التاريخ يعيد انتاج نفسه مع بطاقات RTX من NVIDIA - عرب هاردوير

حتي أواخر التسعينات من القرن الماضي، كانت البطاقات الرسومية Graphics Cards مجرد مسرعات لعرض الألوان علي الشاشات وتشغيلها بدقة عرض Resolution عالية مثل 800×600 مثلا! أما باقي عبأ معالجة اللعبة من اضاءة وظلال وتحريك واسقاط للرسوم علي الشاشة كانت كلها تحت سيطرة المعالجات المركزية CPUs. ولم يكن للبطاقات الرسومية أي دخل بها! بل ان البطاقات الرسومية لم يكن اسمها بطاقات رسومية أصلا، كانت تحمل لقب مسرعات مرئية فقط Video Accelerators.

لكن في سنة 1999 قدمت NVIDIA تقنية غيرت من هذا كله، لقد قررت الشركة أن الاضاءة وعرض الرسوم ليست وظيفة المعالج المركزي CPU، وانما ستكون وظيفة المسرعات الرسومية .. ببساطة وباختصار مخلّ قامت NVIDIA بنسخ أجزاء من المعالج المركزي CPU وحشرتها حشرا علي مسرعات الرسوم لديها، لتقوم تلك المسرعات بوظيفة الاضاءة والتظليل وعرض الرسوم علي الشاشة .. بمعني أخر قامت NVIDIA بتسريع الاضاءة عتاديا علي المسرعات الرسومية Hardware Light & Transform.

وارتأت NVIDIA ان هذا التغيير ثوري بما فيه الكفاية، ليغير من اسم المسرع الرسومي الي المعالج الرسومي GPU أو البطاقة الرسومية Graphics Card.

ولقد كانت التسمية مستحقة، وثورية حقا من حيث المبدأ .. فمن الان فصاعدا لن يحتاج اللاعب الي اقتناء معالج مركزي صاروخي كي يستطيع تشغيل الألعاب، يكفيه فقط بطاقة رسومية متوسطة. ثم والأجمل من هذا كله، ان قوة مؤثرات الاضاءة ستزداد أضعافا مضاعفة فوق ما كان ممكنا علي المعالجات المركزية CPU، لأن الاضاءة علي المعالج الرسومي GPU كانت أسرع بكثير من المركزي CPU.

GPU

كل هذا جميل، لكن القصة ليست بهذه الوردية والبساطة، فلقد استقبل الوسط التقني هذا التغيير “الثوري” بالكثير من التشكك والريبة، عدد الألعاب التي كانت تدعم تلك التقنية كان أقل من أصابع اليد الواحدة، والأداء لم يكن مرتفعا بما فيه الكفاية عن المعالجات المركزية CPUs القوية أيضا .. بل إن مكتبة DirectX 6 حينها لم تكن تدعم التقنية من الأصل! وكان سعر البطاقات عاليا أيضا!

ولقد سارع ضيقوا الافق في انتقاد التقنية بمنتهي العنف، قائلين أن المعالجات المركزية CPUs عالية الأداء تغني عن امتلاك المعالج الرسومي وداعين المستخدمين لعدم الوقوع في فخ دعاية NVIDIA كثيرة المبالغة .. ولقد تزعمت شركة 3dfx حملة الانتقادات كونها خصيم NVIDIA اللدود .. وافتخرت الشركة ببطاقات Voodoo3 خاصتها التي لا تحتاج الي هذا الهراء .. وتبعتها في هذا الدرب شركة PowerVR ببطاقات Kyro و Kyro II التي لم تكن تحتوي أي من هذا “الهراء” بالفعل.

والحقيقة ان كل هذا يحتاج الي وقفة طويلة للتدبر، اذا سألت أي شخص حاليا هل تفضل الاضاءة والرسوم علي المعالج المركزي CPU أم الرسومي GPU؟ سيجيبك بلا تردد: الرسومي بالطبع! إنه لأمر بديهي لدرجة أن أي أحمق برخصة يعرفه! لذا فانه من المنطقي ان ما حدث كان تغييرا الي الافضل، لكن تلك الرؤية لم تكن واضحة في ذلك الوقت، كانت مدفونة تحت أطنان من الدعاية المضادة ومن الجهل وانعدام الخيال والهجوم علي الجديد الغريب لصالح القديم المجرب!

هل تتخيل الآن المعالج المركزي CPU والذي تزداد سرعته بصعوبة كل عام، ويزداد عدد أنويته بصعوبة أكبر كل عدة أعوام، ويزحف عرض ذاكرته Memory Bandwidth كالسلحفاة نحو المجهول .. هل تتخيله قادرا الأن علي منافسة المعالج الرسومي في الاضاءة؟ المعالج الرسومي GPU الذي تتضاعف سرعته كل عام أو عامين، والذي تتكاثر عدد أنويته مثل الأرانب كل عام .. وتثبوا عرض ذاكرته وثبا لتبتلع كما مخيفا من البيانات كل ثانية .. هل تتخيل أن يتفوق ذلك المعالج المركزي الهزيل و المثير للشفقة علي ذلك المعالج الرسومي ذو العضلات المنتفخة الذي ينازعه حتي في ملكه وينافسه في تطبيقات الحوسبة المكثفة Compute وفي الذكاء الاصطناعي AI وفي محاكاة الطبيعة Physics وغيرها من الخوارميات المعقدة؟

 

CPU vs GPU

إن مجرد تخيل أيا من هذا لهو الهراء بعينه! ولأن دعم الهراء والاصرار عليه لن يودي بصاحبه الا للمزيد من الهراء ثم الغوص في مستنقع الهراء الذي لا فكاك منه! فقد صار هذا مصير بطاقات Voodoo و Kyro .. لقد رفضت شركتا 3Dfx و PowerVR دعم تلك التقنية حتي بعد عشرات الشهور من تقديم NVIDIA لها .. وجاءت بطاقات Voodoo 4 و Voodoo 5 و Kyro I و Kyro II بدونها! وأصرت الشركتان حينها أن بطاقاتها تكفي للمنافسة وتزيد ..

ولأن عالم التقنية لا يعرف الرحمة، وينهار فيه سراب الكذب بسرعة، فلقد سحقت بطاقات Geforce تلك البطاقات سحقا الي جياهب النسيان والعدم، فاللألعاب التي لم تكن تدعم تقنية الاضاءة العتادية، سرعان ما دعمتها، والتقم المطورون التقنية التقاما، كما دعمت مكتبة DirectX 7 التقنية بعد عدة شهور من اطلاقها. وظهر تفوق المعالجات الرسومية GPUs التي تدعم الاضاءة العتادية جليا علي المسرعات المثيرة للشفقة التي لا تدعم التقنية.

وكنتيجة مباشرة لهذا فان شركتي PowerVR و 3dfx خرجتا من المنافسة بشكل نهائي وتام، ومزقت NVIDIA شركة 3dfx اربا بعدما ابتاعتها كلها .. أما PowerVR فقد أزاحتها NVIDIA بعيدا الي المنافسة في قطاع المحمول فقط!

3dfx

الوحيدة التي تبقت لتنافس وتناطح NVIDIA كانت ATi، ولسبب واحد فقط، وهو أن الشركة لم تدخر جهدا في تكرار ما قدمته NVIDIA بعد عام واحد فقط .. بعدما أطلقت بطاقات Radeon المهيبة بتقنية الاضاءة العتادية .. وهو ما انقذها من مصير 3Dfx و PowerVR المزري.

إن كل الجودة الرسومية التي نراها في الألعاب العصرية سواء علي المنصات المنزلية consoles أو الحاسب الشخصي PC، يرجع الفضل فيها لتقنية الاضاءة العتادية .. فبدونها لكنا لا نزال محشورين علي أنوية عقيمة للمعالج المركزي CPU تتطور ببطء مستفز وتقوم بمهام أخري كثيرة تستهلك أغلب قدراتها تاركة القدر الضئيل فقط للاضاءة والرسوم.

أليس التاريخ التقني مثيرا وجميلا؟ إنه يصلح كعمل فني درامي شيق حقا!

لكن المشكلة الكبري أن التاريخ حقيقة لا يصلح كعمل فني درامي شيق! بل يصلح كعمل فني للرعب Horror واستجلاب الفزع ذلك لأنه يكرر نفسه في حركة دائرية مخيفة وكاسحة!

التاريخ الآن يكرر نفسه بحذافيره، يكرر نفسه بالضبط والي حد ممل .. مرة أخري تقدم NVIDIA تقنية جديدة لم يسبق لها مثيل، ومرة أخري تتعلق تلك التقنية بماذا؟ نعم تخمين صحيح! بالاضاءة! هذه المرة الاضاءة الواقعية، الاضاءة التي تحاكي الطبيعة بالضبط وتُتبع فيها أشعة الضوء شعاعا شعاعا Ray Tracing! الاضاءة الكاملة التي نراها في مؤثرات السينما وعروض المحترفين المسجلة CGI، ومرة أخري تكون تلك الاضاءة ممكنة فقط علي المئات من المعالجات المركزية CPUs المتصلة معا! .. ومرة أخري تسرع NVIDIA هذه الاضاءة عتاديا Hardware Ray Tracing بوحدات معالجة جديدة علي المعالجات الرسومية GPUs .. ومرة أخري تفوق تلك السرعة سرعة الأجيال السابقة من البطاقات الرسومية وتفوق بأضعاف مضاعفة سرعة المعالجات المركزية CPUs!

RTX

إن الفقرة السابقة تحوي الكثير من عبارات “مرة أخري”، لأنه لمرة أخري يعيد التاريخ نفسه مرة أخري، بدقة شديدة لمرة أخري! لكن حتي هذا الكثير من الـ”المرة الأخري” ليس كافيا لمنع طوفان أخر من المرات الأخري التي أتت بعده!

فمرة أخري، يستقبل الوسط التقني التقنية بعاصفة من التشكك والريبة، ومرة أخري نسمع الحجج الواهية اياها: لا توجد ألعاب تدعم التقنية! الأداء لا يكفي، لا نريدها! ومرة أخري يتكرر اتهام “الدعاية مبالغ فيها” .. “التقنية غير جاهزة”، “المطورون لن يدعمونها”! ومرة أخري نسمع صرخات “الرسوم الآن جيدة بما يكفي”! و”من يهتم؟” Who Cares؟!

لكن هذه المرة لا تقود الحملة شركات منافسة لـ NVIDIA، فحتي منافسوا NVIDIA يدركون رهبة وثقل تقنية تتبع الأشعة ووقعها الضخم في النفوس، حتي منافسوا NVIDIA يقرأون التاريخ ويأخذون منه العظة! بل إن بعضهم حاول استباقها الي تتبع الأشعة ثم قوبل بالفشل الذريع، وهو ما حدث مع Intel وبطاقات Larrabee الرسومية المرحومة في عام 2010. وهو مسعي ستكرره Intel مرة أخري حتما مع بطاقاتها الرسومية القادمة، خصوصا أن مكتبة DirectX 12 دعمت التقنية مبكرا هذه المرة دون اي تأخير.

إن الحملة الشعواء يقودها للأسف الهواة، ومتجاهلي التاريخ والغير مثقفين تقنيا .. وبعض التقنيين المتشبثين بالماضي، وهؤلاء لم يشفع لهم دعم DirectX ولا الألعاب التي ستدعم التقنية بسرعة، ولا سكوت المنافسين، ولا ثقل التقنية نفسه! ولا حتي الرغبة في كسر الملل والقفز الي افاق رسومية جديدة. وبالطبع لم يشفع لهم أكبر هذه الأمور قاطبة! التاريخ!

التاريخ الذي يكرر نفسه من جديد بشكل مفزع، والذي لا يرحم أحدا، إن حذاء التاريخ ثقيل حقا، وهو يخطو خطواته بتثاقل واتكال مهول، داهسا كل ما يعترض طريقه كقشر البيضة تحت سير جرافة عملاقة!

التاريخ يقول الآن أن أمام AMD و Intel حلان: إما الانضمام الي ركب التاريخ نحو المستقبل، أو اللحاق بركب PowerVR و 3Dfx في مسعاهما نحو البطاقات الرسومية .. التاريخ يقول الآن للجميع: ها أنذا أعود من جديد، فهل من متعظ؟