ألغى المجلس الدستوري الفرنسي، أعلى هيئة قضائية دستورية في البلاد، قانونًا كان يقضي بحظر وسائل التواصل الاجتماعي عن الأطفال دون سن الخامسة عشرة. رأى المجلس أن القانون فضفاض ويمس حرية التعبير والتواصل بصورة غير متناسبة مع هدفه، إضافة إلى إثارته مخاوف تتعلق بالخصوصية، في نكسة لخطة الرئيس إيمانويل ماكرون الذي دعم القانون.

  • أعلى محكمة فرنسية تلغي قانون حظر وسائل التواصل عن الأطفال دون 15 عامًا.
  • المجلس الدستوري يرى أن القانون يمس حرية التعبير بصورة غير متناسبة.
  • القانون كان سيحظر فتح حسابات جديدة للقاصرين ويثير مخاوف بشأن الخصوصية.
  • ماكرون يكلف رئيس الوزراء بإعادة صياغة القانون في أسرع وقت.

يخضع أي قانون في فرنسا لمراجعة المجلس الدستوري للتأكد من توافقه مع الدستور قبل دخوله حيز التنفيذ. كان المشرعون الفرنسيون قد صوتوا بأغلبية كبيرة لصالح هذا القانون الشهر الماضي، بما كان سيجعل فرنسا أول دولة في الاتحاد الأوروبي تفرض حدًا عمريًا من هذا النوع.

أسباب إلغاء قانون حظر وسائل التواصل

يمثل المجلس الدستوري في فرنسا الجهة المختصة بالبت في دستورية القوانين، وقراراته نهائية وملزمة. جاء إلغاء هذا القانون بعد إحالته إلى المجلس للتحقق من توافقه مع الدستور، وهو إجراء معتاد للقوانين المثيرة للجدل قبل تطبيقها. استند المجلس الدستوري في قراره إلى أن حظر وصول القاصرين إلى بعض الخدمات على الإنترنت يفرض ضمنيًا على كل شخص، حتى البالغين، إثبات عمره قبل الوصول إليها.

رأى المجلس أن القانون لم يحدد الشروط والحدود التي يجب أن يقدم بموجبها هذا الإثبات، ما يعني غياب الضمانات القانونية اللازمة لحماية الحق في الحياة الخاصة. أقر المجلس بأن هدف القانون المتمثل في حماية الأطفال هدف مشروع، لكنه اعتبر أن القانون يمس حرية التعبير والتواصل بصورة غير مناسبة ولا ضرورية ولا متناسبة مع هذا الهدف.

أشار المجلس كذلك إلى أن القانون فضفاض إلى درجة لا تسمح بمراعاة الوضع الفردي لكل قاصر أو المخاطر الخاصة بكل منصة على حدة. كان القانون سيمنع الأطفال دون سن الخامسة عشرة من فتح حساب على وسائل التواصل الاجتماعي اعتبارًا من الأول من سبتمبر. كما كان يلزم المنصات بإغلاق الحسابات المفتوحة بالفعل خلال أربعة أشهر، واعتماد آلية للتحقق من العمر تقرها الهيئة الفرنسية المعنية بحماية الخصوصية.

أعلى محكمة فرنسية تلغي قانون حظر وسائل التواصل عن الأطفال دون 15 عامًا

تداعيات القرار والسياق العالمي

شكَّل القرار نكسة للرئيس ماكرون الذي تبنى القانون ودعا مرارًا إلى حماية الأطفال والمراهقين من وسائل التواصل والشاشات. وعقب صدور الحكم، كلف ماكرون رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بإعادة صياغة القانون في أسرع وقت ممكن، مؤكدًا التزامه بهذا الهدف.

يأتي هذا الجدل ضمن التفاف عالمي حول حظر وسائل التواصل عن القاصرين. فقد كانت أستراليا أول دولة في العالم تطبق حظرًا من هذا النوع في ديسمبر الماضي، إذ منعت من هم دون سن السادسة عشرة من الوصول إلى منصات مثل فيسبوك وسناب شات وتيك توك ويوتيوب.

لا تقتصر هذه التوجهات على أستراليا، إذ أعلنت بريطانيا في يونيو عن قيود مشابهة يتوقع أن يصوت عليها البرلمان قبل نهاية العام، بينما تخطط إسبانيا واليونان والدنمارك لفرض حدود عمرية دنيا للوصول إلى وسائل التواصل. دعا البرلمان الأوروبي سابقًا إلى تحديد حد أدنى للسن لمواجهة مخاطر الصحة النفسية لدى المراهقين، على أن يبقى القرار النهائي بيد الدول الأعضاء في الاتحاد.

سبق أن أقرت فرنسا عام 2023 قانونًا يلزم منصات التواصل بالحصول على موافقة الوالدين لإنشاء حسابات لمن هم دون الخامسة عشرة، لكن صعوبات تقنية وقيودًا أوروبية حدت من تطبيقه. يبقى مستقبل النسخة المعدلة من القانون مرهونًا بقدرة الحكومة على معالجة الملاحظات الدستورية دون التضحية بهدف حماية القاصرين.

يبرز هذا التطور اتساع الجدل العالمي حول مسؤولية المجتمعات في حماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي، مقابل الحفاظ على الحقوق الرقمية الأساسية. تتباين الدول في مقارباتها بين الحظر الصارم والتنظيم التدريجي، دون أن يظهر حتى الآن نموذج متفق عليه يوازن بين الحماية والحرية.

من وجهة نظري، باتت وسائل التواصل الاجتماعي خطرًا حقيقيًا على الأطفال، إذ تربط دراسات وتقارير متلاحقة بين إفراطهم في استخدامها ومشكلات في الصحة النفسية، من قلق واكتئاب واضطرابات في النوم، إضافة إلى تعرضهم للتنمر الإلكتروني ولمحتوى غير ملائم لأعمارهم. ومع ذلك، يظل هذا الخطر قائمًا، ما يجعل حماية الأطفال أولوية مُلحة تفرض على الحكومات إيجاد صيغة فعالة تقيهم أضرار هذه المنصات.