من لا يعمل فعلاً...  
الآلة في طريقها إليه

لن يمحو الذكاء الاصطناعي الوظائف بالجملة كما يظن النطاق الأوسع من القراء. لكنه سيفعل شيئاً أشد وطأة على فئة بعينها: سيكشف أن عملها الحقيقي لم يكن يستحق ما يتقاضاه.

في هذا المقال

  • الأسباب الاقتصادية الحقيقية وراء الركود الحالي في معدلات التوظيف بعيدا عن شماعة التقنية
  • كيف تكشف الخوارزميات ثقافة الحد الأدنى من الجهد وتفضح أداء الموظف المخادع
  • الوظائف الفائقة والمسميات الحيوية الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات
  • الدليل التاريخي القاطع على دور الأتمتة في مضاعفة حجم العمالة وفتح أسواق استهلاكية ضخمة
  • تحديد الفئة الوحيدة المهددة فعليا بالخروج النهائي من حسابات سوق العمل

الذكاء الاصطناعي لن يسرق وظيفتك. لكنه سيكشفها. هناك فرق جوهري بين من يؤدي عمله ويطور أدواته ويثبت قيمته يوماً بعد يوم، وبين من يملأ كرسياً ويستهلك راتباً بينما ينسب لنفسه مهارات لا يوظفها في أي لحظة من لحظات الضغط الفعلي. الفئة الثانية عاشت بأمان طوال عقود لأن التحقق من أدائها الحقيقي كان مكلفاً ومرهقاً. اليوم، لم يعد كذلك.

الشركة التي تقف أمام خيار بين موظف يعد بالنتائج ويؤجل تسليمها وأداة ذكاء اصطناعي تنجز المهمة بجودة مقبولة فوراً وبتكلفة منخفضة لن تتردد طويلاً. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي. المشكلة في أن هذا الموظف اعتقد أن الوعود كافية لحجز مقعده إلى الأبد.

السوق يتراجع، لكن ليس بسبب الذكاء الاصطناعي

قبل أن تُحمَّل التكنولوجيا ما لا تحتمله، تفرض البيانات نفسها. تقرير لينكد إن الأخير عن سوق العمل العالمي يُظهر أن معدلات التوظيف تراجعت 20% عن مستويات ما قبل الجائحة، ووصل هذا التراجع في الاقتصادات المتقدمة  إلى ما بين 20 و35 بالمئة.

 

الأرقام مقلقة، لكن السبب الحقيقي وراءها هو حالة عدم اليقين الاقتصادي والتحولات في السياسة النقدية وإعادة توازن التوظيف بعد موجة التعيينات المحمومة إبان الجائحة.

الذكاء الاصطناعي بريء من هذه التهمة. البيانات نفسها تؤكد أن معدلات التوظيف في الوظائف ذات التعرض العالي للذكاء الاصطناعي لا تختلف جوهرياً عن نظيراتها في الوظائف ذات التعرض المنخفض.

ما يحدث في سوق العمل اليوم هو إعادة توزيع لا إبادة.

الذكاء الاصطناعي لا يقود التباطؤ في التوظيف. في الواقع، هو المنطقة الوحيدة التي يتمدد فيها سوق العمل.

1.3 مليون وظيفة خلقها ما كان يُفترض أنه يمحو الوظائف

بينما تتراجع قطاعات تقليدية، أضافت موجة الذكاء الاصطناعي 1.3 مليون وظيفة جديدة في غضون عامين فقط، من بينها أكثر من 600 ألف وظيفة في مراكز البيانات وحدها. مسميات مثل "مهندس الذكاء الاصطناعي" و"المهندس الميداني المتقدم" و"محلل البيانات التدريبية" لم تكن موجودة في قواميس التوظيف قبل بضع سنوات. اليوم، يُصنَّف مهندس الذكاء الاصطناعي ضمن أسرع الوظائف نمواً على منصة لينكد إن خلال السنوات الثلاث الماضية.

الصورة الأشمل يرسمها تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يتوقع أن الاتجاهات التقنية الراهنة ستُزيح 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030، لكنها ستخلق في الوقت ذاته 170 مليون وظيفة جديدة. المحصلة النهائية كسب صافٍ يبلغ 78 مليون فرصة عمل لم تكن موجودة. هذا ليس تفاؤلاً، هذا توقع مبني على نماذج اقتصادية وبيانات توظيف فعلية.

الرؤساء التنفيذيون يقرؤون الخريطة بشكل مختلف

استطلاع IBM لكبار المسؤولين التنفيذيين يكشف أن 54 بالمئة منهم يوظفون حاليا لشغل أدوار مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لم تكن موجودة قبل عام واحد فقط. هذا رقم يعكس شيئا مهما يتمثل في أن الشركات لا تقلص قواها العاملة بل تبني هياكل وظيفية جديدة لم تكن لديها تصورات مسبقة عنها.

تتوافق هذه التحركات المؤسسية مع الرؤية الصارمة التي يطرحها جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا. يؤكد هوانغ أن الاستعانة بموظفين رقميين يمثل حتمية اقتصادية لا مفر منها. هؤلاء الموظفون الجدد سيعملون جنبا إلى جنب مع البشر لتنفيذ مهام محددة في مجالات معقدة مثل تصميم الرقائق وإدارة سلاسل التوريد. الفكرة تتركز حول مفهوم الوكلاء الرقميين الذين يندمجون في كل وظيفة لرفع الإنتاجية إلى مستويات قصوى.

جنسن هوانج - الرئيس التنفيذي لإنفيديا

الصورة تتسع لتشمل نماذج أعمال كاملة تعتمد على هذا التحول السريع. يتوقع هوانغ نموا هائلا في قطاع البرمجيات كخدمة حيث ستظهر فرق متكاملة من الوكلاء المتخصصين المتاحين للتأجير في قطاعات التسويق والتصميم. الشركات الكبرى مثل Synopsys تدرس بالفعل إتاحة تأجير مهندسين رقميين للمساهمة في مشاريع دقيقة.

هذا التوجه الصريح يثبت أن الذكاء الاصطناعي يوسع نطاق الأعمال ويخلق طبقة جديدة من الوظائف البشرية التي تدير هذه الأنظمة الذكية بل ويشير إلى مستقبل تقوم فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي بتوظيف أنظمة أخرى لتسريع وتيرة الإنجاز.

الوظائف الفائقة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي

المفارقة المثيرة هي أن التكنولوجيا التي يُقال إنها تُهدد العمل البشري تخلق في الوقت ذاته وظائف تتطلب عمقاً بشرياً لا يمكن محاكاته آلياً. منسق الذكاء الاصطناعي "AI Orchestrator" نموذج على ذلك.

هذا الدور لا يُشبه أي وظيفة سابقة؛ صاحبه يصمم شبكة من الوكلاء الرقميين المتخصصين، يحدد كيف تتواصل هذه الوكلاء فيما بينها، يرسم مسارات تنفيذ المهام المعقدة، ثم يراقب الأداء ويضبطه باستمرار. هو في جوهره مصمم أنظمة ذكية، لكن عمله يحدث في بيئة تشغيلية لم تكن موجودة قبل خمس سنوات.

إلى جانبه يبرز دور المهندس الميداني المتقدم "Forward-Deployed Engineer"، الذي يتولى نشر حلول الذكاء الاصطناعي في بيئات المؤسسات المعقدة وحل التعقيدات التقنية التي تنشأ أثناء التكامل. ثم هناك محلل تجربة العملاء المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ومصمم المحادثات "AI Conversation Designer"، والمتخصص في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الذي يضع أطر الحوكمة ويراجع التحيزات في الأنظمة قبل أن تصل إلى المستخدمين.

هذه الأدوار لا تتوافق مع صورة الموظف التقليدي الجالس أمام شاشة يُسلّم تقارير. هي تتطلب قدرة على التفكير النظامي والتكيف السريع والحكم الإنساني في مواضع لا يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي أن يحكم على نفسه.

الأتمتة لم تقتل العمل في أي لحظة من التاريخ

السؤال الذي يطرحه المتشككون يستحق جواباً: هل خلقت الأتمتة الوظائف فعلاً أم أنها اكتفت بإعادة توزيعها؟

في أربعينيات القرن التاسع عشر، شنّ عمال الحياكة في إنجلترا حملة منظمة لتدمير أوال الغزل الآلية خوفاً على أرزاقهم. كانت المخاوف مفهومة تماماً. لكن ما جرى بعد ذلك بعقدين أو ثلاثة بدّل المعادلة كلياً: صناعة الأقمشة استوعبت أكثر من عشرة أضعاف العمالة التي كانت تشغلها قبل الأتمتة، لأن الإنتاجية المتضاعفة فتحت أسواقاً جديدة وخلقت طلباً لم يكن موجوداً أصلاً.

بحث Anthropic حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل يتقاطع مع هذا، فيما يدعمه بحث كلية هارفارد للأعمال الذي رصد ما جرى في سوق العمل الأمريكي عقب الإطلاق العام لـ "ChatGPT" في نوفمبر 2022. الوظائف القائمة على المهام المتكررة والهيكلية انخفض الطلب عليها بنسبة 13 بالمئة، لكن الوظائف التحليلية والإبداعية والتقنية التي يعززها الذكاء الاصطناعي نمت بنسبة 20 بالمئة في الفترة ذاتها.

الإطلاق العام لـ "ChatGPT" في نوفمبر 2022

المكسب أكبر من الخسارة. والفارق بين الطرفين ليس في الحظ؛ هو في نوعية المهارة التي يقدمها الموظف.

بعد دخول التصنيع الآلي في القرن التاسع عشر، استوعبت صناعة الأقمشة عشرة أضعاف عمالتها السابقة. التاريخ لا يتذكر الوظائف التي ماتت. يتذكر تلك التي وُلدت بدلاً منها.

من يجب أن يخاف فعلاً

الخوف الحقيقي لا ينبغي أن يسكن في قلب من يعمل ويتطور ويعرف كيف يضيف قيمة ملموسة. الباحث والمحلل والمصمم الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي أداةً لتوسيع قدراته لن يجد نفسه في مواجهة مع آلة، بل في شراكة معها تضاعف مخرجاته. ما يؤكده الروائي والمؤرخ والتر إيزاكسون في تصريحاته الأخيرة هو أن أشد المهددين تعرضاً هم من يعتقدون أن مهارة تقنية واحدة ضيقة كافية لتحصينهم، دون قدرة على التكيف والتطبيق عبر سياقات متغيرة.

الروائي والمؤرخ والتر إيزاكسون

ما يسميه لينكد إن "عصر العمال ذوي الياقات الجديدة" يصف بدقة المرحلة التي نعيشها: مرحلة تمتزج فيها الكفاءة التقنية بالحكم الإنساني وتمزج بين مهارات المعرفة ومهارات التنفيذ العملي. 70 بالمئة زيادة في الوظائف الأمريكية التي تشترط محو الأمية الرقمية خلال عام واحد فقط. هذا مؤشر لا يُفسَّر بأكثر من طريقة واحدة.

ثمة حقيقة غير مريحة يتجنب كثيرون الاعتراف بها صراحةً: الذكاء الاصطناعي لم يفعل شيئاً سوى أنه أزال غطاء الضباب الذي كان يتيح لمن لا يعمل فعلاً أن يبدو وكأنه يعمل. الوظائف التي ستختفي لم تكن تؤدي وظيفتها أصلاً. والوظائف التي ستُولد ستجد أصحابها بسرعة. السؤال الوحيد المتبقي هو إلى أي الفئتين تنتمي أنت اليوم، وما الذي ستفعله بالجواب.