الرئيسية المقالات

كيف تقهقرت Intel الي أسوأ حال لها منذ عقود؟

الأمر مؤسف الي أقصي حد

الرئيس الجديد لشركة Intel يفسر الأمر في صراحة تامة: Intel في أزمة داخلية شديدة وأحاول إصلاحها!

لقد أفسدت سنين البقاء علي القمة بلا منافسة Intel تماما، لقد صارت شركة غير الشركة، الي درجة ان الرئيس الجديد للشركة قد اضطر الي الاعتراف والإقرار بأن لديه مشكلة كبري تحتاج إلي الاصلاح العاجل قبل ان تصير Intel شركة قوية من جديد. مشكلات كثيرة وليس مشكلة واحدة في الواقع، وأغلبها مشكلات سلوكية وحضارية cultural كبري.

لقد تحولت الشركة الي أحزاب وفرق متصارعة، تتصارع فيما بينها علي التمويل والحصول علي اكبر قدر ممكن المال اللازم لتنفيذ مشروعاتهم الخاصة .. الي حد أن بعض الفرق كانت تخفي المعلومات عن الفرق الاخري لتتفوق وتتميز عنهم! ولم تعد أغلب الفرق تتحدث عن المشكلات او العقبات التي تواجهها خوفا من فقدان مكانتها او حظوتها.

وانتشرت وسط الشركة ممارسات غير شريفة من قبيل الاستيلاء علي أفكار الغير، ومن قبيل الاستغناء عن الموظفين ذوي التقييم الأقل في فئتهم بشكل دوري، حتي ولو كانوا بارعين او أكفاء .. فطالما كان تقييمهم هو الاقل وسط نظرائهم فيجب ان يستبدلوا!! وساهم هذا كله في تأجيج نيران المنافسة الداخلية وثقافة القفز فوق أعناق الآخرين للنجاة!

وكنتيجة مباشرة لذلك تفشي في الشركة نوع عجيب من البيروقراطية والرتابة في التنفيذ، وتعرضت ثقافة الابتكار للاغتيال .. فقد كانت الفرق تميل الي الافكار التقليدية وتحسين ما هو موجود، دون الرغبة في الابتكار والتجديد، لقد تفشي لدي الشركة الخوف من المخاطرة وتجربة كل ما هو جديد، او الرهبة من الخروج عن المألوف. والمخاطرة والتجريب بالذات هي صفات تتحلي بها الشركات الناجحة التي تحقق قفزات تقنية كبيرة. أما الأفكار التقليدية فهي لا تسمن ولا تغني من جوع وتتركك خلف المنافسين تسعل ترابهم.

وفوق كل ذلك كانت الفرق كبيرة الحجم للغاية، وبطيئة في التنفيذ، إن عدد موظفي Intel يتجاوز الـ110 ألف موظف! وهو عدد هائل يمكن أن يملأ مدينة صغيرة! ويعني هذا أن لدي كل فريق جحافل من الموظفين .. تتكدس أعدادهم في فرق وأقسام كبيرة الحجم .. ويعني هذا أيضا أن تسلسل اتخاذ القرارات وتنفيذها يستغرق وقتا طويلا ليمر وسط هؤلاء الجحافل، .. والأسوأ من كل هذا أن كل فريق يحصر نفسه في مهمته الموكلة اليه دون الاكتراث بالتعاون مع الفرق الأخري في المهام المنجزة.

ولقد تكون من جراء كل ذلك هوة شاسعة ما بين الفرق، ولم تعد الفرق الكبري تتشارك المعلومات فيما بينها، حتي تلك المعلومات المهمة والمصيرية. لقد أخفي فريق التصنيع ما يعانيه من صعوبات ومشكلات مع عملية تصنيع 10 نانومتر 10nm تماما، ولم يعرف عنها فريق تصميم المعالجات شيئا، وكانت حجة فريق التصنيع ان المعلومات لو تسربت لفقدت Intel سمعتها وشهرتها وسط المصنعين، ولاهتزت صورة تفوق Intel الكاسح أمام الجميع!!

وكنتيجة لذلك تعرض فريق تصميم المعالجات لصدمة عنيفة عندما اكتشف ان كل تصميماته غير قابلة للتصنيع في الوقت الحالي، ولا حتي مستقبلا!! كان هناك أيضا ذلك الصلف والغرور الشديد الذي اجتاح أرجاء الشركة، نحن ناجحون و ليس لدينا منافسون، نحن نقود السوق ونحدد للعملاء ما ينبغي أن يجربوه، نحن الذين نضع المعايير والمقاييس التي تسير عليها الصناعة كلها! وقد دفع هذا Intel الي عدم الاكتراث بما يفعله منافسوها، وبالابتكارات والأفكار الجديدة التي يجربونها، فاكتفت Intel بما لديها وغذي غرورها الداخلي ايمانها بانها علي الطريق الصحيح دوما.

وفوق كل ذلك ترسخت داخل الشركة معتقدات غريبة، مثل الايمان المطلق بقانون مور Moore’s Law، وبأنه الآمر الناهي في عالم المعالجات.

وقانون مور هو مجرد ملاحظة استنبطها عالم المعالجات الشهير Gordon Moore الذي عمل لدي Intel فترة طويلة من الزمن، حيث لاحظ ان قوة المعالجات وعدد الدوائر الكهربية Transistors فيها يزداد كل عامين بمعدل الضعف.

ولقد اعتبرت شركة Intel قانون مور سيفا فوق رقبتها، لا ينبغي أن تحيد عنه او تهمله، والا سقطت في هوة الفشل. وعندما حان وقت الانتقال من عملية تصنيع 14 نانومتر 14nm الي 10 نانومتر   10nm كانت الشركة غارقة حتي الاذنين في ايمانها بهذا القانون، وسعت الي تطبيقه بحذافيره فورا، عن طريق مضاعفة عدد الدوائر الكهربية في عملية 14 نانو 14nm، الي ثلاثة أضعافها في عملية 10 نانو 10nm!! غير عابئين بصعوبة الانتقال الي دقة تصنيع أصغر، وبضخامة حجم المهمة وتعقيدها الشديد كلما نزلت في مقياس التصنيع أكثر وأكثر، فما كان ممكنا علي مقياس 22 نانو، او مقياس 14 نانو، ليس بالضرورة ممكنا علي 10 نانو 10nm.

وكنتيجة مباشرة لذلك أنفقت Intel المليارات وغاصت اكثر واكثر في وحل عملية تصنيع 10 نانو 10nm، بأبعاد مستحيلة وبكثافة عددية غير قابلة للتطبيق عمليا .. وابتلعت هذه العملية اموالا طائلة ومجهودات غير عادية من الشركة بلا جدوي حقيقية علي أرض الواقع، وأخفي فريق التصنيع المسئول عنها كل ذلك عن باقي الفرق لدي Intel، وتأخرت عملية التصنيع كلها بطبيعة الحال الي أربعة أعوام كاملة. مما نسف كل تفوق حققته Intel علي منافسيها طزال العقد المنصرم.

وعلي الناحية الاخري لم يقع منافسو Intel من المصنعين (مثل TSMC) أو الخصوم (مثل AMD) في ذات فخ الالتزام بقانون مور، واكتفوا بتحقيق معدل زيادة متواضع في عدد الدوائر الكهربية، لكنهم أنجزوا في وقت وسرعة التصنيع، وحصلوا من جراء ذلك علي عملية تصنيع اسرع مما سبق أسموها 7 نانومتر 7nm. بينما كانت Intel لا تزال عالقة في عملية تصنيع 14 نانو 14nm!
لتتقهقر Intel أكثر وأكثر في طريق المنافسة!

ولقد كانت هذه الازمة الاخيرة هي القشة التي قصمت ظهر البعير، كانت مثل دلو الماء المثلج الذي سقط فوق رأس Intel لتستفيق الي كل ما تواجههه من مشكلات داخلية عاصفة. لقد أجبر هذا الفشل الذريع الشركة علي النظر في كل سياساتها الداخلية، وأجبر رئيس الشركة السابق علي الرحيل ليأتي رئيس جديد يقر بكل هذه المشكلات ويعترف بها ويسعي الي حلها.

وكان أول ما سعي اليه الرئيس الجديد هو نسف ثقافة التعلق الشديد بقانون مور، ونشر ثقافة الرضا بالقليل وبما هو ممكن ومتاح وسريع التحقيق، ولقد بدأ بتحطيم عملية تصنيع 10 نانو الحالية الفاشلة، وعمل عملية تصنيع جديدة مخففة وذات طموح اكثر تواضعا وبكثافة عددية قليلة، حتي تخرج الشركة من نفق 14 نانو المظلم الذي علقت فيه كثيرا ..

ولقد اعترف رئيس الشركة أن عملية تصنيع 10 نانو الجديدة سوف تكون أقل قوة وكفاءة من عملية تصنيع 7 نانو 7nm لدي TSMC، ولن تأتي بترددات كبيرة فوق ما هو ممكن في عملية تصنيع 14 نانو الحالية .. لكنها ستكون سريعة في التصنيع علي الأقل. أما عمليات التصنيع اللاحقة، فستعطي الأولوية لسرعة الانتاج أيضا فوق أي شئ آخر، ولهذا ستأتي بمواصفات متواضعة أيضا.. وسينطبق هذا علي دقة تصنيع +10 نانو (+10nm) و ++10 نانو (++10nm) و 7 نانو(7nm) .. وبحلول دقة تصنيع 5 نانو (5nm) ستعمل Intel علي تعظيم المواصفات التقنية الي الحد الأقصي والي الطموح الأقصي حتي تستعيد تفوقها التصنيعي من جديد.

 
سيعمل الرئيس الجديد أيضا علي تعظيم ثقافة مشاركة المعلومات ما بين الفرق، ومشاركة المشكلات كلها علي الملأ والإقرار بها، وضخ دماء جديدة من المهندسين والعلماء من خارج الشركة، وتقسيم العمل علي فرق صغيرة تتواصل بشكل جيد فيما بينها .. وبسرعة لائقة كذلك. ثم والأهم من كل ذلك، ضخ صفات التواضع في أرجاء الشركة، والتعاون مع العملاء وشركاء الصناعة، والاستماع لهم ولرغباتهم، وانتقاداتهم .. سوف يسعي الرئيس الجديد لكل هذا وأكثر .. سيسعي الي ذلك وهو يعلم أن مستقبل الشركة كلها يتوقف علي تغيير ثقافة Intel الحالية واحلال ثقافة جديدة تماما عليها، فاما أن ينجح في ذلك وينتشل الشركة من أعماق حفرة التقهقر، أو أن يفشل فتنهار Intel أكثر وأكثر تحت ثقل وزنها الضخم، ومشاكلها الداخلية الأضخم؟

للمزيد بشأن Intel أقرأ المواضيع الآتية:
إمبراطورية Intel تحت الحصار!
امبراطورية Intel العجوز تترنح تحت الحصار!
اليوم الذي ستظلم فيه الدنيا علي Intel!
إنتل تعترف بأخطائها: أصابنا البطء والجمود، وسنغير من طريقتنا ..
في Computex 2019: تقهقر Intel علي كافة الأصعدة!
عودة Intel للتخبط من جديد في 2019، رغم الوعود السابقة بتغيير ذلك!
أكبر حرب تقنية معاصرة، معركة Intel و NVIDIA في سوق الذكاء الاصطناعي
شرنقة التحول الكبري، Intel تتحول من المعالجات المركزية CPUs الي المعالجات الشمولية XPUs