يسود شعور عام بأن هواتفنا الذكية قد تحولت إلى جواسيس بجيوبنا، فبمجرد أن تهمس لأحد أفراد عائلتك عن رغبتك في شراء حذاء جديد أو التخطيط لرحلة صيفية، تنهمر عليك إعلانات الوجهات السياحية والماركات الرياضية وكأن الهاتف كان طرفا ثالثا في الحوار. لكن الحقيقة برأي خبراء الصناعة والأكاديميين، تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التجسس عبر الميكروفون. خلال السطور التالية، سنأخذكم في رحلة خلف الكواليس حيث نستكشف هل هاتفك يتجسس عليك فعلًا؟ ولماذا تسبق الإعلانات لسانك بخطوة؟

وهم التنصت الرقمي

هاتف يحاول الاستماع لما تقوله - المصدر: موقع consumerreports

 

يؤكد خبير الإعلانات آري بابارو أن فكرة تنصت الهواتف على مليارات المستخدمين وتحليل كلامهم بمختلف اللغات واللهجات في نفس اللحظة ليست سوى تصور خيالي بعيد عن الواقع. فتنفيذ شيء كهذا تقنيًا يتطلب قدرات هائلة لمعالجة البيانات ونقلها، وهو ما كان سيؤدي ببساطة إلى استهلاك سريع وملحوظ لبطارية الهاتف وباقة الإنترنت وهو أمر لا يحدث فعليًا، ما ينفي هذه الفرضية من الأساس.

اقرأ أيضًا: "تمتلك هاتف سامسونج؟".. انتبه لأن إسرائيل قد تتجسس عليك!

ويوضح بابارو أنه بدلًا من التركيز على نظرية المؤامرة، يجب أن تضع في الاعتبار أن شركات الإعلانات تعتمد على كم هائل من البيانات التي تتركها يوميًا دون أن تشعر. كل نقرة، كل بحث، كل تطبيق تستخدمه، وحتى مدة بقائك على منشور معين، كلها إشارات يتم تجميعها لتكوين صورة دقيقة عنك. بالطبع هذه الصورة لا تتضمن اسمك أو هويتك المباشرة، لكنها تعمل على تصنيفك ضمن فئات تشمل اهتماماتك، نمط حياتك، قدرتك الشرائية، وحتى توقعاتك المستقبلية. بمعنى آخر، هاتفك لا يسمعك لكنه يتوقع ما تفكر فيه.

لماذا يبدو الأمر وكأنه تجسس؟

هاتف أندرويد وآخر آيفون يستمعان لمحادثات المستخدمين - المصدر: gemini

ربما لا تزال غير مقتنع تمامًا وتتساءل، كيف تتمكن تطبيقات مثل فيسبوك أو تيك توك من عرض أشياء تبدو وكأنك كنت تفكر فيها للتو؟ والحقيقة أن هناك مجموعة من العوامل التي تجعل هذا الإحساس يبدو مريبًا إلى هذا الحد وهذا يشمل:

1.التوقيت الذكي

أحيانًا يكون ظهور الإعلان مجرد مصادفة محسوبة. أنت تفكر في شيء، لكنك في الواقع بحثت عنه سابقًا أو شاهدت شيئًا مرتبطًا به.

اقرأ أيضا: خيانة مشروعة: قصة رحيلي عن آيفون بعد 5 سنوات من العشق

2.التأثير الاجتماعي

إذا كنت تعيش مع أشخاص آخرين، وحاول أحدهم البحث عن منتج قد يؤدي الأمر لظهوره لك أيضًا، لأنكما تستخدمان نفس الشبكة أو الموقع الجغرافي.

3.الترابط الخفي

الأنظمة الإعلانية بارعة في ربط الأشياء ببعضها. مثلًا، مشاهدة فيديو عن السفر + متابعة صفحة طيران + البحث عن فنادق = إعلان عن وجهة سياحية حتى لو لم تقل كلمة واحدة.

هل هناك دليل على أن الهاتف لا يتنصت؟

هاتفك يتجسس عليك ويتنصت على ما تقوله - المصدر: موقع بي بي سي

حاولت العديد من الدراسات التحقق من هذه الفكرة عبر تتبع سلوك التطبيقات وفحص ما إذا كانت تقوم بتسجيل الصوت في الخفاء. والنتيجة كانت واضحة، لم يتم العثور على أي دليل يشير إلى وجود تسجيلات صوتية تستخدم سرًا في الإعلانات. لكن في المقابل، كشفت هذه الدراسات عن حقيقة أكثر إثارة للقلق وهي أن أنظمة التتبع الرقمي واسعة جدًا، وتستطيع جمع وتحليل بياناتك بدقة قد تفوق توقعاتك بكثير.

 اقرأ أيضًا: لا تحتاج معدات خاصة: كيف تستخدم هاتفك لاكتشاف الكاميرات المخفية؟

كيف تقلل من تتبعك ومراقبة ما تفعله على الويب؟

كاميرا مراقبة مثبتة على جدار - المصدر: lifewire

إذا كان الأمر يزعجك، يمكنك تقليل عملية التتبع عبر خطوات بسيطة كالتالي:

  • استخدام متصفح يركز على الخصوصية مثل سفاري
  • قم بإيقاف تتبع الإعلانات من إعدادات الهاتف
  • حاول تقليل الأذونات الممنوحة للتطبيقات
  • لا تنسى حذف سجل التصفح بشكل دوري
  • قم بمراجعة إعدادات الإعلانات في حساباتك

في الختام، يمكن القول بأن الهواتف لا تحتاج إلى آذان من أجل التجسس علينا، فقد أعطيناها عيونا تراقب كل نقرة، وخرائط تتبع كل خطوة، وخوارزميات تحلل كل رغبة. نحن لسنا مراقبين بالصوت، بل نحن مكشوفون بالبيانات التي نتطوع بتقديمها كل ثانية. ولهذا، سيظل الإحساس بأن الهاتف يتصنت عليك هاجس لدى الكثيرين.