السم في العسل: كيف تلوثت حقائق ChatGPT بموسوعة إيلون ماسك المتحيزة؟
لسنوات طويلة، اشتكينا من تحيز المصادر الغربية مثل ويكيبيديا في قضايا تخص تاريخنا وهويتنا. كنا نظن أن المشكلة في انحياز المحررين البشر، لكن يبدو أننا أمام معضلة أكبر وأكثر فوضوية. البديل الذي يطبخه إيلون ماسك في معامل xAI هو مستنقع من المعلومات المغلوطة بدأ يتسرب إلى البنية التحتية للإنترنت بالكامل.
التقارير الأخيرة تكشف كارثة صامتة؛ روبوتات الدردشة التي يعتمد عليها الملايين اليوم مثل ChatGPT من OpenAI، وGemini من جوجل، وحتى Claude، بدأت تعتمد على
Grokipedia كمصدر للمعلومات. لمن لا يعرف، هذه ليست موسوعة علمية، بل هي نتاج روبوت ماسك المسمى Grok، والذي يستقي معلوماته من تغريدات منصة X (تويتر سابقاً) ومنحاز بشكل فج لآراء مالكه.
تسميم البئر الرقمي
الأمر ليس مجرد خطأ تقني عابر. البيانات الصادرة عن شركة تحليلات الويب Ahrefs تؤكد أن Grokipedia ظهرت كمصدر في أكثر من 263 ألف إجابة لـ ChatGPT مؤخراً. قد يبدو الرقم صغيراً مقارنة بويكيبيديا، لكنه ينمو بسرعة مخيفة، وهو ما أكده غلين ألسوب، رئيس استراتيجيات التسويق في الشركة.

الخطر الحقيقي يكمن في نوعية المعلومات. نحن لا نتحدث عن اختلاف في وجهات النظر السياسية، بل عن تزييف للواقع. Grokipedia هي المنصة نفسها التي وصفت نفسها سابقاً بأنها Mecha Hitler، ونشرت تبريرات أيديولوجية للعبودية، ومعلومات مغلوطة طبياً عن أزمة الإيدز، ناهيك عن الترويج لنظريات مؤامرة حول الإبادة الجماعية للبيض في جنوب أفريقيا.
تخيل أن يبحث طالب عربي عن تاريخ الاستعمار في أفريقيا، فيجيبه جوجل أو ChatGPT بمعلومات تستند إلى تغريدات عنصرية تمجد نظام الفصل العنصري في روديسيا (زيمبابوي حالياً)، لمجرد أن إيلون ماسك شارك صورة تمتدح تلك الحقبة. هذا ليس خيالاً، بل واقع رصدته صحيفة الجارديان.
"نحن نستخدم مصادر متنوعة".. العذر الأقبح من الذنب
عندما واجهت الصحافة شركة OpenAI بهذه الحقائق، كان الرد بارداً ودبلوماسياً:
نحن نهدف لاستخدام مجموعة واسعة من المصادر ووجهات النظر المتاحة علنياً.
هذه الجملة هي الطامة الكبرى. شركات التكنولوجيا العملاقة تخبرنا بوضوح أنها لا تملك معياراً للحقيقة، وأن التنوع عندها يعني خلط الحقائق التاريخية الموثقة بـ هلوسات الذكاء الاصطناعي اليميني المتطرف.
رصد التقرير أيضاً أن ChatGPT (بنسخته الأحدث GPT-5.2) استشهد بـ Grokipedia في قضايا تتعلق بإيران، بل واستخدمها لنشر ادعاءات تم دحضها حول المؤرخ البريطاني ريتشارد إيفانز.
الخوارزمية لا تميز بين مؤرخ قضى عمره في البحث، وبين بوت تم تدريبه على تغريدات غاضبة.
عملية غسيل معلومات ممنهجة
نحن أمام عملية غسيل معلومات ممنهجة. المعلومات الكاذبة أو المتحيزة التي كانت محصورة في الزوايا المظلمة لمنصة X، يتم الآن إلباسها ثوب المصداقية عبر دمجها في إجابات جوجل وChatGPT. المستخدم العادي لا يضغط على المصادر، بل يقرأ الإجابة المختصرة ويعتبرها حقيقة مسلمة.
هذا التحول يضع مسؤولية مضاعفة علينا. لم يعد بالإمكان الثقة في العم جوجل أو الذكاء الاصطناعي كمصادر محايدة للمعرفة. المعركة القادمة ليست تقنية فقط، بل هي معركة وعي، حيث تحاول شركات وادي السيليكون إعادة كتابة التاريخ والواقع وفقاً لأهواء مدرائها، ونحن، المستخدمين، حقل التجارب وبياناتنا هي الوقود.