أعلنت شركة أمازون مؤخراً تسريح 14 ألف موظف من قطاعها المؤسسي. لحقتها شركة لوفتهانزا للطيران بخطة للتخلص من 4 آلاف وظيفة، بينما تخلصت سيلزفورس من 4 آلاف موظف في قطاع خدمة العملاء. منصة كلارنا المالية ذهبت لأبعد من ذلك وقلصت قوتها العاملة بنسبة 40 بالمائة دفعة واحدة. القاسم المشترك في البيانات الصحفية الرسمية لكل هذه الشركات كان توجيه أصابع الاتهام بوضوح نحو الذكاء الاصطناعي.

الرسالة الموجهة للجمهور تبدو مرعبة ومباشرة؛ الآلات وصلت وبدأت في طرد البشر من مكاتبهم. لكن قراءة متأنية لما بين السطور، وتقاطع بيانات التوظيف الحقيقية مع التصريحات الرنانة للمديرين التنفيذيين، يكشف حقيقة مغايرة تماماً. الشركات لا تستبدل البشر بالخوارزميات، هي تستخدم الخوارزميات كشماعة مريحة لإخفاء فشلها الإداري والتستر على قرارات مالية بحتة.

كذبة غسيل الذكاء الاصطناعي

تلجأ الشركات الكبرى حالياً إلى تكتيك خبيث يُعرف باسم غسيل الذكاء الاصطناعي AI-Washing. عندما تفشل شركة في تحقيق أهدافها المالية، أو تكتشف أنها وظفت أعداداً ضخمة من العمالة بشكل عشوائي خلال فترات النمو السابقة، أو تخسر عميلاً استراتيجياً، تجد نفسها مضطرة لتقليص النفقات وتسريح الموظفين.

إعلان تسريح العمالة بسبب الفشل الإداري أو تراجع الأرباح يوجه ضربة قاصمة لأسعار أسهم الشركة في البورصة. المستثمرون يعاقبون الإدارات الفاشلة. هنا تتدخل حيلة غسيل الذكاء الاصطناعي. يخرج المدير التنفيذي ليعلن أن تسريح آلاف الموظفين ليس ناتجاً عن تراجع المبيعات أو سوء التخطيط، بل هو خطوة استراتيجية لإعادة هيكلة الشركة وضخ استثمارات ضخمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

هذا التصريح يحول الكارثة الإدارية إلى انتصار تقني في نظر مستثمري وول ستريت.

ديفيد أوتور أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا يؤكد أن تبرير التسريح بالذكاء الاصطناعي أسهل بكثير من اعتراف الشركة بأنها تعاني من بيئة اقتصادية متباطئة أو تضخم في هيكلها الإداري. تقرير صادر50 ألف موظف خلال عام 2025 إلى الذكاء الاصطناعي.
باحثون في جامعة أكسفورد، وعلى رأسهم فابيان ستيفاني، فنّدوا هذا الادعاء عبر بيانات دقيقة. أظهرت الأبحاث أن 1 بالمائة فقط من شركات الخدمات قامت فعلياً بتسريح موظفين بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي. في المقابل استخدمت 35 بالمائة من الشركات هذه التقنية لإعادة تدريب موظفيها الحاليين وتطوير مهاراتهم، بل وقامت 11 بالمائة منها بتعيين موظفين جدد خصيصاً لإدارة هذه الأدوات. الأرقام تثبت أن التقنية تُستخدم كغطاء لقرارات اقتصادية قاسية لا علاقة لها بقدرة الآلة على أداء مهام البشر.

الأرقام تفضح الخدعة

إذا كان الذكاء الاصطناعي يلتهم الوظائف حقاً كما تدعي العناوين الإخبارية، لكانت معدلات البطالة في القطاعات التقنية قد وصلت إلى أرقام كارثية. الواقع الإحصائي يروي قصة مختلفة تعتمد على إعادة توزيع المهام وليس محو الوظائف.
قطاع هندسة البرمجيات شهد انخفاضاً هائلاً في إعلانات الوظائف الجديدة بنسبة تجاوزت 35 بالمائة بين عامي 2022 و2024. التفسير السطحي سيقول إن المبرمجين فقدوا وظائفهم لصالح أدوات توليد الأكواد. لكن بالنظر إلى معدل البطالة الفعلي داخل القطاع التقني في الولايات المتحدة، نجده مستقراً عند نسبة ضئيلة تتراوح بين 2 و2.5 بالمائة. هذا التناقض الظاهري له تفسير واحد؛ الشركات غيّرت طريقة توظيفها ولم تستغنِ عن موظفيها الأساسيين.


كتابة الأكواد البرمجية البسيطة أصبحت مهمة سهلة وسريعة بفضل نماذج الذكاء الاصطناعي، مما قلص حاجة الشركات لتوظيف مبرمجين مبتدئين بكثافة. في نفس الوقت ارتفع الطلب بشدة على المهندسين الخبراء القادرين على تصميم هيكلية الأنظمة ومراجعة الأكواد المعقدة وتصحيح هلوسات الآلة. حاجز الدخول للمجال انخفض، لكن معيار الوصول لدرجة خبير ارتفع بشدة.
قطاع الكتابة المستقلة شهد نمطاً مشابهاً. إعلانات طلب الكتاب المستقلين تراجعت بنسبة 30% بعد انتشار أدوات مثل ChatGPT. رغم هذا الانخفاض الكبير في العروض، انخفضت فرص حصول الكاتب المستقل على عمل بنسبة حوالي 2-5% فقط (مع انخفاض أكبر في الدخل للكتابة الروتينية). الشركات تدرك أن النص المولد آلياً يحتاج إلى تحرير بشري، وتدقيق للحقائق، ولمسة إبداعية ليتناسب مع هوية العلامة التجارية.
حتى في قطاع خدمة العملاء الذي يُعتبر الهدف الأول للأتمتة، تواجه الشركات حقائق قاسية. الذكاء الاصطناعي قادر على معالجة آلاف الاستفسارات النمطية المتكررة، لكنه يفشل فشلاً ذريعاً عندما يتعقد طلب العميل أو يتطلب تعاطفاً إنسانياً وتدقيقاً استثنائياً.


شركات عديدة اضطرت لإعادة تعيين موظفين بشريين في أقسام الدعم الفني بعد أن تسببت روبوتات الدردشة في انهيار معدلات رضا العملاء وتدمير سمعة العلامة التجارية. الذكاء الاصطناعي يعمل كأداة لرفع الإنتاجية الفردية للموظف، وليس بديلاً كاملاً يمحو الحاجة للعقل البشري.

هروب قانوني وسياسي تحت غطاء التقنية

الاستخدام الخادع لبعبع الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على مجالس إدارة الشركات، بل يمتد ليشمل صناع القرار السياسي. سوق العمل في المملكة المتحدة يقدم نموذجاً صارخاً لكيفية استغلال التقنية لتبرير السياسات الاقتصادية الفاشلة.
فقد الاقتصاد البريطاني 171 ألف وظيفة مدفوعة الأجر خلال عام واحد حتى نوفمبر 2025. سارع المسؤولون الحكوميون للإيماء برؤوسهم موافقين على النظريات التي تتهم الذكاء الاصطناعي باختطاف هذه الوظائف، ووصل الأمر ببعض الوزراء لطرح فكرة الدخل الأساسي الشامل لإنقاذ العاطلين الجدد.
الحقيقة التي تهرب منها الحكومة هي قانون حقوق العمل الجديد الذي فرض قيوداً خانقة على أصحاب الأعمال. القانون ألزم الشركات بالاعتراف بالنقابات العمالية، وفرض عقوداً بساعات عمل مضمونة، وقلص فترات الاختبار التي تحمي الشركة من دعاوى الفصل التعسفي. مسح أجرته مؤسسة CIPD شمل ألفي صاحب عمل أظهر أن 37 بالمائة منهم يخططون لتقليص التوظيف بسبب هذه التعقيدات البيروقراطية والتكاليف الباهظة التي يفرضها القانون، وليس بسبب تطور الذكاء الاصطناعي.

الشركات تجد في الآلة ملاذاً آمناً من التشريعات العمالية المتشددة. برامج الذكاء الاصطناعي لا تشكل نقابات، ولا ترفع دعاوى فصل تعسفي، ولا تطالب بتأمين صحي وإجازات مدفوعة. السياسات الحكومية التي تهدف ظاهرياً لحماية العامل، هي ذاتها التي تجعل تكلفة توظيفه سامة ومرتفعة جداً، مما يدفع الشركات مرغمة لتسريع وتيرة الأتمتة هرباً من القيود القانونية والمادية.

من الذي سيفقد وظيفته حقاً؟

رغم تفنيدنا لكذبة التسريح الجماعي، يجب أن نكون حاسمين في نقطة جوهرية؛ بعض الوظائف تختفي بالفعل ولن تعود أبداً. نحن نشهد حالة من البطالة الهيكلية تغير شكل سوق العمل المعتاد. منصة مثل دوولينجو لتعلم اللغات أعلنت صراحة استغناءها التدريجي عن المترجمين المستقلين المتعاقدين معها والاعتماد على الذكاء الاصطناعي لسد الفجوة.

ورقة بحثية نشرتها مايكروسوفت في يوليو 2025 حددت 40 مهنة معرضة بشكل مباشر للأتمتة. تصدرت القائمة وظائف المترجمين، ممثلي المبيعات الهاتفية، وموظفي إدخال البيانات، وممثلي خدمة العملاء من المستوى الأول. المشترك بين كل هذه الوظائف هو التكرار والنمطية والاعتماد على معالجة بيانات واضحة لا تتطلب حكماً بشرياً معقداً.

التاريخ يثبت أن كل تطور تقني ضخم يمحي مهناً ويخلق أخرى. المحرك البخاري وشبكة الإنترنت دمرت قطاعات بأكملها لكنها فتحت أسواقاً لم تكن لتتخيلها العقول حينها. الوظائف المكتبية المبتدئة التي تعتمد على نقل البيانات من شاشة إلى أخرى تنتهي تماماً. من ناحية أخرى تظهر وظائف جديدة لم نكن نعرفها قبل سنوات قليلة وتتطلب فهماً عميقاً لكيفية توجيه وإدارة هذه النماذج اللغوية الضخمة.
خطة النجاة الفردية لتجنب المقصلة
إذا فقدت وظيفتك لصالح الذكاء الاصطناعي، فاللوم الأكبر يقع على عجزك عن التكيف. هذه هي الحقيقة المباشرة بوضوح تام، الذكاء الاصطناعي يفضح الموظفين العاجزين عن تطوير أنفسهم. التهديد الحقيقي ليس الآلة بحد ذاتها، بل رفضك إعادة هيكلة قدراتك المهنية لتناسب العصر الجديد.

الشركات تفضل التخلص من الموظف الذي يكتفي بأداء مهامه التقليدية ويرفض دمج التقنية في عمله اليومي. شركة أكسنتشر للاستشارات قدمت نموذجاً واضحاً لهذا التوجه عندما أعلنت عن خطة إعادة هيكلة تتضمن تسريحاً سريعاً للموظفين الذين يفشلون في اكتساب مهارات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها في عملهم. لكي تضمن مكانك في سوق العمل المستقبلي، عليك تطبيق قواعد صارمة على مسارك المهني:

  • استباق التعلم والتجربة: لا تنتظر حتى تفرض عليك إدارة الموارد البشرية استخدام أداة جديدة أو تنظم لك دورة تدريبية إجبارية. ابحث بنفسك عن أدوات الذكاء الاصطناعي التي تخدم تخصصك الدقيق، جربها، افهم حدودها، وكن أول من يطبقها في قسمك لتسريع إنتاجيتك. الموظف الذي يعلم مديره كيف يستخدم التقنية لا يتم الاستغناء عنه أبداً.
  • التركيز على المهارات المعرفية العميقة: توقف عن التنافس مع الآلة في سرعة الإنجاز أو دقة استرجاع البيانات. ركز طاقاتك على المساحات التي تفشل فيها الخوارزميات. حل المشكلات المعقدة التي تتطلب فهماً لسياق السوق، الإبداع الاستراتيجي، والذكاء العاطفي في إدارة فرق العمل والتفاوض مع العملاء. هذه مهارات لا يمكن برمجتها وتحولك إلى أصل لا غنى عنه للشركة.
  • التحول من منفذ إلى مدير للعمليات: المبرمج الذي يكتفي بكتابة الكود سيفقد وظيفته، لكن مهندس البرمجيات الذي يصمم الهيكلية ويطلب من الذكاء الاصطناعي كتابة الأجزاء البسيطة سيضاعف راتبه. الكاتب الذي يجمع معلومات عامة سيختفي، بينما المحرر الاستراتيجي الذي يوجه الآلة ويصيغ هوية المحتوى سيصبح عملة نادرة. ارتقِ بدورك لتصبح مديراً للتقنية بدلاً من مجرد مستخدم يائس ينافسها.

الشركات ستستمر في استغلال مصطلح الذكاء الاصطناعي كستار لإخفاء قرارات التسريح القاسية والتغطية على الفشل المالي والإداري. لا تقع ضحية لهذه السردية المضللة وتستسلم للإحباط. سوق العمل يتغير وتتقلص فيه مساحة الوظائف النمطية ليتسع بقوة لأصحاب العقول المرنة القادرة على إدارة هذه الأدوات. لا تكن الموظف الذي ينتظر استبداله بشاشة ذكية، كن القوة التي تقود هذه التغييرات وتجبر الشركات على التمسك بها.