كيف تعمل تقنية الـ VAR؟ شرح مبسط لإحدى أكثر تقنيات كرة القدم إثارة!
ربما تكون تقنية الـ VAR هي الاختراع الوحيد الذي يستطيع إيقاف أكثر من مليار مشاهد في اللحظة نفسها. فعندما يظهر إشعار المراجعة على الشاشات، يتوقف اللاعبون عن اللعب، وتتوقف الجماهير عن الاحتفال، ويتوقف المعلق عن الجزم بأي شيء. فجأة يصبح الجميع في حالة انتظار لقرار يصدر من غرفة مليئة بالشاشات والكاميرات خارج أرض الملعب.
خلال سنوات قليلة تحولت هذه التقنية من فكرة تجريبية مثيرة للجدل إلى عنصر أساسي في أكبر البطولات العالمية. وبين من يراها حارسًا للعدالة الكروية ومن يتهمها بسرقة متعة اللعبة، يبقى السؤال الأهم: كيف تعمل تقنية الـ VAR فعلًا؟ وما الأسرار التقنية التي تجعل بضعة أشخاص خلف الشاشات قادرين على تغيير مصير مباراة يشاهدها الملايين حول العالم؟ هذا ما سنكتشفه في هذا المقال.

كيف ولدت فكرة الـ VAR؟
لم تظهر تقنية الـ VAR من فراغ، وإنما جاءت نتيجة عقود من الجدل حول أخطاء تحكيمية تركت آثارًا لا تُنسى في تاريخ كرة القدم. فقبل عصر الإعادات الفورية والشاشات العملاقة، كان قرار الحكم نهائيًا حتى لو أثبتت اللقطات التلفزيونية لاحقًا أنه خاطئ بشكل واضح.
من أشهر تلك الوقائع لمسة اليد الشهيرة التي سجل منها اللاعب تييري هنري هدفًا ساعد منتخب فرنسا على التأهل إلى كأس العالم 2010 على حساب أيرلندا، إضافة إلى هدف فرانك لامبارد الملغى أمام ألمانيا في مونديال 2010 رغم تجاوز الكرة خط المرمى بوضوح. وقد تحولت هذه الحوادث وغيرها إلى أمثلة متكررة في النقاشات الداعية إلى الاستعانة بالتكنولوجيا لحماية عدالة اللعبة.

رغم تزايد الضغوط، ظلت كرة القدم من أكثر الرياضات مقاومة للتكنولوجيا. فقد رأى الكثيرون داخل الاتحاد الدولي أن الأخطاء التحكيمية جزءًا من طبيعة اللعبة وجزءًا من قصصها المثيرة، كما سادت مخاوف من أن تؤدي المراجعات التقنية إلى إبطاء المباريات وإفساد انسيابها.
ومع ذلك، أدى التطور الهائل في تقنيات البث والاتصالات إلى طرح سؤال صعب: كيف يمكن لملايين المشاهدين رؤية الخطأ فورًا بينما يبقى الحكم وحده محرومًا من هذه المساعدة؟ هذا السؤال كان أحد المحركات الرئيسية لمشروع تطوير المراجعة بالفيديو الذي بدأ في هولندا خلال العقد الماضي.
بعد سنوات من التجارب في بطولات مختلفة، اتخذ مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم IFAB قرارًا تاريخيًا في 3 مارس 2018 بإدراج تقنية الـ VAR رسميًا ضمن قوانين اللعبة. جاء القرار بعد فترة طويلة من الاختبارات الميدانية والدراسات التي هدفت إلى تقليل الأخطاء المؤثرة في نتائج المباريات، مع الالتزام بمبدأ أساسي هو أقل قدر من التدخل وأكبر قدر من الفائدة.

ما هي تقنية الـ VAR؟
يعود اختصار VAR يعود إلى Video Assistant Referee أي حكم الفيديو المساعد، وهو حكم بشري مؤهل يجلس داخل غرفة مجهزة بعشرات زوايا التصوير والإعادات التلفزيونية لمساعدة طاقم التحكيم الموجود على أرض الملعب. تضم المنظومة عادة حكم فيديو رئيسي ومساعد (AVAR) أو أكثر، إضافة إلى مشغلي الإعادات الذين يوفرون اللقطات المطلوبة بسرعة ودقة.
رغم أن الجماهير ترى الشاشات والخطوط الرقمية والرسومات المتطورة، فإن التكنولوجيا هنا تؤدي دور الأداة فقط. أما تقييم اللقطات وتفسير قوانين اللعبة فيبقى مهمة بشرية بالكامل. لهذا السبب يختلف أحيانًا تفسير الحالة الواحدة من حكم إلى آخر، لأن الـ VAR لا يلغي العنصر البشري في التحكيم، وإنما يمنحه زوايا رؤية إضافية تساعده على اكتشاف الأخطاء الواضحة أو الوقائع التي فاتت طاقم المباراة أثناء اللعب.
أما الفرق الأساسي بين حكم الساحة وحكم الفيديو فيكمن في طبيعة الدور الذي يؤديه كل منهما. فحكم الساحة يعيش أحداث المباراة لحظة بلحظة ويتخذ القرارات الفورية داخل الملعب، بينما يتابع حكم الفيديو المشاهد نفسها عبر الإعادات واللقطات البطيئة ومن زوايا متعددة. وعندما يعتقد حكم الفيديو أن هناك خطأ واضحًا أو واقعة مهمة لم تُرصد بالشكل الصحيح، فإنه يوصي بمراجعة الحالة عبر نظام الاتصال بين أفراد الطاقم التحكيمي.
لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: إذا كان حكم الفيديو يرى اللقطة بوضوح من عدة زوايا، فلماذا لا يتخذ القرار بنفسه؟ الإجابة تكمن في فلسفة البروتوكول الذي وضعه مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم IFAB.
فالقانون ينص صراحة على أن القرار النهائي يجب أن يبقى بيد الحكم الموجود داخل الملعب، بينما يقتصر دور الـ VAR على تقديم المساعدة والتوصية بالمراجعة. وقد صُمم هذا المبدأ للحفاظ على سلطة الحكم ومنع تحويل إدارة المباراة إلى غرفة بعيدة عن أرض الملعب. لذلك، حتى بعد مشاهدة جميع الإعادات، يبقى الحكم هو الشخص الوحيد المخول بتأكيد قراره أو تعديله، وهو ما يفسر لماذا يظهر أحيانًا متجهًا إلى شاشة المراجعة قبل إصدار حكمه النهائي.

متى يتدخل الـ VAR؟ ولماذا لا يراجع كل شيء؟
رغم أن تقنية الـ VAR تراقب المباراة بالكامل من البداية إلى النهاية، فإنها لا تتدخل في كل قرار تحكيمي كما يعتقد البعض. فقد وضع مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم IFAB مبدأ أساسيًا يحكم عمل التقنية، وهو التدخل فقط عند وجود خطأ واضح ومؤثر في المباراة أو عند حدوث واقعة مهمة فاتت على طاقم التحكيم.
الهدف من ذلك هو الحفاظ على إيقاع اللعب ومنع توقف المباراة بعد كل احتكاك أو مخالفة بسيطة. لهذا السبب تمر عشرات الحالات دون مراجعة، بينما تخضع حالات محددة فقط للفحص الدقيق. تشمل الحالات التي يحق للـ VAR التدخل فيها أربع فئات رئيسية:
- الأهداف: مراجعة كل هدف يتم تسجيله للتأكد من عدم وجود مخالفة في بناء الهجمة، أو حالة تسلل، أو لمسة يد غير قانونية سبقت التسجيل.
- ركلات الجزاء: فحص القرارات المتعلقة باحتساب ركلات الجزاء أو عدم احتسابها، للتأكد من صحة قرار الحكم بشأن المخالفة داخل منطقة الجزاء.
- البطاقات الحمراء المباشرة: مراجعة الحالات التي قد تستوجب الطرد المباشر بسبب اللعب العنيف أو السلوك الخطير، مع العلم أن الإنذارات الصفراء العادية لا تدخل ضمن اختصاص التقنية.
- حالات الهوية الخاطئة: التدخل عندما يعاقب الحكم لاعبًا غير اللاعب الذي ارتكب المخالفة، سواء بالإنذار أو الطرد.
لكن وجود إحدى هذه الحالات لا يعني تلقائيًا إيقاف اللعب أو استدعاء الحكم إلى الشاشة. فالعامل الحاسم هو ما يعرف بقاعدة الخطأ الواضح والمؤثر. فإذا كانت اللقطات تثبت بوضوح أن القرار المتخذ خاطئ، أو أن واقعة مهمة لم يلاحظها الحكم، يتواصل فريق الفيديو مع حكم الساحة ويبلغه بضرورة المراجعة. أما إذا كانت الحالة تحتمل أكثر من تفسير تحكيمي أو كانت الأدلة غير حاسمة، فعادة ما يستمر اللعب ويظل القرار الأصلي قائمًا.

هل قرار الـ VAR دائمًا صحيح؟
رغم أن تقنية VAR صُممت لتقليل الأخطاء التحكيمية، فإنها لم تنجح في إنهاء الجدل الكروي كما توقع كثيرون عند إطلاقها. فخلال السنوات الماضية شهدت البطولات الكبرى عدة قرارات مثيرة للجدل اتخذت بعد مراجعة الفيديو أو بسبب أخطاء حدثت أثناء عملية المراجعة نفسها. من أشهر الأمثلة ما وقع في مباراة توتنهام وليفربول بالدوري الإنجليزي عام 2023، عندما أُلغي هدف صحيح سجله لويس دياز بداعي التسلل، بسبب سوء تواصل بين طاقم التحكيم داخل الملعب وغرفة الفيديو.
وقد اعترفت الجهات التحكيمية لاحقًا بحدوث خطأ بشري في إدارة المراجعة. كما شهدت بطولات أخرى حالات أثارت نقاشات واسعة حول ركلات جزاء ولمسات يد وقرارات طرد اتُخذت بعد العودة إلى الشاشات، لكن الجماهير والخبراء استمروا في الاختلاف بشأنها.
هنا يظهر فرق مهم بين خطأ النظام وخطأ التفسير البشري. فالنظام التقني نفسه مسؤول عن نقل الصور واللقطات وتوفير زوايا الرؤية المختلفة، وهو يؤدي هذه المهمة بدقة عالية في معظم الأحيان. أما القرار النهائي فيبقى بيد البشر، سواء كانوا حكام الساحة أو حكام الفيديو.
كما أن وجود عشرات الكاميرات لا يعني بالضرورة الوصول إلى إجابة واحدة يتفق عليها الجميع. فبعض الحالات تعتمد على التقدير الشخصي، مثل تحديد ما إذا كان التدخل يستحق بطاقة حمراء مباشرة، أو ما إذا كان الاحتكاك داخل منطقة الجزاء كافيًا لاحتساب ركلة جزاء.
في هذه المواقف قد يشاهد ملايين الأشخاص اللقطة نفسها من الزاوية نفسها ويصلون إلى استنتاجات مختلفة تمامًا. لهذا السبب بقي الجدل جزءًا من كرة القدم حتى في عصر الـ VAR، لأن التقنية تستطيع توفير الأدلة، بينما يظل تفسير تلك الأدلة مهمة بشرية قابلة للاختلاف.

هل سيصبح الذكاء الاصطناعي هو الحكم القادم؟
إذا كانت تقنية الـ VAR قد طورت طريقة إدارة المباريات خلال السنوات الأخيرة، فإن ما يحدث اليوم قد يكون مجرد خطوة أولى نحو مستقبل أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي. فالاتحاد الدولي لكرة القدم والجهات التقنية الشريكة له يعملون باستمرار على تطوير أنظمة قادرة على تحليل أحداث المباراة بسرعة ودقة، بهدف تقليل زمن المراجعات ومساعدة الحكام على اتخاذ قرارات أكثر اتساقًا.
أحد أبرز هذه التطورات هو نظام التسلل شبه الآلي، الذي ظهر عالميًا في كأس العالم 2022 ثم توسع استخدامه في بطولات عديدة لاحقًا. يعتمد النظام على كاميرات متخصصة تتبع مواقع اللاعبين والكرة بشكل لحظي، إلى جانب خوارزميات تحسب وضعية التسلل خلال أجزاء من الثانية.
لا يتوقف الأمر عند التسلل فقط. فشركات التكنولوجيا الرياضية ومراكز الأبحاث تعمل على تطوير أنظمة ذكية قادرة على تحليل الاحتكاكات بين اللاعبين، وتتبع حركة الأطراف، وتقدير قوة التدخلات، ورصد بعض المخالفات المحتملة بصورة آلية. ومع أن هذه الابتكارات قد تجعل التحكيم أكثر دقة في المستقبل، إلا أن القرار النهائي ما زال يعتمد على التقييم البشري في كثير من الحالات الجدلية.
ربما لهذا السبب ينظر كثير من المختصين إلى VAR باعتباره أداة لتحسين العدالة التحكيمية وليس وسيلة لتحقيق الكمال المطلق. فقد نجحت التقنية في تصحيح عدد كبير من الأخطاء الواضحة التي كانت تمر دون مراجعة في الماضي، لكنها لم تستطع إلغاء عنصر الاجتهاد البشري الذي سيظل حاضرًا ما دام البشر هم من يفسرون قوانين اللعبة ويتخذون قراراتها الحاسمة.
?xml>