت بنفسك تحاول الاطلاع على ثقافات جديدة او الاختلاط مع دول أخرى إلا أن هذا السلوك كان محدود جداً وشخصي.

أما بعد وسائل التواصل أصبح الجميع دولة واحدة وانفتحت المجتمعات والثقافات، الكثير من المعتقدات عن حضارات ودول أخرى تغيرت تماماً بفضل وسائل التواصل الاجتماعي.

بالطبع مع انتشار هذه الوسائل انتشرت مختلف الحركات الحقوقية والتعبيرية، أصبحنا نسمع عن الحركات النسوية أو حركات المثلية الجنسية أو حتى حركات التحرر والدفاع عن أصحاب البشرة السمراء.

كل هذه الحركات والتوجهات كانت موجودة اصلاً من قبل ولكن لم تكن تعرف عنها الكشير أو يصلك توجهاتها بهذا الشكل السهل والمكثف، أيضاً سهولة انتشار افكار هذه الحركات قامت بتشجيع الأقليات الموجودة في مجتمعات أخرى على المناداة بحقوقها ولذلك أصبحنا نرى مثلي الجنس في مجتمعاتنا العربية بشكل كبير وهذا الأمر لا يعني أن مجتمعاتنا كانت خالية من هذه الظاهرة وبدأت حاليا في الانتشار، على العكس تماماً طوال الوقت كان يوجد مثلي الجنس كل ما في الأمر أن وسائل التواصل شجعتهم على إظهار أفكارهم وانتمائتهم.

الجميع الآن أصبح يتحدث في السياسة او في الحقوق والحريات الاجتماعية وأصبح هذا الحديث جزء كبير من حياة كل فرد في العالم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي وبالطبع امتد هذا التأثير إلى صانع اللعبة نفسه وبدأ يهتم بهذه المجالات في حياته الشخصية بشكل كبير جداً الأمر الذي ينعكس على عمله عند تطوير لعبة مثلاً فنجد من يدافع عن حقوق المثلية الجنسية يحاول أن يضع شخصية شاذة داخل لعبته لشعوره بالاضطهاد داخل العالم الحقيقي وهكذا.

للأسف نحن كلاعبين مظلومين بسبب كل العناصر السابق ذكرها، فنحن نريد لعبة بأسلوب ممتع وقصة رائعة بعيدة عن كل مشاكل العالم الحقيقي، إذا كان العالم الحقيقي رائع أصلاً لما كنا صنعنا عالمنا الخاص داخل عالم الألعاب.

لا أعرف لماذا يصمم صانع الألعاب على تدنيس هذا الفن الرائع وربطه بمشاكل العالم الحقيقي، لنضع جانبا مشاكل العالم المُجهدة عصبياً وذهنيا، لنضع المثلية، الإرهاب، التحرش، الذكورية والنثوية والعنصرية جانباً ونهتم بتقديم ألعاب هادفة وفي نفس الوقت بعيدة عن هذه المشاكل.

وكأن الحياة ينقصها المزيد من الأسى والحزن حتى يقوم مطور الألعاب بمحاكاة كل هذه المشاكل الاجتماعية في الألعاب، اتفق أن الألعاب عمل فني من المقام الأول وأحد وظائف الفن تجسيد المجتمع ولكن للأسف مجتمعنا اليوم أصبح مظلم جداً ولا نحتاج إلى تجسيده في الوقت الحالي.