يوماً بعد يوم يتقدم المجال التكنولوجي بشكل كبير جداً ونرى يومياً المزيد من التقنيات المُبهرة وبالطبع مجال الألعاب كان أحد أبرز المجالات المُستفيدة من هذا التطور والتقدم.

إذا قمنا بتحليل الألعاب وبينا أوجه التقدم والاختلاف الموجود بين ألعاب الماضي وألعاب الحاضر، نجد أن الفكرة العامة التي تدور حولها الألعاب هي الواقعية.

دائماً ما تحاول الألعاب الوصول إلى أقصى قدر من الواقعية، ولكي تتحقق الواقعية يجب الارتقاء بجودة الرسوم الموجودة في اللعبة نفسها وبالطبع الاهتمام بالذكاء الاصطناعي الخاص بالشخصيات داخل اللعبة والتحريك والعديد من الجوانب الأخرى التي ستؤدي في النهاية إلى محاكاة أكثر واقعية.

لكننا في الآونة الاخيرة أصبحنا نشاهد اهتمام كبير جداً بالرسوم داخل اللعبة وبالتحديد جودة التفاصيل ودقة العرض، وبدأنا نشعر أن هذا التركيز بدأ يؤثر بالسلب على بعض الجوانب الاخرى في اللعبة لأنها لا تأخذ القدر الكافي من الاهتمام والتطوير مثل الرسوم.

في هذه المناقشة سوف نحاول تحليل هذه المعضلة لنحدد إذا ما كان التركيز على جودة الرسوم هو الأهم بالفعل، أم أنه ضرر كبير يؤثر على جودة اللعبة عموماً؟

تطوير الرسوم بشكل خاطئ.

لفترة طويلة كان اتجاه صانع المعالجات المركزية والمعالجات الرسومية تقديم عتاد قادر على معالجة صور بدقات عرض مرتفعة للغاية، لأن مطور الألعاب نفسه كان يرى أن التطور الرسومي الوحيد زيادة المزيد من التفاصيل مع دعم لدقات عرض مرتفعة.

وبالفعل خلال فترة قصيرة جداً أصبحنا نشاهد قفزات كبيرة في أرقام دقة العرض ولكن بدأ المستخدم العادي يلاحظ أن الفروق ليست جوهرية إلى حد كبير ولا يجب إنفاق كل هذه الأموال للحصول على دقة العرض المرتفعة.

وهنا بدأ مُقدم العتاد في التفكير من زاوية أخرى وبالفعل وجدنا أن جودة الرسوم لا تعتمد بالشكل الكلي على دقة العرض وزيادة التفاصيل فقط بل يوجد مجموعة من العناصر الأخرى الهامة مثل الظلال والأضواء التي تساعد بالفعل على نقل تجربة واقعية إلى حد كبير من الناحية الرسومية على الأقل.

والآن أصبح لدينا الكثير من المعالجات الرسومية التي تعمل على معالجة الظلال والأضواء مثل تقنية تتبع الأشعة المقدمة من Nvidia وقد تختلف أو تتفق معي حول جدوى هذه التقنية في الوقت الحالي خصوصاً بالمقارنة مع سعرها، إلا أن هذا التوجه عموماً في تطوير الألعاب هو السبيل لتقديم رسوم أكثر واقعية.

كذلك المطور نفسه بدأ يهتم جداً بفكرة الظلال والأضواء داخل الألعاب، وشخصياً أتوقع أن شريحة كبيرة من ألعاب الجيل القادم إن لم يكن معظمها ستدعم تقنيات تتبع الأشعة أو على الأقل تقنيات شبيهة.

البيئة وتفاعلها.

لنطرح تساؤل، ما الذي يفرق الحياة الواقعية عن اللعبة؟

قد يكون المنظور الذي نرى منه الصورة في الحياة الواقعية، فنحن دائماً نرى الصورة من منظور الشخص الأول، والحقيقة هذه النقطة تم حلها بشكل كبير في الألعاب فالآن لدينا الكثير من الألعاب من منظور الشخص الأول، والألعاب من منظور Upside down او الشخص الثالث تكون هكذا بحكم نوعها فقط ليس مشكلة أو صعوبة في التطوير.

حسناً قد يكون الاختلاف في دقة العرض، بالطبع العين البشرية ترى بدقة عرض أفضل بكثير من أي دقة عرض داخل أقوى لعبة ولكن في الحقيقة ليست هذه النقطة هي المعيار الحقيقي الفارق خصوصاً وأن الألعاب يتم عرضها على شاشات صغيرة نسبياً بالمقارنة مع مجال رؤية العين البشرية.

لكن الفارق الحقيقي بين الالعاب والواقع هو التفاعل.

في الحياة الواقعية يمكنك التفاعل مع أي شيئ، انظر لغرفتك الآن ستجد أنك بإمكانك فتح أي درج، استخدام جميع الأدوات الموجودة على المنضدة، الجلوس على أي كرسي أو سرير.

كذلك إذا كان يوجد في غرفتك مروحة صغيرة على الأرض وأنت قمت بالسير فوقها، فبكل تأكيد ستعرقل وقد تنكسر المروحة.

هذا هو الفارق الكبير بين الألعاب والحياة الواقعية، البيئة وكيفية تفاعلها معك كلاعب، في الماضي كنا نرى اهتمام من المطور تجاه البيئة المحيطة باللاعب، على سبيل المثال اتذكر لعبة مثل fable the lost chapters وهي لعبة تم إصدارها عام 2004 أي أن مراحل تطويرها قد بدأت قبل هذا التاريخ.

في هذه اللعبة يمكنك التحكم بالكثير من عناصر البيئة، يمكنك تدمير الكثير من الأشياء الموجودة أو مهاجمة الحيوانات والدجاجات الموجودة داخل القرى.

بالطبع هذه التفاعلات لم تكن منطقية سواء من حيث الحركة أو الفكرة عموماً ولكن في نهاية المطاف كان العديد من العوامل الموجودة في البيئة المحيطة حية ليست جامدة، وكان من المفترض أن يهتم المطور بهذه النقطة ويسخر الامكانيات الحالية الموجودة من حيث العتاد والتقنيات لتقديم عالم أكثر حيوية.

للأسف الكثير من الألعاب الموجودة في الوقت الحالي تقدم لك صور مبهرة مليئة بالتفاصيل، إذا كنت تلعب في غابة ستجدها غابة كثيفة جداً مليئة بالأشجار العالية متنوعة الألوان والتفاصيل وكأن كل شجرة تم رسمها بشكل منفصل، ولكن بمجرد السير في الغابة ستُدرك انها مجرد صورة ممتازة لا حياة فيها ولا يمكن التعامل معها، إذا مررت على شجرة صغيرة في الارض تجد شخصيتك تتجاوزها بكل سهولة أو تسير فوقها بشكل يجعلك تُدرك أنه مازال يوجد فجوة كبيرة جداً بين الألعاب أو الحياة الواقعية.

الكثير من الألعاب الاخرى نجد الشخصية تحتاج إلى الالتفاف والتعلق بالعديد من الأشياء للعبور من منطقة معينة في حين أنها من الممكن أن تكسر النافذة وتعبر من خلالها ولكن المشكلة أن العالم غير تفاعلي واللعبة خطية بشكل كبير جداً، حتى وإن كان يوجد نافذة قابلة للتحطيم أو ما شابه فغالباً يتم تطويرها بشكل مستقل وستجدها مميزة عن باقي النوافذ الموجودة في اللعبة.

من وجهة نظري إذا كنا نبحث عن تجربة أكثر واقعية يجب أن نبحث عن عالم أكثر تفاعل يمكننا الدخول فيه والتحكم بعناصره وبالطبع تؤدي من خلاله المهمات بحرية كاملة وحسب وجهة نظرنا وطبقاً لمعطيات وإمكانيات البطل أو البطلة.

الذكاء الاصطناعي.

يعد الذكاء الاصطناعي أحد العقبات التي تحتاج إلى مزيد من التطوير، لأن الذكاء الاصطناعي هو ما يعطي التجربة بُعد واقعي.

وعند الحديث عن الذكاء الاصطناعي نحن لا نطلب عدو صعب لا يمل من مطاردتك بل نحن نطلب عدو طبيعي يستطيع الإدراك وتحليل بعض المعلومات الأولية، كأن يهرب إذا بدأ يشعر أن مستوى الصحة الخاص به شارف على الانتهاء، أو أن يحاول مناداة أصدقاءه بدلاً من مواجهتك بشكل مُنفرد.

الخلاصة.

جودة الرسوم هي أمر هام جداً في الألعاب وشخصياً عندما لعبت Assassin's Creed odyssey انبهرت كلياً بجمال الرسوم الموجودة في اللعبة، التفاصيل غزيرة جداً والمباني مُصممة بشكل رائع.

عند دخول مدينة أثينا في اللعبة انبهرت بحق من جودة التفاصيل والتماثيل العملاقة التي تحاكي هذه الفترة الزمنية بكل واقعية، ولا يمكنني أن أنتقد هذه الجودة الرسومية بأي شكل من الأشكال.

لكن كل ما في الامر أنني أرغب في رؤية توجهات أخرى أثناء عملية التطوير وأن يتم وضع البيئة وتفاعلها على قمة أولويات المطور، ففي وجهة نظري أرى أن تقديم بيئة متفاعلة بشكل كامل سيؤثر بشكل إيجابي جداً على جودة الألعاب وطرق إنهاء المهمة وتنوعها.

على أي حال كان هذا رأي الخاص، وشخصياً أرى أن جودة الرسوم ليست المعيار الوحيد للجودة في الألعاب، بالطبع هو معيار لا يجب إغفاله ولكن بكل تأكيد يجب على المطور الاهتمام بعدة معايير أخرى فهي أحد السبل للوصول إلى الواقعية التي يسعى خلفها المطور على مدار السنوات.

على أي حال الجيل الجديد من الأجهزة اقترب ومع كل جيل من الأجيال شاهدنا طفرة كبيرة في عملية تطوير الألعاب، لذلك فنن سننتظر حتى نرى العناوين الجديدة كيف ستكون وما هي النقلة النوعية التي ستحصل عليها الألعاب بفضل العتاد الجديد.

أخيراً لا تنسى عزيزي القارئ أن تشاركنا رأيك، هل ترى الرسوم هي الجانب الوحيد الذي يتحكم في جودة الالعاب أم ترى جوانب أخرى يجب التركيز عليها أثناء عملية التطوير؟

طالع أيضاً: لماذا تتفوق FIFA 2007 على FIFA 2020 بعد 13 عام كاملة من الإصدار؟!