يبدو أن استوديو The Coalition قرر أخيرًا الاتجاه إلى خيار الجرأة الكاملة عبر إحداث نقلة نوعية في مسار السلسلة، ليس من خلال الاندفاع إلى الأمام في الجدول الزمني للأحداث، ولكن بالعودة الجادة إلى الجذور المظلمة التي صنعت مجد العنوان أول مرة. تضعنا لعبة Gears of War: E-Day مباشرة في قلب الكارثة الكبرى التي غيرت وجه كوكب سيرا إلى الأبد، لتأخذنا إلى النقطة صفر، وبالتحديد في صبيحة Emergence Day الذي شهد انهيار الحضارة البشرية ودمار مدينة كالونا تحت أقدام غزو زاحف لم تتوقعه أكثر العقائد العسكرية جاهزية. هذه اللعبة ليست مجرد قصة سابقة للأحداث تُسرد لملء الفراغات بين أجزاء السلسلة، بل جاءت لتشكل وثيقة رعب وبقاء حقيقية ودراسة نفسية عميقة للانهيار المفاجئ لمجتمع آمن أمام عدو كاسح وغير مفهوم، لتستعيد بذلك الهوية السوداوية التي افتقدها الجمهور لسنوات طويلة.

بعد ساعات من خوض هذه التجربة القاسية ستصل لإستنتاج مهم وهو أن استوديو The Coalition اتخذ أخيرًا القرار الشجاع الذي طالما انتظرته؛ وهو التخلي عن مسار السلسلة الأخير والعودة مباشرةً إلى الجذور المظلمة التي صنعت مجد العنوان في بداياته. اللعبة قادمة لأجهزة اكسبوكس سيريس اس واكس، الحاسب الشخصي ومشتركي خدمة اكس بوكس جيم باس في السادس من أكتوبر.

القصة والجو العام: سوداوية الرعب البشري والمأساة الإنسانية

على عكس النبرة البطولية والألوان الأكثر إشراقًا التي لاحظتُها في الأجزاء الأخيرة من السلسلة، تتخلّى E-Day تمامًا عن هذا التوجه لتعود بكامل ثقلها إلى السوداوية واليأس اللذين أذكر أنهما ميّزا الجزء الأول الصادر عام 2006. ينصبّ التركيز هنا بشكل مكثف على الجانب الإنساني والمأساة الشديدة التي عاشها البطلان ماركوس فينيكس ودومينيك سانتياغو في مرحلة مبكرة جدًا من حياتهما، إذ نراهما مجنّدَين شابَّين يفتقران إلى الخبرة الكافية، ويقفان عاجزَين مذهولَين أمام البشاعة المطلقة لكائنات اللوكاست وهي تخرج من أعماق الأرض.

ما أثار إعجابي حقًا أن الرعب في هذا الجزء لا يقوم على حيل الإفزاع المفاجئ أو المشاهد المبتذلة، بل ينبع من العجز الإنساني المكشوف والهلع الذي تخلّفه الكوارث الكبرى؛ ذلك الشعور الخانق حين تتشقق الخرسانة والأسفلت تحت قدميك دون سابق إنذار، وتندفع الكائنات الشرسة لتلتهم الأسطح والكتل السكنية بلا رحمة. 

وقد نجح فريق الأداء الصوتي في نقل هذا الوقع العاطفي ببراعة استثنائية، إذ لمستُ صدق الذهول والحزن ومتانة الرابط بين ماركوس ودوم في حواراتهما المباشرة ومواقفهما الحادة، قبل أن تصقلهما سنوات الحرب الطويلة وتروّضهما على قسوة العالم. ويمتد هذا العمق إلى الشخصيات المساندة، مثل تاي كاليسو والوجوه الجديدة في أطقم الدعم، التي منحت الصراع وزنًا حقيقيًا، ما جعلني أستشعر فداحة الخسائر في صفوف المدنيين والجنود الذين سقطوا في الساعات الأولى من الغزو. وفي رأيي، يبقى هذا الرهان على الرعب الإنساني وإعادة المأساة إلى الواجهة أعظم ما قدّمته القصة في هذه التجربة.


انطباعنا عن التجربة المحدودة لـ Gears of War: E-Day
 

أسلوب اللعب والطور التعاوني

من ناحية أسلوب اللعب، أستطيع القول إن هذا الجزء يقدّم التطور الأكثر سلاسة ونضجًا في تاريخ السلسلة، دون أن يفقد الثقل التكتيكي الحسي الذي طالما أحببته في مواجهات Gears. فقد أزال المطورون الجمود الشهير الذي عاب حركة الشخصيات في الأجزاء السابقة، ليحلّ محله نظام حركة أكثر ديناميكية يتيح الانزلاق السلس، والتسلق السريع للعوائق المنخفضة، والتنقل الانسيابي بين نقاط الاحتماء. ولمساعدة اللاعبين على إتقان هذه الآليات الجديدة، أضاف الاستوديو طورَ تدريبٍ مخصصًا باسم Boot Camp، يتيح للوافدين الجدد والمخضرمين على حدٍّ سواء صقلَ تكتيكات الحركة والاشتباك في بيئة معزولة صُمّمت خصيصًا لهذا الغرض.

ولعلّ أبرزَ الإضافات التي غيّرت إيقاع القتال في تجربتي تغييرًا جذريًا ميكانيكيةُ التغطية الديناميكية؛ فالسواتر لم تعد مجرد جدران خرسانية صلبة وثابتة كما اعتاد الجمهور، بل حين تنهمر نيران الأعداء الكثيفة على حاجز خرساني أو ساتر مؤقت، يبدأ بالتآكل والتفتت تدريجيًا، مما يكشف موقعك ويجبرك على التراجع أو الركض بحثًا عن ساتر جديد، بدلًا من التمترس الآمن خلف حائط واحد. وقد زاد هذا التغيير حدة المواجهات كثيرًا، وفرض حركة مستمرة وإدارة سريعة للمساحات المتاحة.

وتكتمل هذه التجربة القتالية بالوزن الحسي الممتاز للأسلحة؛ إذ تمتلك بندقية Lancer بمنشارها الكهربائي وبندقية الخرطوش Gnasher استجابةً وقوة ارتداد تشعر بها مع كل طلقة. كما أضاف المطورون نظامًا خفيفًا لتعديل الأسلحة والدروع يعتمد على البحث عن حاويات التعديل المغلقة المنتشرة في زوايا الخرائط، ويتيح ترقية خصائص العتاد تدريجيًا بما يضيف عمقًا تكتيكيًا، دون أن يحوّل اللعبة إلى تجربة تقمّص أدوار معقدة تشتت الذهن عن متعة إطلاق النار الخالصة. يمتد هذا التنوع ليشمل الطور التعاوني، حيث تمكنتُ من اختبار الحملة بشكل فردي، مع إمكانية خوضها عبر طور الشاشة المنقسمة للاعبين اثنين على أجهزة الكونسول، أو عبر الشبكة بتعاون يصل إلى أربعة لاعبين.

أطوار اللعب الجماعي: نمط Horde Siege وساحات التدريب

توسّع هذا الجزء في تقديم تجربة اللعب الجماعي لتصبح أكثر تنوعًا واستجابةً لتطلعات مجتمع اللاعبين، إذ لاحظت إضافة طور جديد كليًا يحمل اسم Horde Siege، ويتسع لـ12 لاعبًا، إلى جانب أطوار اللعب التنافسية المباشرة.

يُعيد طور Horde Siege تقديم مفهوم طور الهورد (Horde) التقليدي، القائم على الصمود أمام موجات الأعداء المتتالية، ولكن بأسلوب مختلف وأكثر اتساعًا. إذ يُقسّم اللاعبين الاثني عشر إلى ثلاثة فرق، يضم كل منها أربعة لاعبين، تعمل بالتزامن عبر خريطة واسعة لحماية قطاعات مختلفة من مدينة كالونا، والتصدي لهجمات اللوكاست ومنعهم من اختراق الخطوط الدفاعية.

ولضمان جاهزية اللاعبين وتجنّب التخبط في المواجهات التنافسية أو تحديات الصمود الجماعي، خصّص الفريق المطوّر ساحة تدريبية تتسع لأربعة لاعبين. وقد أتاحت لي هذه الساحة خوض مواجهات ضد أعداء تتحكم فيهم اللعبة، وتجربة مختلف الأسلحة وخيارات تعديلها، إلى جانب اختبار التكتيكات الدفاعية في بيئة تدريبية آمنة. وهو ما يمنح اللاعبين فرصة لصقل مهاراتهم والاستعداد قبل الانخراط في المنافسات المباشرة ضد لاعبين آخرين، أو خوض التحديات الأكثر صعوبة في طور Horde Siege.

استعراض مبهر لمحرك UE5 وتقنيات NVIDIA

من الناحية التقنية والبصرية، أستطيع التأكيد بثقة أن E-Day تعتبر واحدة من الساحات الاستعراضية لقوة محرك Unreal Engine 5 على منصات الجيل الحالي والحاسب الشخصي. اللعبة تعتمد بشكل كثيف على تقنية Nanite لتقديم مجسمات وهندسة معمارية فائقة التفاصيل في المباني المنهدمة والأنقاض. وتقنية Lumen للإضاءة الديناميكية وانعكاسات الظلال في الأنفاق والأزقة المظلمة، مما أضفى تجربة حصرية من الخوف الواقعي أثناء تنقلي في الأزقة المظلمة.

أما بالنسبة لنسخة الحاسب الشخصي، فقد اختبرتُ حزمة متكاملة من التقنيات المُطوّرة بالتعاون مع NVIDIA، حيث تدعم اللعبة رسميًا تقنية NVIDIA DLSS 4.5 التي تدمج بين رفع الدقة بالذكاء الاصطناعي وتقنية توليد الإطارات المتعددة Multi Frame Generation. أضاف المطورون أيضًا دعم تقنية RTX Mega Geometry لمعالجة البيئات الضخمة المتروسة بالتفاصيل المعقدة مع تتبع الأشعة بكفاءة أعلى دون إجهاد المعالج، وتقنية NVIDIA Reflex لتقليل زمن الاستجابة إلى أدنى حد، فضلًا عن نظام التجميع المسبق للمظللات (Advanced Shader Delivery - ASD) لمعالجة مشكلة التقطيع أثناء الحركة في البيئات المعقدة.

تتدرج متطلبات التشغيل على الحاسب لتناسب مختلف الأجهزة والمواصفات العتادية:

  • حيث تبدأ المتطلبات الدنيا لدقة 1080p بمعدل 60 إطاراً ببطاقات مثل NVIDIA RTX 5050 أو RTX 2060 أو AMD RX 6600 مع معالج Ryzen 5 2600X وذاكرة 12 غيغابايت.
  • وللحصول على تجربة متوازنة بدقة 1440p يوصى ببطاقات مثل RTX 3060 Ti أو RTX 5060 أو RX 6700 XT مع 16 غيغابايت من الذاكرة العشوائية.
  • أما التجربة الأقوى، وتحديدًا لمن يطمح للتشغيل على دقة 4K Ultra مع تفاصيل تتبع الأشعة الكاملة، فستتطلب اللعبة بطاقات القمة مثل RTX 5070 Ti ومعالج Ryzen 7 7800X3D.

المحرك الصوتي في اللعبة يكمل هذه التجربة بتقسيم اتجاهي مذهل يتيح لك سماع هسيس اللوكاست وخلفيات الانفجارات وزئير المنشار بصدى واقعي يضعك في منتصف الميدان.

تنبيه تقني للتشغيل: يتطلب تشغيل اللعبة بأفضل كفاءة تحديث تعريف بطاقات NVIDIA إلى الإصدار 616.64 أو أحدث. وفي حال ملاحظة انخفاض في الإطارات بعد فتح خريطة اللعبة نتيجة توقف خيار Frame Generation، يمكن إعادة تفعيله يدويًا من الإعدادات لاستعادة الأداء الكامل. لكن في الأغلب ستصبح اللعبة أكثر ثباتًا وخالية من تلك المشكلة  في تحديث اليوم الأول.

مواجهات الزعماء تحبس الأنفاس

تستمد مواجهات الزعماء في هذا الجزء قوتها من الشعور بالرعب والعجز أمام آلات الدمار البيولوجية التي تتمثل في كائنات اللوكاست. فلم تعد هذه المعارك مجرد مواجهات تقليدية تعتمد على إطلاق النار عشوائيًا على أعداء يمتلكون قدرًا هائلًا من نقاط الصحة، بل صُممت لتكون تجارب صمود تحبس الأنفاس، وتعتمد على استغلال البيئة المحيطة واكتشاف نقاط الضعف، وسط أجواء مشحونة بالتوتر والخوف المستمر.

فمواجهة كائنات ضخمة ومرعبة مثل البيرسيركر (Berserker) والكوربسر (Corpser) خلال الساعات الأولى من الغزو، في وقت تفتقر فيه فرقتك إلى التجهيزات العسكرية الثقيلة، تجعلك تدرك قيمة كل ساتر تختبئ خلفه وكل طلقة في بندقيتك. كما تجبرك هذه المواجهات على التفكير السريع وتغيير موقعك باستمرار للنجاة من خطر الموت الذي يلاحقك في كل لحظة، وهو ما منح معارك الزعماء طابعًا ملحميًا قاسيًا، وجعل لكل مواجهة هويتها الخاصة بعيدًا عن الرتابة والتكرار.

الموسيقى والتصميم الصوتي

يُشكّل التصميم الصوتي والموسيقى التصويرية في هذا الجزء البطل الخفي الذي تكتمل به أجواء الرعب والسوداوية. فقد تخلّت الموسيقى عن الألحان البطولية الصاخبة لصالح مقطوعات أوركسترالية قاتمة، تعمّق الشعور باليأس وتزيد من حدة التوتر مع كل اشتباك. أما على صعيد المؤثرات الصوتية، فإن هدير المنشار الكهربائي لبندقية اللانسر (Lancer)، ووقع خطوات اللوكاست، وصدى أنفاسهم في الأنفاق والمباني المظلمة، جميعها تفاصيل صوتية صُمّمت بعناية فائقة لتضعك في قلب المعركة وتجعلك تشعر بالخطر المحيط بك.

ويُسهم التوزيع الصوتي المحيطي في تعزيز هذه التجربة، إذ يتيح لك تحديد مواقع الأعداء بدقة، حتى من خلف الجدران، مما يزيد من حدة الترقب والتوتر، ويُعزّز شعورك بالانغماس في عالم اللعبة طوال أحداث القصة.

الحكم النهائي لطور القصة

تُقدّم Gears of War: E-Day تجربة سردية وقتالية استثنائية، تُعيد السلسلة باقتدار إلى مكانتها المستحقة في صدارة ألعاب التصويب من منظور الشخص الثالث. وتتجاوز التجربة كونها مجرد رحلة لاستحضار الذكريات أو استغلال الحنين إلى الماضي، لتُقدّم عودة ناضجة ومتقنة إلى جذور السلسلة، تُعيد من خلالها إحياء مشاعر الرعب والعجز الإنساني في مواجهة الكوارث، وتُبرز أهمية الروابط العاطفية بين الشخصيات في أحلك الظروف.

وبفضل قصتها السوداوية، وآليات الاحتماء المطوّرة، والتقدم التقني المبهر، تُقدّم اللعبة واحدة من أكثر التجارب القتالية إثارةً وتأثيرًا في هذا الجيل، وتضع معيارًا جديدًا لما ينبغي أن تكون عليه ألعاب السلسلة مستقبلًا.

التجربة مستمرة...

وجب التنويه إلى أن هذه المراجعة والتغطية الشاملة لا تمثل تقييمًا نهائيًا حتى الآن؛ حيث ركزت تجربتي المكثفة خلال هذه المرحلة على طور القصة الرئيسي، والسرد الروائي، والانطباعات التقنية والأداء العام على الإعدادات المختلفة. سأواصل خلال الأيام القليلة القادمة اختبار بقية الأطوار الجماعية بشكل مكثف على الخوادم العامة بمجرد اكتظاظها باللاعبين، وتحديدًا طور Horde Siege الموسع بكامل طاقته الاستيعابية والمواجهات التنافسية المباشرة وذلك للتحقق بنفسي من مدى استقرار الأداء في طور اللعب عبر الشبكة، واختبار اتزان الأسلحة في نمط اللعب التنافسي، وتقييم مدى عمق ومتعة هذه الأطوار على المدى الطويل قبل إصدار حكمي وتقييمي النهائي الشامل.

لكن على كل حال، تثبت Gears of War: E-Day بالنسبة لي أنها خطوة حقيقية في الاتجاه الصحيح لإعادة إحياء العصر الذهبي لألعاب التصويب من المنظور الثالث. حيث انها تجمع بين روح الرعب والبقاء الكلاسيكية وسلاسة آليات القتال الحديثة، لتقدم تجربة مليئة بالحماس والمشاعر العنيفة التي تذكرني جليًا بالسبب الذي جعلني أقع في حب هذا العالم المظلم منذ اللحظة الأولى.

الحكم النهائي بعد التجربة الكاملة

تُقدم Gears of War: E-Day تجربة سردية وقتالية واعدة في ظاهرها، تُعيد السلسلة باقتدار إلى مكانتها المستحقة في صدارة ألعاب التصويب من منظور الشخص الثالث. وتتجاوز التجربة كونها مجرد رحلة لاستحضار الذكريات أو استغلال الحنين إلى الماضي، لتُقدم عودة ناضجة ومتقنة إلى جذور السلسلة، تُعيد من خلالها إحياء مشاعر الرعب والعجز الإنساني في مواجهة الكوارث، وتُبرز أهمية الروابط العاطفية بين الشخصيات في أحلك الظروف.

ولكن، سرعان ما تتعرض هذه التجربة لانتكاسة حادة بسبب الإقحام السيئ والذي لا داعي له لسرديات التنوع والشمول في القصة الرئيسية. هذا التوجه المفروض أضر بصلابة الأحداث، وجعل السرد العام يبدو مبتذلاً ويبعث على الامتعاض، بل وحول القصة إلى تجربة مستهلكة وعفا عليها الزمن، مما أفقدها الكثير من هيبتها وجوهرها القاسي المعتاد. وجعلني اتراجع في التقييم النهائي للعبة لـ 8/10 بدلًا من 8.5 الأولية.

وعلى الرغم من هذا الإخفاق السردي المزعج، إلا أنه بفضل آليات الاحتماء المطورة والتقدم التقني المبهر، لا تزال اللعبة تُقدم واحدة من أكثر التجارب القتالية إثارًة وتأثيرًا في هذا الجيل، وتضع معيارًا جديدًا لما ينبغي أن يكون عليه أسلوب اللعب في السلسلة مستقبلًا.