شهدت العاصمة الفرنسية باريس تطورًا لافتًا في ملف الرقابة على المنصات الرقمية، بعدما داهمت الشرطة الفرنسية مكاتب شركة X، المملوكة لرجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك، في إطار تحقيقًا مستمرًا حول قضايا تتعلق بالجرائم الإلكترونية والتدخل الأجنبي. جاءت هذه الخطوة بعد متابعة أمنية وقضائية استمرت لأكثر من عام، ركزت على طريقة عمل خوارزميات المنصة وتأثيرها المحتمل على الرأي العام.

نفذت السلطات الأمنية العملية بإشراف وحدة الجرائم السيبرانية التابعة للنيابة العامة في باريس، وبمساندة من الشرطة الوطنية الفرنسية ووكالة يوروبول الأوروبية. وأكدت النيابة، عبر بيان رسمي نشرته على منصة X نفسها، أن المداهمة جاءت ضمن إجراءات قانونية معتادة في مثل هذه القضايا، وهدفت إلى جمع مستندات وبيانات رقمية مرتبطة بالتحقيق الجاري.

أشارت التقارير إلى أن الشركة لم تصدر تعليقًا رسميًا فوريًا على الواقعة، واكتفت بالتزام الصمت في الساعات الأولى بعد المداهمة.

  • كشفت مداهمة مكاتب X في باريس عن تحقيقات تتعلق بالتلاعب بالخوارزميات والتدخل الأجنبي.
  • وسعت السلطات الفرنسية نطاق التحقيق ليشمل جرائم سيبرانية واستخدامات الذكاء الاصطناعي.
  • رفضت الشركة الاتهامات واعتبرتها ذات دوافع سياسية وامتنعت عن تسليم الخوارزميات.
  • أثارت القضية جدلًا أوروبيًا حول حرية التعبير ودور المنصات الرقمية.

خلفية مداهمة مكاتب X في باريس

بدأت السلطات الفرنسية التحقيق في هذا الملف منذ يناير 2025، بعدما تلقت النيابة شكاوى رسمية من النائب الفرنسي إريك بوثيريل، العضو في الحزب الوسطي التابع للرئيس إيمانويل ماكرون، إضافة إلى مسؤول حكومي رفيع في مجال الأمن السيبراني. ركزت هذه الشكاوى على اتهامات باستخدام خوارزميات المنصة لأغراض تدخل خارجي محتمل، مع الاشتباه في التلاعب بآليات المعالجة الآلية للبيانات.

حذرت الشكاوى من تغييرات طرأت على طريقة عمل الخوارزميات منذ استحواذ إيلون ماسك على الشركة عام 2022، وربطت هذه التعديلات بتراجع مستوى الرقابة الداخلية وازدياد المحتوى المثير للانقسام. وأوضح مقدمو البلاغات أن هذه التحولات ربما أثرت على النقاش العام في فرنسا، خاصة في الفترات السياسية الحساسة.

لفتت تقارير إعلامية فرنسية إلى أن المشتكي الثاني، وهو مسؤول في مجال الأمن الرقمي، اعتبر أن خوارزميات المنصة ساهمت في تضخيم محتوى يحمل طابعًا عنصريًا أو معاديًا لفئات اجتماعية مختلفة، بما قد يؤثر على التوازن الديمقراطي.

توسع نطاق التحقيقات

شهد التحقيق توسعًا ملحوظًا خلال عامي 2025 و2026، بعدما قررت النيابة العامة في يوليو 2025 إحالة الملف إلى الدرك الوطني الفرنسي. ركزت المرحلة الجديدة على شبهات تتعلق بالتلاعب المنظم في أنظمة المعالجة الإلكترونية، إضافة إلى اتهامات بالاستخراج الاحتيالي المنظم للبيانات.

اعتبرت السلطات هذه الأفعال من الجرائم الخطيرة، وحددت لها عقوبات قد تصل إلى عشر سنوات سجن وغرامات مالية كبيرة. وأدرجت القضية ضمن الملفات ذات الأولوية في مجال حماية البنية الرقمية الوطنية.

وسعت النيابة أيضًا نطاق التحقيق ليشمل محتوى صادرًا عن روبوت الدردشة Grok، التابع للمنصة، بعد رصد حالات تتعلق بإنتاج صور مزيفة ذات طابع غير أخلاقي باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

أعلنت الشركة في مناسبات سابقة رفضها لهذه الاتهامات، ووصفتها بأنها ذات دوافع سياسية، كما امتنعت عن تسليم شفرة خوارزميات التوصية للسلطات الفرنسية، بحجة حماية أسرارها التقنية وحقوقها التجارية.

جاءت المداهمة في سياق من الضغوط الأوروبية المتزايدة على المنصات الرقمية الكبرى. فقد فرضت المفوضية الأوروبية في ديسمبر 2025 غرامة قدرها 120 مليون يورو على منصة X، بسبب مخالفات تتعلق بالشفافية، ضمن إطار قانون الخدمات الرقمية الأوروبي.

سعت هذه القوانين إلى إلزام المنصات بالكشف عن آليات إدارة المحتوى والخوارزميات، وتوفير حماية أكبر للمستخدمين من التضليل والممارسات غير العادلة. فيما اعتبرت السلطات الفرنسية أن التحقيق الجاري ينسجم مع هذا التوجه الأوروبي العام.

اتخذت النيابة العامة في باريس خطوة رمزية إضافية، بعدما أعلنت مغادرتها منصة X رسميًا، حيث قررت الاعتماد على منصتي LinkedIn وInstagram للتواصل مع الجمهور. وفسرت هذه الخطوة باعتبارها رسالة سياسية وقانونية تعكس تراجع الثقة في سياسات المنصة.

فرنسا تداهم مكاتب X في باريس للتلاعب بالخوارزميات والتدخل الأجنبي!

أبعاد سياسية وتقنية

ركز خبراء في الأمن الرقمي على أن الخوارزميات الحديثة تمتلك قدرة كبيرة على توجيه المحتوى، ما يجعلها عنصرًا حساسًا في الحياة السياسية. وأكدوا أن غياب الشفافية قد يؤدي إلى فقدان الثقة بين المستخدمين والمنصات. إلى جانب ذلك، تابعت الأوساط الاقتصادية أيضًا تطورات القضية، نظرًا لانعكاساتها المحتملة على استثمارات الشركة في أوروبا، وعلى صورتها أمام المعلنين والمستخدمين.

تستمر التحقيقات حتى الآن دون إعلان نتائج نهائية، بينما تواصل السلطات جمع الأدلة وتحليل البيانات المصادرة خلال المداهمة. وتتوقع مصادر قضائية استمرار الإجراءات خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال توجيه اتهامات رسمية إذا ثبتت المخالفات.

في حقيقة الأمر، ومن وجهة نظري، تكشف ممارسات الطرفين عن تناقض واضح بين الخطاب المعلن والواقع الفعلي. من ناحية، تبدو تحركات السلطات الفرنسية سعيًا متزايدًا لفرض رؤيتها الخاصة على المجال العام، عبر الرقابة والتنظيم والتدخل في طبيعة المحتوى المتداول، بما قد يحول القانون إلى أداة لتوجيه النقاش بدلًا من حمايته.

في المقابل، تكشف سياسات إيلون ماسك عن توجه واضح للتلاعب بالخوارزميات بما يخدم قناعاته الشخصية، ويوجه اهتمامات المستخدمين وفق أولوياته الفكرية والسياسية.

ينتهي المشهد هنا إلى مواجهة بين سلطة رسمية ورجل أعمال نافذ، يتصارع فيها الطرفان على من يملك حق التأثير في المجال العام، بينما تتحول حرية التعبير إلى ستار كاذب يخفي خلفه معركة النفوذ والسيطرة، ويبتعد بها عن كونها ممارسة حقيقية تعكس إرادة الناس وحقهم في الاختلاف.