لم يعد الأمر مجرد نظريات مؤامرة أو حديثاً عن مقاطعة تجارية عابرة. شركة أبل، التي تتباهى دائماً بحماية خصوصية مستخدميها، أسقطت القناع يوم الخميس الماضي وأعلنت رسمياً استحواذها على شركة Q.ai الإسرائيلية الناشئة في صفقة ضخمة قدرت مصادر "فايننشال تايمز" قيمتها بنحو 2 مليار دولار.

هذه ليست صفقة عادية لشراء تقنية لتحسين الصوت، بل هي ثاني أكبر استحواذ في تاريخ أبل بعد صفقة "Beats" التي بلغت قيمتها ثلاثة مليارات دولار. المبلغ الضخم يكشف حجم ما تخطط له الشركة: تقنية لا تسمع صوتك فحسب، بل تقرأ حركات وجهك الصامتة وتتنبأ بما ستقوله قبل أن ينطق لسانك.

التكنولوجيا المرعبة: قراءة الشفاه بلا صوت

ما اشترته أبل فعلياً هو كابوس للخصوصية. شركة Q.ai طورت تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل "الحركات الدقيقة لجلد الوجه" (Facial Skin Micro-movements). الهدف المعلن هو تحسين الأوامر الصوتية في البيئات الصاخبة، أو السماح لك بالحديث مع "سيري" عبر التمتمة دون إصدار صوت.

لكن الوجه الآخر لهذه العملة هو أن أجهزتك القادمة، سواء كانت آيفون أو نظارات ذكية، ستمتلك القدرة على قراءة شفاهك وتحليل تعبيرات وجهك لتقييم عواطفك، ومعدل ضربات قلبك، وحتى تنفسك، وكل ذلك موثق في براءات اختراع Q.ai التي تم تسجيلها العام الماضي. نحن نتحدث عن جهاز يقرأ لغة جسدك ويفسر صمتك، وليس فقط كلماتك.

أفياد ميزلز المؤسس لشركة Q.ai و PrimeSense

العقل المدبر: من Face ID إلى قراءة العقول

اللافت في الصفقة هو عودة اسم "أفياد ميزلز"، الرئيس التنفيذي لشركة Q.ai. هذا الرجل هو نفسه الذي أسس شركة PrimeSense الإسرائيلية التي استحوذت عليها أبل في 2013، وهي التقنية التي بُنيت عليها بصمة الوجه (Face ID) التي نستخدمها اليوم.

أبل تعيد الكرة مرة أخرى، وتضخ مليارات الدولارات في القطاع التقني الإسرائيلي لدمج فريق ميزلز بالكامل داخل هيكلها. جوني سروجي، نائب رئيس أبل لتنيقات الأجهزة (وهو من عرب 48)، احتفى بالصفقة واصفاً الشركة بأنها "رائدة". هذا يعني أن التقنية القادمة في جيبك ستكون إسرائيلية التصميم والتطوير، مما يضع المستخدم العربي والمسلم أمام معضلة أخلاقية وأمنية حقيقية: هل أنت مستعد لتمويل واستخدام تقنية طُورت في قلب تل أبيب تقرأ أدق تفاصيل وجهك؟

لماذا الآن؟

تأتي هذه الخطوة لسببين: الأول هو المنافسة الشرسة مع ميتا (فيسبوك) التي أطلقت نظارات Ray-Ban، ومع المشروع الغامض الذي يطبخه جوني إيف (مصمم أبل السابق) مع OpenAI. أبل تشعر بالخطر وتريد امتلاك وسيلة إدخال بيانات جديدة تتجاوز اللمس والكلام المسموع.

السبب الثاني هو البيانات. شركات التقنية الكبرى لم تعد تكتفي بمعرفة موقعك وما تشتريه، بل تريد الآن بياناتك الحيوية والبيومترية. معرفة حالتك المزاجية عبر قراءة وجهك هي "الكنز" القادم للمعلنين ولأنظمة الذكاء الاصطناعي.

تكنولوجيا الحديث الصامت عبر النظارات الذكية

نحن السلعة والضحية

التعامل مع هذا الخبر ببرود هو سذاجة. نحن ندخل مرحلة يتم فيها إلغاء المسافة الأخيرة من الخصوصية: ما نتمتم به مع أنفسنا. دمج هذه التقنية في سماعات AirPods أو النظارات القادمة يعني أن الكاميرات والميكروفونات ستكون في حالة مراقبة دائمة لحركات عضلات وجهك.

شراء منتجات أبل مستقبلاً لن يكون مجرد اختيار استهلاكي، بل هو قبول طوعي بوضع جهاز مراقبة متطور -إسرائيلي الصنع- على وجهك، يقرأ صمتك قبل كلامك. هذه الصفقة تذكرة قوية لمن نسي، بأن وادي السيليكون وتل أبيب وجهان لعملة واحدة، وأن أموالنا هي الوقود الذي يحرك هذه العجلة.