شبح معرض الترفيه الإلكتروني E3 يلوح في الأفق هذا الأسبوع
أتذكر جيداً تلك الليالي الصيفية الطويلة، حين كنا نقاوم النعاس بشرب أكواب القهوة المتتالية ونسهر حتى شروق الشمس، نتجمع خلف الشاشات لمتابعة البث المباشر لمعرض الترفيه الإلكتروني العريق. كنا ننتظر تلك اللحظات الساحرة التي تُحفر في ذاكرة الصناعة للأبد. من منا يمكنه أن ينسى تلك اللحظة الأيقونية، عندما اعتلى الممثل الشهير كيانو ريفز المسرح، ليصرخ أحد الحضور من وسط الجمهور المكتظ قائلاً "أنت تخطف الأنفاس!"، ليرد عليه كيانو بابتسامته المعهودة وتلقائيته التي أسرتنا جميعاً وهو يشير بيده للجمهور: "بل أنت من يخطف الأنفاس! جميعكم تخطفون الأنفاس!".
تلك الشرارة، ذلك التواصل العفوي، والصرخات التي كانت تنطلق لتهز جدران الغرفة في الثالثة فجراً مع كل إعلان مفاجئ، هي بالضبط ما عظم شغفنا بهذا العالم.
لا أعلم ماذا حدث، لكن كل شئ تحول إلى مسخ بداية من 2020! وكيف تحولت كل العروض التي ننتظرها بفارغ الصبر كل عام إلى مجرد بث مباشر نشاهده من وراء الشاشات وخالي من أي سبل تواصل بشرية معهودة، وكل ما يمكنك التفاعل معه هو الأشخاص الغُرباء في محادثات البث المباشر. مستقبل عظيم ينتظرنا بالفعل!

كيف أثبت هذا الأسبوع أن الحدث الأضخم في عالم الألعاب لم يمت حقاً
لسنوات طويلة، حاولت الشركات الكبرى في صناعة الألعاب إقناعنا بأن عصر المعارض المركزية الضخمة قد ولى بلا رجعة، وأن مستقبل الإعلانات يكمن في البثوث الرقمية المتفرقة التي تقيمها كل شركة على حدة على مدار العام. ولكن، بينما نجلس الآن خلف شاشاتنا، والتبويبات المتعددة تملأ المتصفح ونحن ننتظر بلهفة إنقضاء العداد التنازلي لظهور عبارة "العرض العالمي الأول" في تمام الرابعة فجراً، ندرك أن الأجواء الحالية لا تختلف أبداً عما كنا نعيشه في صيف عام 2018 الرائع.
قد تكون قاعات مركز مؤتمرات في لوس أنجلوس خالية تماماً من الزوار هذا العام، وقد غابت الأجنحة الضخمة المبهرة، لكن الجرعة المكثفة من الدوبامين والإعلانات الصادمة التي تزلزل الوسط التقني قد أعادت تشكيل نفسها بسلاسة مذهلة. فمع إطلاق علامة بلايستيشن لشرارة البداية عبر حدث State of Play، وتولي الإعلامي جيف كيلي زمام الأمور اليوم عبر Summer Game Fest، وصولاً إلى الحدث الأضخم المرتقب لـ إكس بوكس يوم الأحد، يبدو جلياً أن روح معرض الترفيه الإلكتروني الشهير والذي يعرف بـ E3 لا تزال حية وتنبض بقوة. بل تحولت إلى طيف يسكن هذا الأسبوع بأكمله.

حلقة State of Play الأخيرة وضعت المعايير الشرسة للمنافسة
الأسبوع بدأ بضربة قوية لا يستهان بها من بلايستيشن في State of Play. عندما شاهدنا العنف والشراسة في أسلوب لعب وولفرين، وبعدها الصدمة المذهلة بالإعلان عن God of War: Laufey، تيقنا أن تعطش اللاعبين للقصص الفردية العميقة ذات الميزانيات الانفجارية لن يختفي أبداً. الشركة اليابانية وضعت حجر الأساس لهذا الأسبوع، ورفعت سقف التحدي بشكل كبير.
كان الحدث ملئ بالمفاجآت الجيدة، ورأينا كيف أثرت لعبة GTA 6 على الصناعة بأكملها. حيث أننا سنرى معظم أو كل الألعاب الضخمة خلال السنة في شهر سبتمبر واكتوبر فقط! شهر نوفمبر سيكون فقط متمحورًا حول GTA 6.
لكن لا شك أن الاعلان الأبرز الذي سرق الأضواء وتسبب في انقسام حاد داخل مجتمع اللاعبين كان بلا شك الكشف عن الجزء الجديد من God of War.
هذا الإعلان بالتحديد فجّر موجة عارمة من الجدل والجدال المستمر. انقسامات اللاعبين تمحورت حول شقين؛ الشق الأول فني وقصصي، حيث يرى قطاع من الجماهير أن التركيز على شخصية لوفي (والدة Atreus) وتناول القصة من منظورها أو حتى إعطائها هذا الحيز الضخم قد يبعد السلسلة عن هويتها الدموية العنيفة التي ارتبطت دائماً بغضب كريتوس الجامح. في المقابل، يرى المدافعون عن هذا التوجه أنها خطوة شجاعة ومنطقية لتوسيع أفق الأساطير النوردية وإضافة عمق درامي جديد لم نعهده من قبل.
أما الشق الثاني من الجدل، فكان تقنياً بحتاً؛ حيث انتقد البعض أسلوب اللعب الذي ظهر في العرض، معتبرين أن اللعبة تبدو مألوفة جداً وتشبه أجزاء الجيل الماضي دون تقديم قفزة بصرية أو ميكانيكية ثورية تبرر كونها عنواناً حصرياً للجيل الجديد. هذا التضارب في الآراء أعاد إلينا أجواء نقاشات E3 القديمة، حيث كان كل إعلان كبير يتبعه أيام وأسابيع من التحليل الحاد والحروب الكلامية بين عشاق المنصات. رغماً عن أي انتقاد، نجحت سوني في أن تجعل الجميع يتحدث عنها، ورفعت سقف التحدي للسماء. لكن، هل ستتمكن باقي الفعاليات من استكمال هذه السيمفونية؟
ملخص حدث State of Play لشهر يونيو

ما ينتظرنا في Summer Game Fest اليوم
تطور حدث جيف كيلي على مدار السنوات القليلة الماضية ليصبح الجسر المثالي الذي يربط بين عمالقة الصناعة وبين المطورين المستقلين الذين يركزون على تقديم تجارب فنية وثقافية دقيقة ومبتكرة. واليوم الدور يأتي عليه بعد يومين فقط من حلقة State of Play الماضية.
ما يعجبني حقًا في هذا الحدث بالأخص انه لازال يحتفظ برونق E3 في جوهره، فهو ليس مجرد بث مباشر مُعد مُسبقًا وملئ بإعلانات الألعاب بدون توقف كـ State of Play أو XBOX Showcase بل هو حدث يقام في مبنى ضخم في لوس انجلوس مع جماهير حقيقية ومقدمين على المسرح أبرزهم جيف كيلي بالطبع.
توقعاتي لهذا الحدث لا تزال متواضعة للغاية صراحةً. على مدار الأعوام لم يكن Summer Game Fest الحدث الأكبر في الاعلان عن ألعاب كبيرة، بل لا استطيع تذكر شئ من ما تم الاعلان عنه العام الماضي سوى اعلان Resident Evil Requiem.
لكن أتوقع شخصيًا أننا سنرى شيئًا جديدًا عن توسعة Resident Evil 9 القادمة وفي الأغلب سنرى شيئًا عن الجزء القادم من نفس السلسلة وهو ما سيكون ريميك Code Veronica حسب التسريبات. أيضًا أعتقد أننا سنرى تفاصيل أكثر عن لعبة Resonance: A Plague Tale Legacy مع موعد إصدار سواء في خريف العام الحالي او تأجيل للعام المُقبل. واتمنى ان نعرف تفاصيل أكثر عن Tides of Annihilation.

بوابة المطورين المستقلين في فعالية Future Game Show نسخة الصيف
بين العمالقة الثلاثة، هناك فعالية مهمة في السادس من يونيو معظمنا يغفل عنها. فبينما لا تزال أصداء Summer Game Fest تتردد، ننتظر يوم السبت، السادس من يونيو، موعدنا مع عرض الألعاب المستقبلي Future Games Show. هذا الحدث تحديداً أصبح في السنوات الأخيرة هو المنصة الأصدق لاكتشاف الجواهر الخفية؛ فبينما تتصارع الشركات الكبرى على العناوين الضخمة، يأتي هذا العرض ليمنح المطورين المستقلين والمشاريع المبتكرة مساحة للتنفس. نتوقع هنا رؤية ألعاب تعتمد على آليات لعب مريحة، وتوجهات فنية تستلهم من جماليات مثل الرسوم المتحركة اليابانية الهادئة، وهو ما يمثل توازناً ضرورياً يكسر حدة الضجيج الذي يرافق عناوين الميزانيات الكبرى.

استعراض اكس بوكس سيكشف النور عن استراتيجية الشركة في المرحلة المُقبلة
ثم نأتي ليوم الأحد. التحدي الأكبر والمحك الحقيقي. علامة XBOX تدخل هذا الاستعراض وعليها ضغط يزن الجبال. مع اقتراب احتفالهم بمرور خمسة وعشرين عاماً على التأسيس، وتولي آشا شارما منصب الرئيس التنفيذي الجديد، يترقب الجميع رؤية الاستراتيجية الحقيقية للمرحلة القادمة. يجب على الإدارة الجديدة أن ترمي لغة الشركات والمقاييس التجارية الجافة في سلة المهملات. اللاعب لا يكترث لمقاييس الأعمال بين الشركات، اللاعب يهتم بالتجربة الصافية والأداء الفائق، وهذا بالضبط ما يجب أن تعكسه رؤية شارما: التركيز على أداء التقنيات الموجهة للمستهلك واللاعب أولاً وأخيراً، مع تقديم هوية واضحة للمنصة بعد فترة من التخبط.
التوقعات تشير إلى أننا لن نرى مجرد ألعاب، بل قد نحصل على التلميحات الأولى أو الكشف الأولي عن ملامح جهاز الجيل القادم من إكس بوكس، والذي يُشاع أنه سيركز بشكل مرعب على معالجة الذكاء الاصطناعي محلياً وتقديم قفزة عتادية غير مسبوقة ليكون منصة الأحلام لكل مهووس بالتقنية.
وعلى صعيد الألعاب، فإن استعراض لعبة Gears of War: E-Day سيكون درة التاج بلا شك، لكن الأنظار ستتجه أيضاً صوب الكشف الموسع عن Call of Duty: Modern Warfare 4. محبي السلسلة ينتظروا رؤية كيف ستستغل اللعبة محرك التطوير الجديد بالكامل لتقديم طور قصة سينمائي جديد، بجانب أسلوب لعب جماعي مصمم ليعتصر كل قطرة أداء من المنصات الحديثة.
شخصيأ، لا أعلم كيف ستعود اكس بوكس للمنافسة الفعلية بعد أعوام طوييلة من التخبط في الادارة وصناعة القرار وسلسلة التسريحات واغلاق الاستوديوهات الناجحة مثل Tango Gameworks و Arkane Austin و The Initiative. رغم عودة Tango Gameworks مجددًا تحت عباءة Krafton الكورية.

هل سنرى العرض الدعائي الثالث لـ GTA 6 هذا الأسبوع؟
وسط كل هذا الصخب والترقب الذي يملأ الأجواء، هناك سؤال غير معلن يتردد في أذهان الكثيرين، وتغذيه شائعات كثيرة وهو هل يمكن أن نشهد العرض الدعائي الثالث للعبة Grand Theft Auto 6 في أي من هذه الفعاليات؟
الإجابة المختصرة والمباشرة: مستحيل. رغم تأكيد الشركة المالكة لروكستار عن عدم تأجيل اللعبة مرة أخرى وانطلاق الحملات الدعائية في هذا الصيف، لكن من يعرف تاريخ شركة Rockstar يدرك تماماً أنها لا تتبع قواعد الصناعة، بل الصناعة هي من تتبعها. روكستار تمتلك كبرياءً وهالة تجعلها تترفع عن مشاركة أي منصة أو معرض مع الآخرين؛ هي لا تحتاج إلى جيف كيلي ليروج لها، ولا تحتاج لـ XBOX أو PlayStation لتعزيز مبيعاتها.
لذلك، وفروا حماسكم وتوقعاتكم العالية، فالعرض الثالث لن يظهر هذا الأسبوع. وبدلاً من ذلك، ستستيقظون في يوم ثلاثاء أو خميس عشوائي تماماً، لتجدوا أن الشركة قد أسقطت العرض فجأة على قناتها الرسمية وحساباتها في منصات التواصل دون أي مقدمات، لتقلب الإنترنت رأساً على عقب في ثوانٍ معدودة، وتسرق الأضواء من الصناعة بأكملها كما تفعل دائماً.

الخلاصة
الغالبية العظمى منا كلاعبين في المنطقة العربية لم يطأوا أرض مركز مؤتمرات E3 أبداً، ولم نرتدِ تلك البطاقات البلاستيكية حول أعناقنا.
مع ذلك، كنا نشعر بملكية تامة لهذا المعرض. سحر المعرض القديم لم يكن للمحظوظين الذين يتجولون داخل القاعات، بل كان يكمن في تلك "الحالة الشاملة" التي تصيب العالم كله في نفس الدقيقة. كان يكمن في فكرة أننا، ورغم آلاف الأميال وفروق التوقيت، نسهر حتى الفجر لنشهد نفس اللحظة، ونصرخ مع نفس المفاجأة، ونقضي الأيام التالية في نقاشات حامية لا تنتهي.
هذا الاسبوع أعاد لنا هذا الاحساس الغامر، ولا أزال أتوق بشدة إلى متابعة باقي العروض ومعرفة ما تخبئه لنا الصناعة من مفاجآت. واتمنى ان لا تكون العروض المتبقية مخبة للآمال!
?xml>