الجزيرة التي يخشاها العالم؛ كيف صنعت TSMC وFoxconn قوة تايوان التقنية؟
قد تعتقد أن الصين مهتمة بتايوان لأسبابٍ تاريخية وسياسية بحتة، وهذا فيه جزءٌ من الصحة، لكن ألم تتساءل عن سبب الاهتمام المبالغ فيه مؤخرًا؟ منذ 2020 تتعرض تايوان لضغط غير مسبوق؛ كثفت فيه بكين مناوراتها العسكرية ورفعت وتيرة اختراقاتها لأنظمة الدفاع الجوي التايوانية، بالتأكيد ليس لاعتبارات تاريخية فحسب، لكن لأسباب غير معلنة نعرفها جميعًا.
تايوان ليست مجرد جزيرة وضعها السياسي معقد، وإنما محور -بل المحور- الأساسي في صناعة أشباه الموصلات. الشركات التايوانية، وعلى رأسها TSMC، تنتج النسبة الأكبر من الشرائح المتقدمة التي تعتمد عليها الأسس والأجهزة التقنية اليوم، من الهواتف المحمولة لمراكز البيانات.

انظر كيف تهتم أمريكا بتايوان -وTSMC تحديدًا- وستعرف مدى أهميتها. انظر إلى مكانة هذه الجزيرة اقتصاديًا وسياسيًا وستعرف لماذا يطمع الكل فيها.
تسيطر TSMC على نحو 65% من إنتاج الشرائح المتقدمة عالميًا. هذه النسبة تؤمّن لتايوان حوالي 25-30% من إجمالي ناتجها المحلي. اقتصاد هذه الدولة يُصنفها ضمن الدول ذات الدخل المرتفع، وهي بالأساس سابع أكبر اقتصاد في آسيا والـ 22 عالميًا وقت كتابة هذا المقال (بإجمالي ناتج محلي 884.39 مليار دولار).
لكن كيف بدأت الحكاية؟
بدأ التحول الحقيقي لتايوان في النصف الثاني من القرن المنصرم، حيث انتقلت من اقتصادٍ متواضع قائم على الزراعة إلى نموذج صناعي يُحتذى به.
بعد عام 1949، ركزت الحكومة على الاستثمار في التعليم وبنت قاعدة صناعية تعتمد على العمالة الماهرة منخفضة التكلفة. وخلال الستينيات والسبعينيات، أصبحت الجزيرة جزءًا مما يُعرف بـ "المعجزة الآسيوية Asian Miracle"، مستفيدة من الانفتاح على الأسواق الغربية وأمريكا تحديدًا.
موريس تشانغ، وتيري غو، والثورة الصناعية
لكن قصة تايوان التقنية لا تُفهَم عبر السياسات والأرقام، بل عبر شخصيات جسدت "روحها الاقتصادية" إن صح التعبير.
يمكننا القول إن هوية تايوان التقنية -وربما الاقتصادية أيضًا- تتجسد في شخصين هُما "موريس تشانغ" (مؤسس TSMC)، و"تيري غو" (مؤسس Foxconn).
الشخصية الأهم في تاريخ تايوان؟

وُلد موريس تشانغ عام 1931 (عمره 94 عامًا الآن) في الصين، وهو المهندس والرائد الذي أسس عملاقة أشباه الموصلات TSMC عام 1987. موريس وضع حجر الأساس لمفهوم "المسبك Foundry"، ومعناه في سياق أشباه الموصلات أن تُركز الشركة على تصنيع الشرائح فقط دون تصميمها.
قبل ولادة هذا المفهوم، كانت الشركات التقنية تبتكر تصاميم الشرائح وتُصنّعها، وهو ما كان يتطلب استثمارات هائلة وخبرة تشغيلية معقدة. غير أن ولادة TSMC وتركيزها على تصنيع الشرائح فقط أتاح لشركات مثل Apple، وIntel، وNvidia التركيز على الابتكار ورمي حمولة التصنيع على أكتاف العملاق التايواني العريضة.

اليوم، تقوم الشركات العملاقة المذكورة بوضع البنية المعمارية والتفاصيل الهندسية للمعالجات، ثم تُرسل الملفات التقنية إلى TSMC لتحول هذه التصاميم إلى شرائح فعلية داخل مصانع فائقة التعقيد تُقاس دقتها بالنانومتر.
خلال الحرب الأهلية في الصين، سافر تشانغ إلى الولايات المتحدة وتعلم في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT ومعهد ستانفورد، قبل أن يبدأ مسيرة مهنية استمرت 25 عامًا في شركة أشباه الموصلات الأمريكية "Texas Instruments". يُقال إن تشانغ ظل يترقى في السلم الوظيفي، لكنه لم يتقلّد منصب الرئيس، ولهذا شعر بالإحباط فترك الشركة.

في عام 1985، أي قبل تأسيس TSMC بعامين، دُعي موريس تشانغ إلى تايوان لرئاسة معهد أبحاث التكنولوجيا الصناعية ITRI. وبالفعل، قبل العرض، لكن الحكومة كانت تريد دخول صناعة أشباه الموصلات المتقدمة دون أن تملك نموذجًا واضحًا؛ كل ما كانت تفكر فيه بناء عدة مصانع صغيرة مستقلة وتركها تعمل بالطريقة التي تحلو لها.
تشانغ رأى أن هذه الفكرة ستبدد الموارد دون تحقيق الفائدة المرجوة، فاقترح بناء شركة واحدة تتخصص في التصنيع فقط. لحسن الحظ وافقت الحكومة على المقترح وجرى استقطاب شركة Philips الغنية عن التعريف مقابل 27.6%، كما موّل صندوق "التنمية الوطني" الشركة بنسبة 48%، بينما ساهم مستثمرون خاصون بالنسبة الباقية.
وهكذا، تأسست TSMC عام 1987 وأصبحت أول مصنع شرائح مستقل في العالم، ونجحت -رُغم كل الشكوك- بأن تكون الأولى في مجال أشباه الموصلات بقيمة تتجاوز الـ 2 تريليون دولار وقت كتابة هذه الكلمات.
في عام 2008، باعت Philips آخر حصصها في TSMC إلى مجموعة من المستثمرين المؤسسين، وبناءً على ذلك لم تعد مالكة لأي أسهم في الشركة اليوم.
ثاني أهم شخصية في تايوان؟
أما تيري غو، الذي يُعرف أيضًا بـ "غو تشنغ-تشونغ"، فيصغر موريس تشانغ بـ 19 عامًا، لكنه وُلد في تايوان نفسها عام 1950. أسس غو "Foxconn" كشركة تصنيع متواضعة قبل أن يحولها للإمبراطورية التي نعرفها اليوم.

القصة بدأت عام 1974، عندما كان غو يبلغ 24 عامًا. وقتها أسس ورشةً صغيرة في تايوان بقرض قدره 700 ألف دولار تايواني (حوالي 30 ألف دولار أمريكي آنذاك). في البداية، كانت الشركة متخصصة في تصنيع الأزرار البلاستيكية للتلفزيونات الأبيض والأسود، وكان غو يعتمد على مبدأ "الكفاءة الشرسة" القائم على الإنتاج الضخم منخفض التكلفة، لكن مع الجودة العالية (على غرار النموذج الصيني حاليًا).
كبداية أي مشروع، واجه غو تحديات قاسية في السبعينيات مثل نقص الطلب المحلي، لكنه استطاع -عام 1980- أن يعقد صفقة قوية مع "أتاري" أمّنت له حوالي 16 مليون دولار تايواني. من هنا بدأ تيري غو رحلة طويلة استمرت قرابة السنة عبر 32 ولاية أمريكية للبحث عن عملاء، فحصل على عقود مع موردي Intel وأسس لفرع أمريكي عام 1985.

في أواخر الثمانينيات، دُشِّن أول مصنع لـ Foxconn في الصين، وفي عام 2001 وقعت عقدًا تاريخيًا مع Apple لتجميع أجهزة الماكنتوش، ثم الآيبود، ثم الآيفون، وهذا جعلها مسؤولة عن 40-50% من إنتاج الآيفون عالميًا، وفي الوقت نفسه، فازت بعقود مع Dell وSony وIntel وNokia وAmazon وحققت إيرادات تصل إلى 200 مليار دولار بحلول العام الماضي 2025.
ورُغم أن قيمتها السوقية الحالية متواضعة جدًا مقارنةً بـ TSMC (حوالي 108 مليار دولار)، فإن Foxconn -صدق أو لا تصدق- تجاوزت TSMC مؤقتًا عام 2001 لتصبح أكبر شركة تايوانية!
ولا يمكن حصر صعود تايوان التقني التاريخي في Foxconn وTSMC، إذ هناك شركات أخرى بارزة مثل MediaTek، أكبر مُصممة شرائح بدون مصنع/ لدى الغير (Fabless) في تايوان، وASE Technology، التي تهيمن على تعبئة واختبار الرقائق عالميًا، وDelta Electronics، ثاني أكبر شركة تايوانية اليوم، وغيرهم.
لكن تظل TSMC في مكانةٍ خاصة، فهي تُسيطر على جل إنتاج الشرائح المتقدمة في العالم، ولا تنفك أن تتوحش مدفوعةً بالتطور المخيف في الذكاء الاصطناعي. ومن يعلم؛ ربما لولا TSMC لما وصلت تايوان إلى ما وصلت إليه اليوم.
?xml>