يعمل وادي السيليكون بقاعدة صارمة تفيد بأن من يملك القدرة الحاسوبية يملك المستقبل. احتكرت شركة واحدة مفاتيح هذه القوة لسنوات طويلة. بنت إنفيديا إمبراطورية سيليكونية أجبرت عمالقة التقنية على الوقوف في طوابير طويلة ودفع مليارات الدولارات صاغرين للحصول على المعالجات.

في هذا المقال:

  • كيف كسرت ميتا احتكار إنفيديا لسوق الرقائق الذكية عبر تحالف استراتيجي ضخم مع الغريم التقليدي
  • الهندسة المالية المعقدة التي منحت ميتا حصة أسهم ضخمة لتأمين أولوية قصوى في خطوط الإنتاج
  • أزمة الطاقة الخانقة وتحول مراكز البيانات إلى منشآت عملاقة تبتلع كهرباء توازي استهلاك مدن كاملة
  • حمى التسلح التقني وسباق عمالقة التكنولوجيا لتأمين العتاد هربا من سيطرة المورد الواحد
  • خطة إنفيديا المضادة لاقتحام معقل الحواسيب الشخصية والرد بهجوم عكسي على تحالفات الخصوم

قرر مارك زوكربيرج قلب الطاولة، بعد أيام قليلة من إعلانه الالتزام بنشر ملايين المعالجات من إنفيديا وجه ضربة قاصمة لهذه الهيمنة المطلقة. كشف زوكربيرج عن اتفاقية تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار مع الغريم التقليدي للشركة الخضراء. نحن هنا أمام إعلان تمرد صريح يمزق فكرة الاعتماد المطلق على مورد واحد.

خيانة محسوبة تقلب الموازين

رسالة ميتا وصلت قاسية ومباشرة وترفض البقاء تحت رحمة شركة واحدة في سوق مسرعات الذكاء الاصطناعي. تقضي الاتفاقية الجديدة بنشر ما يصل إلى 6 جيجاوات من معالجات AMD Instinct داخل مراكز بيانات ميتا. نظام AMD Helios الجديد يمثل التهديد الفعلي الأول لأنظمة Grace Blackwell التي تنتجها إنفيديا والتي شهدت طلبا جنونيا منذ إطلاقها للأسواق.

تحمي هذه الاستراتيجية المزدوجة ميتا من تقلبات الأسواق وتضمن استمرار تدفق العتاد اللازم لتدريب النماذج اللغوية الضخمة. تغطي الصفقة سنوات طويلة وتعتمد في مرحلتها الأولى على معالجات رسومية مخصصة مبنية على معمارية MI450 تدعمها معالجات الجيل السادس من AMD EPYC المعروفة باسم Venice وVerano. التسليم الفعلي لأول جيجاوات سيبدأ في النصف الثاني من عام 2026.

تواطؤ مالي يربط المصائر

العبقرية الحقيقية في هذا التحالف تتجاوز المواصفات الهندسية البحتة لتلامس حدود الهندسة المالية المعقدة. ميتا لم تشتر العتاد بالمال المباشر فحسب. لقد ربطت مصير الشركة المصنعة بنجاحها الشخصي. يتضمن الاتفاق منح ميتا ضمانات أداء تسمح لها بالاستحواذ على 160 مليون سهم من أسهم AMD وهو رقم يقترب من 10 بالمائة من إجمالي أسهم الشركة. 

هذه الحصة سيتم تحريرها تدريجيا بناء على التزام AMD بتحقيق أهداف إنتاجية صارمة. تبدأ هذه الأهداف مع تسليم أول جيجاوات وتكتمل بالوصول إلى الهدف النهائي. التداخل المالي يحول ميتا إلى شريك استراتيجي مستفيد من أي ارتفاع في قيمة السهم. المديرة المالية لشركة AMD جان هو أكدت أن هذه الهيكلة تضمن التزام الطرفين بالتنفيذ الدقيق. ربط كفاءة التوريد بأسعار الأسهم يمنح ميتا أولوية قصوى في خطوط الإنتاج ويحميها من تأخيرات التصنيع التي تضرب الصناعة بأكملها.

مدن كاملة تبتلعها الخوادم

استيعاب حجم الطاقة المطلوب يوضح جنون هذه الصفقة. توفير 6 جيجاوات من الطاقة الكهربائية لتشغيل المعالجات يتطلب بنية تحتية توازي استهلاك مدن سكنية كاملة. مراكز البيانات فقدت صفتها القديمة كمستودعات هادئة للخوادم وتحولت إلى منشآت طاقة هائلة تتطلب تخطيطا بالغ التعقيد لتصريف الحرارة وإدارة الاستهلاك اليومي. 

الدافع وراء هذا الإنفاق المخيف لخصه زوكربيرج صراحة في سعيه للوصول إلى الذكاء الخارق الشخصي. تدريب النماذج المستقبلية يحتاج إلى قوة حاسوبية تتجاوز كل ما تم بناؤه في تاريخ البشرية.

المثير للاهتمام أن ميتا تلعب على عدة جبهات في وقت واحد. الاعتماد على AMD يأتي متوازيا مع تسريع تطوير برنامجها الداخلي للشرائح المعروف باسم MTIA لإنتاج معالجاتها الخاصة. هذا التنوع يحمي الشركة من صدمات سلاسل التوريد ويمنع أي مورد خارجي من فرض إملاءات تسعيرية قاسية.

حمى التسلح تجتاح القطاع

الأسواق العالمية تعيش حمى استثمارية غير منطقية لابتلاع أي عتاد متاح. تحرك ميتا ينسجم مع سياق عام يشهد تدفق مليارات الدولارات لتأمين المعالجات. شركة أوبن إيه آي وقعت اتفاقية مشابهة مع AMD لتوريد المعالجات. الشركة ذاتها تتعاون بجدية مع برودكوم لتطوير معالجاتها الخاصة تلبية للطلب المتفجر على خدماتها. الشركات تحاول بكل الطرق التخلص من قبضة المورد الواحد.

مايكروسوفت سارت في الاتجاه ذاته عبر صفقة بقيمة 17.4 مليار دولار مع مجموعة Nebius لتوفير قدرات حاسوبية تعتمد على المعالجات الرسومية لمدة خمس سنوات. أمازون ضخت 4 مليارات دولار في شركة Anthropic المنافسة المباشرة لـ أوبن إيه آي وتدرس استثمار 10 مليارات دولار إضافية في أوبن إيه آي نفسها. المشهد يتعقد بدخول تسلا التي وقعت عقدا بـ 16.5 مليار دولار مع سامسونج لتصنيع شريحة AI6 من الجيل القادم.

إنتل التي تعاني من أزمات طاحنة حصلت على ضخ رأسمالي بقيمة ملياري دولار من مجموعة سوفت بنك اليابانية. الأرقام تؤكد تحليل خبراء الصناعة بوجود اختناق حاد في المعالجات. الشركات مستعدة لدفع أي ثمن وعقد صفقات بكل الأشكال لتجاوز هذه الأزمة الطاحنة.

الرد في معقل الخصوم

إنفيديا لن تقف لتراقب هذه التحالفات تنهش إمبراطوريتها بهدوء. الشركة تدرك أن سيطرتها المطلقة على معالجات الخوادم تواجه تهديدا حقيقيا. قرارها كان نقل المعركة إلى معقل AMD وإنتل التاريخي. المهندسون في إنفيديا يطورون حاليا شريحة مدمجة SoC تعتمد على معمارية ARM مخصصة لأجهزة الحواسيب الشخصية العاملة بنظام ويندوز.

تعتمد الشريحة الجديدة على معالج GB10 الذي طورته الشركة بالتعاون مع ميدياتيك. يستهدف هذا المعالج حاليا محطات عمل المطورين بأنظمة لينكس بسعر يتراوح بين 3000 و4000 دولار. المعالج يضم 20 نواة ARM مع وحدة معالجة رسومية بمعمارية Blackwell. الهدف القادم هو تطوير نسخة مخففة وموفرة للطاقة تناسب الحواسيب المحمولة التجارية.

هندسة الحرارة واستراتيجية البقاء

تخفيض استهلاك الطاقة يمثل التحدي الهندسي الأكبر لنجاح إنفيديا في اختراق سوق الحواسيب الشخصية. تستهلك شريحة GB10 الحالية 140 وات تحت الضغط الكامل. هذا الرقم يعادل ثلاثة أضعاف الميزانية الحرارية المسموح بها في الحواسيب المحمولة الرائدة المخصصة للأعمال.

تحتاج الشركة إلى تطبيق معمارية ذاكرة موحدة لتجاوز هذه العقبة. آبل طبقت هذه المعمارية بنجاح لخفض استهلاك الطاقة وتوليد الحرارة بما يسمح بتبريدها عبر أنظمة الحواسيب التقليدية. دخول إنفيديا إلى سوق ويندوز يهدد بقاء كوالكوم وإنتل ويفتح جبهة صراع جديدة ومفتوحة الاحتمالات.

صناعة التقنية تمر بمرحلة إعادة تموضع عنيف. الهيمنة المطلقة التي استمتعت بها إنفيديا تتآكل تدريجيا مع تحرك ميتا وأوبن إيه آي ومايكروسوفت لتنويع مصادر عتادهم وتطوير شرائحهم الخاصة. الـ 100 مليار دولار التي وضعتها ميتا على طاولة AMD تمثل بوليصة تأمين استراتيجية تضمن بقاء الشركة في قمة الهرم التقني. المعركة انتقلت فعليا من ابتكار الخوارزميات إلى فرض السيطرة الشاملة على مصادر السيليكون ومحطات الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيله.