الأمر الرائع هنا هو مستوى التحكم الذي تمنحنا إياه هذه التقنية؛ يمكننا ضبط النغمة العامة والأسلوب الفني ليتماشيا مع توجهنا الإبداعي، ثم الدقة في أهم التفاصيل عبر قناع تحكم على مستوى البكسل الواحد لضبط تفاصيل الشخصيات، فنحن نحرص على احترام ملامحهم الحقيقية بمنتهى الدقة.

-  بيتر كافيتش (Peter Kavic)، كبير المنتجين في استوديو Visual Concepts

هل تساءلت يومًا ما الذي يجعل لعبة قديمة عمرها عشر سنوات مثل Batman Arkham Knight، تبدو من الناحية الرسومية أفضل من الكثير من العناوين الحديثة التي نراها اليوم، بالرغم من كل هذا التقدّم الرسومي الذي شهدناه على صعيد التقنيات الرسومية وتتبّع الأشعّة، أو حتى على صعيد قوّة البطاقات الرسومية التي تستطيع بكل تأكيد الصمود أمام عناوين الألعاب المُثقلة من الناحية الفنيّة؟

الإجابة على هذا التساؤل لا يقف فقط عند فكرة أن الألعاب في الماضي كانت تتطلّب الكثير من الوقت والجهد لتحقيق هذه النتائج، أو أن بعض المُطوّرين لا يمضون الكثير من الوقت في تحسين وتنقيح الألعاب، أو حتى فكرة أن التقنيات الرسومية ومحركات الألعاب الجديدة أصبحت أكثر تطلّبًا من ناحية الوقت والجهد. بل يُمكننا القول أن السبب هو كل هذه الأمور مُجتمعة!

ومع اتّساع عالم الألعاب، وزيادة تكلفة عمليات التطوير، وتقلّص الفوارق الزمنية وزيادة المشاريع، بدأت العديد من الشركات تتجاهل بعض الأمور أثناء عملية التطوير. واحدة من هذه الأمور الهامّة للغاية هي عملية التحسين أو التنقيح (optimization)، التي أصبحت الآن شيئًا من الماضي!

فبالنسبة للمُطوّرين، ما الذي يجعلنا نُنفق الكثير من الأموال الطائلة في عملية تجربة اللعبة على مجموعة واسعة من الأجهزة والتكوينات المُختلفة من المُعالجات وكروت الشاشة وسعات الذاكرة؟ في الوقت الذي يُمكننا من خلال فريق بسيط أن نُطبّق تقنيات رفع الدقّة وتحسين الأداء مثل DLSS مثلًا؟

وهنا يظهر السؤال الأهم: لماذا ظهرت تقنيات رفع الأداء في المقام الأول أصلًا؟ وما الذي تفعله؟ وهنا -عزيزي القارئ- سنحتاج للرجوع بالزمن بضعة عقود من الزمن إلى الوراء. أو لنقل، عقدين من الزمان على وجه التحديد!

تقنيات رفع الأداء بالذكاء الاصطناعي

بدأ الأمر عام 2001 مع معالجات الظل القابلة للبرمجة (Programmable Shaders) على متن بطاقات GeForce 3، التي حرّرت المطورين لأول مرة من قيود خطوط الأنابيب الرسومية الثابت (Fixed-Function Pipeline) التي كانت تفرض تأثيرات بصرية جاهزة ومحدودة سلفًا في العتاد نفسه، ليكتبوا بدلًا من ذلك أكوادًا مُخصّصة تتحكم في معالجة كل رأس (Vertex) وكل بكسل على حدة، فاتحين بذلك الباب أمام تأثيرات بصرية أكثر تعقيدًا وحرية إبداعية لم تكن متاحة من قبل إطلاقًا!

ثم جاءت CUDA عام 2006 مع GeForce 8800 GTX لتُحدث نقلة أعمق: تحويل كارت الشاشة من مُجرّد شريحة رسومية مُتخصصة إلى منصة حوسبة متوازية للأغراض العامّة (General-Purpose Computing)، وهي بالضبط البنية التي وضعت لاحقًا حجر الأساس لثورة الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة التي نعيشها اليوم، وعلى رأسها تقنيات DLSS نفسها بمفارقة لطيفة!

بعد ذلك جاءت الطفرة الحقيقية عام 2018، حينما أعلنت NVIDIA ولأول مرّة أنها استطاعت أخيرًا حل شفرة الإضاءة وتحقيق تتبع الأشعة في الوقت الفعلي (Ray Tracing)، التي صاحبتها آنذاك تقنية DLSS على متن العملاق RTX 2080 Ti. حيث أصبح بالإمكان -أخيرًا- محاكاة سلوك أشعة الضوء الفعلية داخل المشهد لأول مرة في الوقت الفعلي، فارتقت الإضاءة والظلال والانعكاسات لمستوى لم تصل إليه الرسوميات التفاعلية من قبل.

لكن هذا التحوّل جاء بتكلفة أداء باهظة للغاية استدعت ولادة تقنية رفع الدقّة بالتعلم العميق أو DLSS كحل قائم على الذكاء الاصطناعي (مستفيدًا من أنوية Tensor Cores المُخصصة) لاستعادة الأداء المفقود عبر توليد صورة بدقة أقل ثم رفع دقّتها وتحسين جودة الناتج النهائي، لتخرج لنا صورة بنفس الجودة ولكن تم رسمها بدقّة أقل، وبالتالي أداء أفضل، بدلًا من رسمها بالكامل بشكل تقليدي.

وصولًا إلى Path Tracing وDLSS 4 على متن RTX 5090 مؤخرًا، حيث انتقلت محاكاة تتبع الأشعّة الجزئية إلى محاكاة كاملة لمسار كل شعاع ضوء داخل المشهد، بكل ارتداداته وانعكاساته، بمساندة حزمة DLSS 4 الكاملة (بما فيها Multi Frame Generation وRay Reconstruction) لجعل تشغيل الألعاب المرسومة بالكامل عبر Path Tracing أمرًا ممكنًا فعليًا في الزمن الحقيقي!

وبالنظر إلى كل هذه التطورات، التي تضمّنت الكثير من الجهد، والانتقاد من النُقّاد والمُنافسين، خرجت NVIDIA في كل مرة مُنتصرة، لتُثبت للجميع أنها كانت تملك نظرة مُستقبلية لما يُمكن أن تؤول إليه الأمور. رحلة كاملة حققت فيها NVIDIA قفزة أداء تُقدَّر بنحو 375,000 ضعف من حيث عمليات الحوسبة العائمة (FLOPS) مقارنةً بالانطلاقة الأولى قبل 25 عامًا!

وتؤكد الشركة نفسها أن مجموعة تقنيات DLSS 4.5 الحالية أصبحت قادرة اليوم على رسم 23 من كل 24 بكسل تراه على الشاشة بالذكاء الاصطناعي فقط، أي أن الجزء الأكبر مما تشاهده في اللعبة لم يعد "مرسومًا" بالمعنى التقليدي، بل "مُستنتَجًا"!

اليوم، تكشف الشركة عن الخطوة التالية -التي أعلنت عنها مُسبقًا هذا العام- في هذا المسار الطويل: تقنية DLSS 5، القائمة على مفهوم جديد كليًا أسمته "الرندرة العصبية الموجّهة بالأبعاد الثلاثية" أو 3D-Guided Neural Rendering.

وعلى عكس ما اعتدنا عليه لسنوات طويلة، لم يأتِ تحديث DLSS 5 3D-Guided Neural Rendering هذه المرة كتقنية تعمل على رفع الأداء وزيادة الإطارات، بل كتقنية مُكمّلة داخل مكتبة DLSS، التي أصبحت تحتوي بدورها على تقنيات أُخرى ضمنية مثل تحسين الأشعّة Ray Reconstruction، وتقنية رفع الأداء DLSS Upscaling، وغيرها من التقنيات الموجودة داخل مكتبة DLSS.

تقنية DLSS 5: المرحلة التالية من الرسوميات ثلاثية الأبعاد!

على مدار السنوات الطويلة لصناعة الألعاب، ظلّت فكرة "الواقعية" هي الأساس الذي يُبني عليه التطور التقني والرسومي للألعاب. فلطالما كان سؤال: "هل الرسوم واقعية بما فيه الكفاية" مُسيطرًا على عقول الفنّانين والمُبدعين في الشركات. وقد خرجت إلينا الكثير من العناوين في الماضي وفي الوقت الحالي التي تقترب كثيرًا من هذه "الواقعية"، غير أنها ظلّت حتى وقتٍ قريب تقف على الحدود، حتى بعد تواجد تقنيات تتبّع الأشعة المُبهرة.

ظلّت هناك قطعة ناقصة دائمًا، وهي القطعة التي تربط جسر الواقعية بين ما نراه في عالم السينما، وما نستطيع استخدامه في عالم الألعاب. لكن NVIDIA كانت تعمل في صمت لسد هذه الفجوة بتقنية جديدة كُلّيًا، استخدمت فيها ما برعت فيه الشركة لعقد كامل من الزمن، ألا وهو تقنيات الذكاء الاصطناعي.

طريقان لا ثالث لهما نحو الواقعية الفوتوغرافية

تشرح NVIDIA أن هناك مسارين تقنيين يتنافسان اليوم على تحقيق الواقعية الفوتوغرافية في الألعاب. 

الطريق الأول هو الطريق "التقليدي" الذي نعرفه جميعًا: مشهد ثلاثي الأبعاد (Scene) تُطبَّق عليه خامات فيزيائية دقيقة (PBR Textures)، ثم يمر عبر محرك Path Tracing، لتخرج الكاميرا في النهاية بصورة مرسومة (Rendered Image) تتميز بإضاءة وهندسة دقيقتين، وهي عملية موجَّهة بالأبعاد الثلاثية بالكامل (3D-guided) وتعمل في الزمن الحقيقي (Real-time).

 

أما الطريق الثاني فهو طريق النماذج التوليدية (Generative Models): مجموعة بيانات ضخمة (Dataset) تمر بمرحلة تدريب (Training) لبناء نموذج (Model) قادر على توليد صور (Generation) ذات إضاءة وخامات واقعية للغاية، لكنها في المقابل احتمالية الطابع (Probabilistic) وغير حقيقية الزمن (Non-real-time)، أي لا يتم توليدها في نفس الوقت الذي تُشاهده فيها!

وهنا يكمن جوهر المشكلة يا سادة: هذه النماذج التوليدية تعمل عادةً على شكل "دفعات إطارات" (N-Frame Chunks) تُعالَج بشكل منفصل عبر نموذج توليدي غير متصل بالزمن الحقيقي، وهو أسلوب رائع لصناعة الأفلام والمؤثرات البصرية، لكنه غير مناسب إطلاقًا لمتطلبات اللعب التفاعلي الذي يحتاج استجابة فورية لكل حركة من اللاعب.

ولذلك، وبدلًا من توليد الإطارات من نص وصفي (Text Prompt) كما تفعل نماذج الفيديو التوليدية، تعتمد DLSS 5 على الإطار المرسوم، أو الموجود فعليًا أمامها من محرك اللعبة -بهندسته وخاماته وخرائط إضاءته التي صممها الفنانون بأنفسهم- كأساس "لا يتزعزع"، لتصبح التقنية آخر مرحلة في خط أنابيب الرسم (Graphics Pipeline)، حيث يُحدِّد إطار المحرك ما يجب أن يبقى كما هو، ويُحدِّد الفنان وحده ما يمكن تغييره وتحسينه.

التحديات الهندسية الثلاثة خلف DLSS 5

تعترف NVIDIA بأن بناء DLSS 5 تطلَّب اختراع نموذج ذكاء اصطناعي جديد كليًا يعمل في الزمن الحقيقي (أي أن الإطار يتم إنشاؤه في نفس اللحظة التي تلعب فيها)، لمعالجة ثلاثة تحديات هندسية جوهرية دفعة واحدة: 

  1. الحفاظ على النية الفنية للمطور.
  2. وضمان الثبات الزمني للصورة.
  3. وتحقيق سرعة تنفيذ تُحسب بالميلي ثانية!

أولًا، صُممت DLSS 5 لتعمل بشكل حتمي (Deterministic)، بمعنى أنها تُنتج المخرج نفسه دائمًا عند معالجة الإطار نفسه دون أي عشوائية.

فالنموذج، المرتكز أساسًا على الإطار الذي صممه الفنانون ومحرك اللعبة، يُحلّل العناصر الظاهرة على الشاشة وخاماتها وعلاقاتها المكانية داخل الإطار ومصادر الإضاءة فيها، ويرتبط مباشرة بالإطار المرسوم عبر تدريبه على التعرف على بيانات المحرك مثل اللون والانعكاسية السطحية (Surface Albedo) وتفاصيل الإضاءة والمعايير السطحية (Surface Normals).

أي أنه يتعرف على "دلالات المشهد" على مستوى كل عنصر منفرد فيه: الكائنات والخامات ومصادر الضوء. والنتيجة؟ إثراء المشهد بتفاعلات مواد واقعية للغاية، كالتشتت تحت السطحي الطبيعي لبشرة الشخصيات (Subsurface Scattering)، ونفاذ الضوء الحقيقي عبر الشعر والنباتات، وظلال تلامس أعمق (Contact Shadows) مع إضاءة شاملة أكثر دقة (Global Illumination).

ثانيًا، توفر DLSS 5 ثباتًا زمنيًا كاملًا إطارًا بإطار، إذ تعمل التقنية -على عكس نماذج توليد الفيديو التي تُعالج دفعات كاملة من الإطارات مجتمعة- بنظام صارم من نوع "إطار واحد يدخل، إطار واحد يخرج" (One-Frame-In, One-Frame-Out)، معتمدةً على متجهات الحركة (Motion Vectors) القادمة مباشرة من محرك اللعبة، لضمان استقرار كل إطار جديد ومنع أي اهتزاز أو "سباحة" بصرية أو انجراف زمني حتى أثناء تحرك اللاعب بسرعة!

ثالثًا، ابتكرت NVIDIA شبكة عصبية مُتخصصة وسريعة، مُصمَّمة خصيصًا لخطوط أنابيب الرسم ثلاثي الأبعاد في الزمن الحقيقي. هذه الشبكة المُدمجة تُفسِّر بيانات المحرك مباشرة من الإطار المرسوم، وتستغل أنوية Tensor Cores القوية في بطاقات GeForce RTX من الجيل RTX 50 لرسم إضاءة وخامات مُعقّدة في الزمن الحقيقي، وتعمل محليًا على بطاقة رسومات واحدة فقط، مع الحفاظ على معدلات إطارات سلسة تصل إلى دقة 4K!

أدوات تحكم فنية غير مسبوقة بين يدي المطورين

كما أشرنا مُنذ قليل، جعل جودة الصورة أكثر واقعية قرار إبداعي في النهاية، ولهذا وضعت NVIDIA أدوات التوجيه الفني مباشرة بين يدي المطورين، بحيث يظل الأمر بالنسبة للاعب مجرد مفتاح تشغيل/إيقاف بسيط لا أكثر يُمكنه التحكّم فيه من خلال إعدادات اللعبة!

ففي مثال طاهي الرامن الذي عرضته الشركة، تبقى نسب الوجه والهندسة الأساسية كما صممها الفنانون تمامًا دون أي تغيير، بينما تُضيف DLSS 5 طبقة أُخرى من التفاصيل، وعمقًا واضحًا حول عصابة الرأس عبر الانسداد المحيطي (Ambient Occlusion)، ويمر الضوء بشكل طبيعي عبر أذنيه بفضل تحسين التشتت تحت السطحي، وكل ذلك دون المساس بهويته الأساسية كشخصية!

الجميل في الأمر أن NVIDIA لم تكتفي بتوفير القدرة على التحكّم في كل عنصر موجود في الصورة فحسب، حيث يُمكن للمُطوّر التحكم في كل عنصر في الصورة. بدايةً من الشخصيات نفسها، مرورًا بالأجسام الموجودة في نفس الإطار مثل النباتات، أو المباني، أو الخلفية، ووصولًا حتى لأدق التفاصيل مثل اللإضاءة نفسها والظلال.

بل ومن خلال حزمة تطوير DLSS 5، يملك المطورون عِدّة نماذج (A/B/C) بنسب ومعايير مختلفة للتحسينات، تُنتج بدورها مُخرجات مختلفة الطابع، ليختاروا ما يناسب لعبتهم، بل ويمكنهم الدمج بين النماذج المختلفة في مشاهد مختلفة من اللعبة نفسها -نموذج للنباتات الكثيفة في الهواء الطلق، وآخر للمشاهد الدرامية الداخلية- أو حتى استخدام نماذج مختلفة بين مراحل اللعب الفعلي والمشاهد السينمائية (Cutscenes)، وفقًا لما تقتضيه رؤيتهم الفنية!


كما توفر DLSS 5 ضبطين أساسيين:

  • "شدة البنية" (Structure Intensity) للتحكم في التفاصيل عالية التأثير كالانسداد المحيطي والانعكاسات والتشتت تحت السطحي، ما يجعلها أداة ذات تأثير كبير لزيادة الواقعية للمشهد.
  • و"شدة النغمة" (Tone Intensity) للتحكم في التفاصيل منخفضة التأثير كاستجابة الإضاءة والألوان العامة، بحيث يمكن للمطور ضبطها على الصفر لإظهار الألوان الأصلية للإطار المرسوم كما هي، أو رفعها لإجراء تعديلات لونية إضافية حسب طبيعة المشهد.


والأهم أن هناك مستويين للتحكم في مكان تطبيق هذه التأثيرات داخل المشهد: المُستوى الأول الذي يُعرف بـ"الإخفاء الدلالي بالذكاء الاصطناعي" (Semantic AI Masking) الذي يتعرف تلقائيًا على عناصر المشهد، فيسمح للمطور برفع مستوى التحسين على البيئة المحيطة بالشخصية مثلًا، مع تقليله على الشخصيات أو العكس تمامًا.


أمّا المُستوى الثاني فيُعرف بـ"الإخفاء على مستوى المحرك" (Engine-Level Masking) الذي يتيح للفنانين عزل أصول أو مجموعات محددة من الأجسام داخل المشهد بأنفسهم -كالأواني الزجاجية أو قطرات الماء أو النباتات- لتطبيق تعديلات إضاءة عصبية مخصصة عليها فقط، دون التأثير على أي عنصر محيط بها!

المُدخلات الأفضل تعني مُخرجات أفضل أيضًا!

من أبرز الرسائل التي أرادت NVIDIA إيصالها هذه المرّة، هو أن DLSS 5 ليست "عصا سحرية" تُصلح أي صورة ضعيفة، ولكنها تقنية تحترم جودة الإطار المرسوم أصلًا، وبالتالي فإن ناتجها النهائي يظل مُرتبطًا بجودة هذا المُدخل!

فهي بلا شك ترفع من مستوى الرسم التقليدي (Raster) بشكل ملحوظ، لكن تزويدها ببيانات مصدر أغنى -كالإضاءة المدعومة بتتبّع الأشعّة (Ray Tracing)، أو تتبع المسار الكامل (Path Tracing)- يمنحها نتائج أدق بمراحل!


والخلاصة بلا شك: كلما استثمر المطور في جودة الرسم الأساسي، كانت مكاسب DLSS 5 أكبر.

ولا تقف NVIDIA عند هذا الحد بمفردها، إذ تؤكد أنها تعمل بشراكة وثيقة مع الاستوديوهات، وأن ملاحظات المطورين تُشكِّل بشكل مباشر كيفية تطوير التقنية وتوسيع مجموعة نماذجها وأدوات التحكم فيها مستقبلًا.

أول الألعاب الداعمة: NBA 2K27، وتجربتنا لها

كالعادة، لم يأتِ الإعلان نظريًا بحتًا! ولا توجد ألعاب يُمكن تجربة هذه التقنية عليها بالفعل أفضل من الألعاب التي تهتم بتفاصيل الأشخاص والأوجه كما تهتم ألعاب الرياضات التفاعلية مثل NBA 2k على سبيل المثال.

 فمنذ أكثر من 25 عامًا، يُقدِّم استوديو Visual Concepts سلسلة NBA 2K كأصدق تجربة رياضية في عالم الألعاب، وهدفهم أن تشعر تجربة اللعب وكأنك تُشاهد مباراة NBA أو WNBA حقيقية على الهواء مباشرة. 

ومن خلال شراكة وثيقة بين NVIDIA واستوديو Visual Concepts وشركة 2K، يصل تحديث DLSS 5 بتقنية الرسم العصبي الموجّه بالأبعاد الثلاثية إلى لعبة NBA 2K27، لتحقق مستوى جديدًا من الواقعية لتجربة اللاعبين.


حتى الآن، تعمل التقنية على بطاقات RTX من الجيل RTX 50 للأجهزة المكتبية واللابتوبات، وكذلك لمشتركي GeForce NOW Ultimate عبر أجهزة سحابية تديرها NVIDIA نفسها مزوَّدة ببطاقة RTX 5090 GPU من نوع 5080!

ويقول بيتر كافيتش (Peter Kavic)، كبير المنتجين في Visual Concepts: "لقد ساعدت تقنية الترميز العصبي الموجّه بالأبعاد الثلاثية في رفع الجودة البصرية لخاماتنا وإضاءتنا، محققةً قفزة حقيقية نحو الواقعية الفوتوغرافية عبر اللعبة بأكملها."

تجربة سينمائية حقيقية

مع تفعيل DLSS 5، يمكنك ملاحظة كيف يمر الضوء بشكل طبيعي عبر آذان اللاعبين، وإضاءة البشرة الطبيعية، وطريقة التقاط الضوء للشعر، كل ذلك مع الحفاظ الكامل على تفاصيل الوجه المُستنسخة أصلًا من الرياضيين الحقيقيين أنفسهم!

لكن مع تفعيل التقنية، يمنح النجم كايد كننغهام (Cade Cunningham) من فريق ديترويت بيستونز تحسينات ملحوظة في التشتت تحت السطحي لبشرته وظلال تلامس أدق حول رقبته وياقة قميصه، مع نفاذ ضوء طبيعي يُبرز تفاصيل شعره أكثر.

أما نجم الأول-إن.بي.إيه تايريس هاليبرتون (Tyrese Haliburton) من إنديانا بيسرز، فيحصل على دفء واقعي على وجهه تحت أضواء الملعب وظلال تلامس دقيقة أسفل أنفه وذقنه، وانسداد محيطي مُحسَّن يُبرز طيات كم الضغط الرياضي لديه.


ولم يقتصر التحسين على النجوم الكبار فحسب، بل امتد أيضًا إلى المتفرجين والطاقم على حافة الملعب أنفسهم بنفس مستوى دقة الإضاءة والخامات! كما شملت العروض التوضيحية كلًا من فيكتور ويمبانياما (Wembanyama) ولوكا دونتشيتش وجايسون تايتوم، الذين ظهرت عليهم تحسينات مماثلة في تفاصيل الشعر والجلد وظلال الملابس.

عند تجربتي للعبة، والتي هي بالمُناسبة أول تجربة للعبة NBA منذ فترة طويلة للغاية، أبهرتني التفاصيل التي رأيتها أمامي بشكلٍ صادم..حتى بدون تفعيل التقنية. فاللعبة تهتم بتفاصيل الأوجه، والشخصيات، والملابس بشكل واقعي للغاية.


لكن بعد تشغيل تقنية DLSS 5، تحوّلت هذه الروعة التقنية إلى لوحة فنيّة حقيقية. المزيد من الظلال، والإضاءات، والتشتت الدقيق، والتفاصيل في كل ماكن. للدرجة التي شملت حتى الشخصيات الثانوية مثل المُشجّعين والمُصوّرين الموجودين في الملعب، والذين -في العادة- لا يتم الاهتمام كثيرًا بتفاصيلهم. حيث أصبح لكُلٍ منهم شخصية مُثقلة رسوميًا، أزالت من ذاكرتي تلك الفكرة السائدة أن كل الشخصيات الثانوية غير مُهمّة وتُشبه بعضها!

أرقام الأداء المُعلنة، والتي حقّقناها

عندما نشرت NVIDIA أرقام الأداء الأولية المُبهرة لتشغيل NBA 2K27 بكامل حزمة DLSS، بما فيها تقنيات تتبّع الأشعّة وDLSS 5 وMulti Frame Generation، كانت الأرقام غير منطقية قليلًا بالنسبة لي:

  • فمع دقة 4K وإعدادات Ultra، لتُسجّل RTX 5090 معدل 370 إطارًا في الثانية مقابل 232 فقط على RTX 5080!
  • في حين أن دقة 1440p تراوحت الأرقام بين 261 إطارًا على RTX 5070 و352 على RTX 5070 Ti و413 على RTX 5080 ووصولًا إلى 594 إطارًا خياليًا على RTX 5090. 
  • وبدقة 1080p وإعدادات High تراوحت بين 258 إطارًا على RTX 5060 و324 على RTX 5060 Ti و385 على RTX 5070.


ولكن عند تجربة اللعبة على أرض الواقع، وجدت أن أرقام الأداء أفضل حتى من هذا في بعض الأحيان! الأمر الذي جعلني مذهولًا للغاية. فمع بطاقة RTX 5080 التي لدينا، وبدقّة 2K أو 1440p أيًا كانت التسمية التي تُفضّلها، ومع تشغيل أعتى الإعدادات الرسومية، استطاعت البطاقة تحقيق أرقام أداء مُبهرة. حيث وصل عدد الفريمات إلى 700 فريم في حال عدم تشغيل تقنية DLSS 5، وتراجع حتى 420-430 في معظم الأوقات مع تفعيل التقنية. كل هذا بالطبع مع تشغيل أعلى الإعدادات الرسومية، ووضع 6X MFG، مع مستوى جودة DLSS Quality.

نعم، هناك خسارة واضحة في أرقام الأداء عند تفعيل تقنية DLSS 5، وصلت إلى 43% تقريبًا. غير أننا نتحدث هُنا عن أكثر من 400 إطار في الثانية عند دقّة 2K، وتفعيل تقنية DMFG على وضع 6X الجديد. كل هذا مع تراجع زمن التأخير 20 جزءًا من الثانية فقط، بفضل تقنية Reflex. الأمر الذي يجعل التجربة لا تزال قوية ومميّزة.

وهنا يظهر سؤال جديد، انتشر كالنار في الهشيم في الفترة السابقة مع التسريبات التي رأيناها للتقنية، ألا وهو:

هل أضرّت تقنية  DLSS 5 بالأداء على حساب جودة الصورة؟

لا شك أنك -في حال كُنت مُتابعًا جيدًا للتقنية- رأيت في الفترة الماضية الكثير من التسريبات والتجارب -الغير واقعية- لتطبيق تقنية DLSS 5 على مجموعة واسعة من الألعاب. وأقول هُنا غير واقعية، لأنها استخدمت التقنية بشكل عشوائي، بدون أخذ أيًا من العوامل التي تحدثنا عنها حتى هذه اللحظة في الحُسبان.

فكما أشرنا مُنذ قليل، تعتمد فكرة تطبيق التقنية بشكل أساسي على مجموعة من العوامل، تقع في يد المُطورين بشكل أساسي. مثل تحديد مستويات الشدّة ودرجات الألوان، والموديل المُستخدم (A/B/C)، كما أن المُطوّرين والفنّانين أنفسهم هم من يُحدّد الأجسام التي سيتم تطبيق التقنية عليها داخل المشهد.

كل هذا بدوره سيؤثّر على الشكل النهائي لتطبيق التقنية، وما نراه أمامنا سواء على صعيد الأداء، أو على صعيد الشكل النهائي للرسوميات. وكلها أُمور لم تتوافر في كل هذه النُسخ المُسرّبة، حيث يتم تطبيق التقنية بشكل عشوائي، بدون أي اعتبارات أو حدود لتفعيلها.

الأمر أشبه برسمك للوحة فنيّة وضعت فيها كل الألوان المُتاحة بدون أي دراسة أو تحديد لنسب الألوان التي تستخدمها. فهي في النهاية لن تُخرج لك نفس الصورة التي سيُخهرجها الفنّان الذي يُحدد نسب الألوان وتناسقها، وأماكن تواجد كل لون في الصورة.

وعلى عكس ما نشرته التسريبات وروّجت له الانتقادات، فوجود عملية التدقيق في يد المُطوّرين أنفسهم، سيجعل الشكل النهائي أقرب لرؤية الفنّانين النهائية المُتخيّلة. ما يعني أن الشكل النهائي سيظل ضمن حدود المنطق بشكل مُتناسق وأكثر واقعية. الأمر الذي رأيناه بالفعل مع لعبة NBA 27.

وهذا التطبيق بدوره يعني أن نسبة التأثير على الأداء ليست كما رأينا أيضًا، حيث أننا في تجربتنا لاحظنا هبوطًا في الأداء يصل فقط إلى 40% تقريبًا، على عكس الـ50-60% التي روّجت لها النُسخ المُسرّبة الغير مصقولة. كما أن NVIDIA نفسها أوضحت أن أرقام الأداء الحالية لا تزال "البداية" فحسب.

أداء يتضاعف 5 مرات خلال 6 أشهر فقط!

كشفت NVIDIA عن منحنى تطور أداء نموذج DLSS 5 نفسه منذ إطلاقه التجريبي في مارس الماضي وحتى أغسطس الجاري، حيث انتقل الأداء من نقطة الأساس حيث تطلّب تشغيل التقنية كارتي RTX 5090 في العرض التقديمي في مارس الماضي، إلى نحو 1.4 ضعف في مايو على بطاقة RTX 5090 واحدة فقط، ثم إلى 2.5 ضعف في يوليو، ليصل أخيرًا إلى 5 أضعاف الأداء الأصلي مع جيل RTX 50 من بطاقات RTX في أغسطس!


وهو معدل تحسّن سريع جدًا يوحي بأن الشركة لا تزال في بداية استغلال إمكانات هذا النموذج، لا نهايتها. الأمر الذي أكدته الشركه للتو أيضًا، حيث أعلنت عن المزيد من الزيادة في الأداء، بل وحتى دعم جيل RTX 40 الأقدم.

وداعًا للرسوم التقليدية

على مدار العشر سنوات الماضية، ظلّت NVIDIA تُحسّن في جودة البصريات بشكل مُستمر، حتى أصبحنا أمام حقيقة واحدة لا يُمكن إنكارها. الرسوم التقليدية أصبحت شيئًا من الماضي. فدايةً من مُحركات الفيزيائية في بداية الألفية الجديدة، مرورًا بتقنيات تتبّع الأشعّة، ووصولًا إلى تقنية الرسم الموجّهة بالذكاء الاصطناعي الجديدة، تؤكّد NVIDIA أنها لا تزال تهتم بعالم الألعاب والرسوميات، وإن كانت طريقة تنفيذ ذلك اختلفت عن الماضي.

كما أنها لم تترك شيئًا للخطأ أو الصدفة، أو حتى للقيود التقنية. الأمر الذي جعلها تُطلق تقنيات DLSS كوسيلة لتحسين الأداء في المقام الأول، لتتطوّر بعد ذلك إلى ما نراه أمامنا اليوم. مكتبة أدوات كاملة، تعمل على تحسين جودة الصورة وزيادة الأداء في نفس الوقت. الأمر الذي يجعلنا نُجيب على السؤال الذي أطلقناه في بداية هذا المقال وهو: لماذا ظهرت تقنيات رفع الأداء في المقام الأول؟

والإجابة البسيطة في وقتنا الحالي تحوّلت من "رفع الأداء" ببساطة، إلى "تحسين تجربة الألعاب" بشكلٍ عام، بل الانتقال بعالم الألعاب نفسه إلى المرحلة التالية من الواقعية. فأنت ستحصل على جودة رسومية أعلى، ومستويات أداء أفضل، تُعالج كل مشاكل التطوير التي نُواجهها كل يوم.

فحتى مع الألعاب السيئة على صعيد عملية التحسين أو التنقيح (optimization) لا تزال ستحصل على مستويات أداء ممتازة للغاية بفضل عملية توليد الإطارات التي وصلت إلى 6 أضعاف 6X. وإن كانت المُشكلة هل الجودة الرسومية الأضعف، التي تجعل الألعاب القديمة المصقولة مثل Batman Arkham Knight، تتفوّق على نظيراتها الأحدث، فسيتم حلها بعمليات التحسين التي تُطبّقها DLSS 5. وإن كانت المُشكلة هي الضوضاء التي تُحدثها عملية تتبّع الأشعّة أو تتبّع المسار Path Tracing، فسيتم التعامل معها بتقنية إزالة التشويش Ray Reconstruction.

تُقدّم NVIDIA مع DLSS 5 نقلة نوعية حقيقية لا مجرد تحديث تجميلي:

  • تقنية موجّهة بالأبعاد الثلاثية.
  • حتمية النتائج.متسقة زمنيًا مع الإطارات (تُحافظ على عدم حدوث تشوّه في الإطارات نتيجة توليد خاطئ).
  • وتعمل بدقة 4K في الزمن الحقيقي فعليًا.
  • مع الحفاظ الكامل على سلامة الإطار المرسوم أصلًا من محرك اللعبة بدون تغيير في أشكال الأجسام.
  • وتحليل ذكي للعناصر لتقديم إضاءة وخامات أقرب ما تكون للواقع.
  • دون أن تُفلت زمام الأمر من يد المطور بفضل أدوات التحكم الإبداعية التي تحافظ على النية الفنية الأصلية للعبة. 

وتؤكد NVIDIA أن دمج التقنية في الألعاب القادمة سيكون سهلًا نسبيًا، إذ تعتمد على إطار عمل NVIDIA Streamline نفسه المُستخدم في كامل حزمة DLSS، بالإضافة إلى إضافة جاهزة لمحرك Unreal Engine 5، وهي ميزة اختيارية ومستقلة تمامًا يمكن للاستوديوهات تفعيلها بجانب Super Resolution و Multi Frame Generation و Ray Reconstruction حسب رغبتها، وهو ما يفتح الباب أمام موجة أوسع من الألعاب للانضمام قريبًا بعد NBA 2K27.

لا شك أن الأسابيع القادمة ستشهد المزيد من التفاصيل والعروض العملية. ولا شك أن الفترة القادمة ستكون هي البداية الحقيقية لعصر جديد من التفوّق الرسومي، أو لنقل الجيل التالي من الرسوميات!