في الخامس عشر من يناير 2026، فعلها دارين واتكينز (IShowSpeed). دخل غرفة الدفن في الهرم الأكبر وبث مباشرة لملايين المتابعين دون انقطاع واحد.

"الخرسانة والحجر هما العدو الأول للبث الحي".

فما بالك إذا كان هذا الحجر هو أطنان من الصخور الجيرية والجرانيت المتراصة منذ آلاف السنين لتشكل الهرم الأكبر، أحد أكثر المباني عزلة للإشارات اللاسلكية في العالم؟

بالنسبة لمن يعرف طبيعة الأهرامات، فهذه الكتل تعمل كعازل طبيعي (Faraday Cage) يقتل أي إشارة لاسلكية فور اقترابك من الممرات الداخلية. فما الذي حدث خلف كواليس البث التاريخي، والأول من نوعه، مُباشرةً من داخل أهرامات الجيزة.

المعجزة التقنية.. كيف لم تنقطع الإشارة؟

خلف هذه الصورة العفوية، كانت هناك وحدة بث خارجي (OB Unit) تابعة لوكالة ANA تعمل كغرفة عمليات. البث من داخل مكان كالهرم لا يمكن أن يعتمد على شرائح الـ 5G المعتادة في حقائب البث (IRL Backpacks). الإشارة هناك "صفر".

اعتمد التجهيز الهندسي على ثلاثة محاور:

تمديد الكابلات الأرضية والعمود الفقري للشبكة

وكالة ANA المسؤولة عن العمليات الفنية قررت الاعتماد على تمديد كابلات ألياف ضوئية (Fiber) وأخرى من نوع إيثرنت صناعي لمسافات طويلة جداً. بدأت هذه الكابلات من وحدات البث الخارجية المستقرة في ساحة الهرم، ثم سُحبت يدوياً عبر الممرات المتعرجة والضيقة وصولاً إلى "غرفة الملك".



يمثل هذا الحل الوحيد لاستقرار البث الحي بدقة عالية (Bitrate) وتدفق مستمر للبيانات. الحجر الجيري والجرانيت يمتصان موجات الـ 4G والـ 5G بالكامل، مما جعل الاعتماد على الكابلات هو "الخيار الأوحد" لتأمين وصول الإنترنت إلى أعماق الهرم.

توزيع نقاط الوصول المؤقتة (Access Points)

لضمان حرية حركة سبيد داخل الغرف والممرات دون أن يكون مقيداً بكابل مباشر في يده، تم زرع أجهزة تقوية إشارة ونقاط وصول (APs) في زوايا استراتيجية ومدروسة. ترتبط هذه النقاط بنهاية الكابلات الممدودة من الخارج، لتعمل كواجهة لاسلكية قريبة جداً من حقيبة البث التي يرتديها سبيد.

تحتوي هذه الحقيبة على أجهزة دمج إشارات احترافية (مثل LiveU أو TVU) صُممت لتلقي الإنترنت من نقاط الوصول هذه وإرسال الفيديو الخام إلى خوادم البث. هذا النظام ضمن عدم حدوث أي فقدان للبيانات (Packet Loss) حتى عند تحرك سبيد بسرعة أو صراخه الذي يسبب ضغطاً صوتياً هائلاً على معالجات البث.

التنسيق اللوجستي مع لجنة الأفلام المصرية

لعبت لجنة الأفلام المصرية دوراً محورياً في توفير التسهيلات اللوجستية والمعدات التكميلية التي أظهرت المعلم الأثري بشكل لائق. شمل هذا التنسيق السماح باستخدام طائرات الدرون الاحترافية وتوفير الترددات اللازمة لربط إشارتها بمحطة البث الرئيسية (OB Van).

تم دمج لقطات الدرون الخارجية مع كاميرا سبيد المحمولة بمرونة تامة، مما خلق انتقالاً بصرياً سلساً للمشاهدين حول العالم. سبقت هذا اليوم بروفات تقنية مكثفة استمرت لعدة أيام لاختبار سرعة الاستجابة (Ping) والتأكد من توافق المعدات مع الطبيعة الجيولوجية الصعبة للموقع.



يمثل نجاح هذا البث شهادة كفاءة للفرق التقنية والجهات المنظمة التي طوعت التكنولوجيا لخدمة التراث الإنساني. إن القدرة على الحفاظ على بث مستقر من مكان معزول تماماً كقلب الهرم الأكبر تفتح آفاقاً جديدة لإنتاج المحتوى المباشر في أصعب الظروف البيئية والجيولوجية.

مرحلة ما قبل البث.. أيام من "البروفات"

النجاح الذي شاهدناه لم يكن وليد الصدفة. سبيد وفريق الإنتاج أجروا تجارب تقنية (Technical Rehearsals) استمرت أياماً قبل الموعد الرسمي. كان الهدف اختبار استقرار الـ "Ping" داخل الأنفاق الضيقة وضمان عدم حدوث "Packet Loss" يؤدي لتوقف البث عند تحرك سبيد بسرعة أو صراخه المعتاد الذي يضغط على ترددات الصوت.


لغز حذف فيديو القاهرة.. قناصو البث يُفسدوا الحفلة

بعد ساعات من النجاح التاريخي في الهرم، صدم سبيد جمهوره بحذف فيديو بث القاهرة. الأسباب هنا لم تكن تقنية بقدر ما كانت تنظيمية ولوجستية.

لماذا اختفى البث؟

لم تكتمل النشوة التي رافقت الإنجاز التقني داخل الهرم في شوارع القاهرة. سرعان ما تحولت الرحلة إلى تحدٍ من نوع آخر دفع سبيد لحذف التسجيل بالكامل بعد ساعات من انتهائه.

بدأت الحكاية مع تجمهر أعداد غفيرة من الشباب حوله في وقت قياسي. تسبب هذا الاندفاع الجماهيري فيما يعرف بظاهرة "قناصي البث" أو Stream Snipers. ضاعت مساحة الحركة المطلوبة ولم يعد بإمكان سبيد التفاعل مع المحيط بعفوية. أدى هذا الزحام الشديد إلى تراجع جودة المحتوى البصري والصوتي بشكل ملحوظ.

ظاهرة Stream Snipers تطغى على جولة سبيد في مصر

برزت عقبة أخرى تعلقت بطبيعة التصوير الميداني في العاصمة. واجه سبيد إجراءات تنظيمية دقيقة تتطلب الحصول على تصاريح مسبقة لكل منطقة.

تعود سبيد في جولاته الأفريقية على حرية الحركة الكاملة دون قيود إدارية. تسبب هذا الاختلاف في نبرة إحباط واضحة ظهرت على ملامحه خلال البث. وجد الستريمر نفسه أمام بيئة تحكمها قواعد صارمة تهدف للحفاظ على النظام العام. قيدت هذه القواعد العفوية التي يبني عليها سبيد شهرته العالمية. وصف سبيد التجربة في لحظات غضبه بأنها لا تشبه ما عاشه في كينيا أو إثيوبيا.

جولة سبيد والبث المُباشر في كينيا

تفاقمت الأزمة في نهاية البث مع جولة القارب الخاص. كشف سبيد لاحقاً أثناء بثه في الجزائر عن كواليس ما جرى. استفسر سبيد مسبقاً عما إذا كانت الموسيقى ستسبب مشاكل في حقوق الملكية. تلقى تأكيدات كاملة بعدم وجود أي عوائق قبل بدء التصوير. فوجئ سبيد بعد نهاية البث بقيام فنان مصري بتقديم مطالبة حقوق ملكية على الفيديو. استهدفت المطالبة الاستحواذ على جميع عوائد إعلانات البث بالكامل.

iShowSpeed reveals what really happened to his Cairo IRL stream in Egypt — and why it was taken down — while speaking during his Sahara stream in Algeria.

Towards the end of the Egypt stream, Speed rented a private boat and checked in advance whether the music being played would… pic.twitter.com/RRU7k1QxiJ

— Cornelius K. Ronoh (@itskipronoh) January 17, 2026

ساهم هذا التداخل في قرار سحب الفيديو الأصلي كخطوة استباقية. أراد الفريق الحفاظ على صورة النجاح التاريخي الذي تحقق في الأهرامات. لم يكن من الجيد ترك مقاطع تظهر حالة الارتباك أو الانفعال ضد القوانين المحلية. استغل سبيد ميزات يوتيوب التي تسمح باستبدال المقاطع الصوتية المحمية. حذف سبيد الصوت المتنازع عليه ووضع موسيقى مجانية بديلة. أعاد سبيد رفع النسخة المعدلة لضمان عدم ضياع مجهوده لصالح المطالبين بالحقوق. تظهر الدقائق الأخيرة من بث القاهرة حالياً بموسيقى عشوائية وصوت مكتوم.

قراءة في أداء سبيد.. المحتوى مقابل التنظيم

بينما ظهر سبيد في الهرم كبطل يكسر القيود التقنية، ظهر في القاهرة كصانع محتوى مقيد. التباين بين البثين يوضح حقيقة هامة في إنتاج البث المباشر:

التجهيز التقني القوي (كما حدث في الهرم بمد الكابلات) لا يكفي لنجاح البث إذا غاب التنظيم اللوجستي والسيطرة على الحشود في الشارع.

في النهاية، رحلة سبيد في مصر وضعت معياراً جديداً لما يمكن تحقيقه تقنياً في أصعب المواقع الأثرية عالمياً. الهرم الأكبر لم يعد منطقة محظورة على البث المباشر، لكن الدروس المستفادة من "يوم القاهرة" تؤكد أن صناعة المحتوى الواقعي (IRL) في المناطق المزدحمة لا تزال تمثل التحدي الأكبر لأي منتج بث مباشر.