لا يخفى على أحد التطور الهائل وشديد التسارع للذكاء الاصطناعي في السنتين الأخيرتين، ومع هذا التطور دخل الذكاء الاصطناعي مجالات عدة وغير أخرى.

ومن المجالات التي شهدت بدايات تغيير حقيقي هو مجال البحث وتصفح الإنترنت، لأول مرة منذ 2015 تصل حصة جوجل من سوق محركات البحث لأقل من 90%.

والسبب، اعتماد المستخدمين وخصوصًا الشباب على منصات مثل تيك توك للبحث، وعلى أدوات ذكاء اصطناعي عامة مثل شات جي بي تي بها ميزة البحث في الإنترنت، وأدوات مخصصة للبحث مستعينة بالذكاء الاصطناعي مثل Perplexity.

ومنذ فترة أعلنت Perplexity عن إطلاق متصفحها الخاص Comet المدعوم بمحرك بيربلكستي لمنافسة جوجل كروم، ورغم كون كروم ليس المتصفح الأسرع أو الأفضل فإن جميع محاولاتي لاستبداله تكللت بالفشل، فهل يستطيع Comet كسر الحلقة واستبدال كروم فعلا؟

قلت لم لا، التجربة خير دليل، وحملت Comet واستعملته كمتصفحي الرئيسي، وإليك ملخص تجربتي لمتصفح Comet الجديد!

ملحوظة: متصفح Comet يعمل بنظام الدعوات حاليًا، فيجب عليك الحصول على دعوة حتى تحصل على التجربة الكاملة للمتصفح. 

ترحيب مميز 

صفحة الترحيب في متصفح comet
حين تحمل المتصفح وتفتحه لأول مرة يقابلك بمقطع فيديو قصير مميز، ثم واجهة تطلب منك اختيار اسمك وكوكب من كواكب المجموعة الشمسية كصورة شخصية، وتقريبًا لا يوجد مجال لوضع صورتك الخاصة.

صفحة الترحيب في متصفح comet

يوفر متصفح كوميت نقل البيانات من كروم ولكني وجدت هذه البيانات المنقولة غير كافية، إذ أنها تقتصر على تاريخ التصفح والإضافات والعلامات المرجعية، لا يوجد نقل لكلمات المرور أو الإعدادات.

الواجهة

على أي حال متصفح comet مبني على نواة كروميوم مثل متصفحات عديدة منها إيدج وبريف وغيرها، ولهذا تجده شبيهًا للغاية بكروم في العديد من الجوانب مثل القوائم وصفحة الإعدادات وواجهة المتصفح ككل، على عكس بريف مثلا الذي له مظهر مختلف بنسبة جيدة.
الصفحة الرئيسية للمتصفح جميلة، بها مربع بحث كبير باستخدام محرك بيربليكتسي وبعض "الأدوات - Widgets" اللطيفة التي يمكنك التحكم بها.

الصفحة الرئيسية لمتصفح Comet

مما لاحظته في صفحة "New Tab - علامة تبويب جديدة" وجود الكثير من الأيقونات لاستخدام الصوت، تحديدًا هناك ثلاث أيقونات مختلفة، اثنتان منهما في الشريط العلوي والأخرى في مربع بحث بيربلكستي الكبير في منتصف الشاشة.

واحدة منهم للمحادثة مع الذكاء الاصطناعي، وهي بجانب بقية أيقونات الذكاء الاصطناعي التي سنأتي لذكرها لاحقًا وتشبه ميزة ChatGPT Voice والأخريان للإملاء.

اختصارات المايك في متصفح comet

مثير للاهتمام أن تدفع الشركة المستخدمين للبحث واستخدام صوتهم أكثر من ذي قبل، خصوصًا على الحواسيب، عكس الهواتف التي عادة ما يكون استخدام الصوت فيها أكثر شيوعًا.

بقية عناصر الواجهة عادية ومشابهة لمتصفح كروم إلى حد كبير، ونعم، هناك بعض العناصر المختلفة مثل رسمة فشل الاتصال بالموقع.

تشابه متصفح comet مع كروم
على اليمين كروم على اليسار كوميت

وهو أمر جيد من جهة كون السواد الأعظم من الناس يستخدم كروم، وسيء من جهة كونه يفتقر للاختلاف.

قد يهمك: 

الأداء وتجربة التصفح 

هذا الفقر يكمل معنا في المميزات، في حين تجد متصفحات مثل إيدج توفر "Vertical Tabs - علامات تبويب عمودية" وأدوات مميزة مثل تقسيم الشاشة لعرض صفحتي ويب معًا وأداة قوية لأخذ لقطات الشاشة. لا يملك كوميت أيًا من المميزات التي تؤثر على تجربة التصفح العادية، من دون ذكاء اصطناعي. 
حتى إن هناك بعض المميزات المفقودة المتواجدة في كروم! مثل وضع القراءة للمقالات الطويلة أو البحث في التبويبات المفتوحة.

لاحظت أيضًا أن المتصفح بطيء، فعلًا بطيء ويستلك الكثير من الرام مقارنة حتى بجوجل كروم ذي السمعة السيئة في استهلاك موارد الجهاز!

أعزو سبب البطء حاليًا لضعف التحسينات البرمجية، ولكون المتصفح لا زال جديدًا، لكن في النهاية كونه بطيئًا بهذا الشكل يجعل محاولة استخدامه كمتصفحك الأساسي فكرة صعبة.

من المشكلات الغريبة التي واجتها أن المتصفح قرر من تلقاء نفسه تسجيل الخروج من جميع المواقع التي سجلت فيها، وحتى من حساب بيربلكسيتي نفسه! 
وظهرت هذه المشكلة مجددًا ولكن مع موقع واحد فقط هذه المرة.

تجربة البحث 

عند كتابة أي عبارة في شريط البحث يظهر أمامك خياران، البحث بـ Perplexity وهو الافتراضي، والبحث بجوجل، ويمكنك تغيير المحرك الافتراضي بسهولة من الإعدادات.

إذا كتبت عبارة بحث بسيط نسبيًا سيظهر لك بيربلكستي ثلاثة نتائج من الويب، مثل جوجل وبعدها يعطيك الرد بالذكاء الاصطناعي. من تجربتي وجدت تلك النتائج غير مفيدة مقارنة بأول ثلاثة نتائج من جوجل، ما يجعلها تجربة غير مثمرة.متصفح comet

المثمر هو الطلبات التي يكون فيها تفاصيل، تشرح له فكرتك ويجلب لك مثلًا مصادر لها. إذن، هل يمكنك الاستغناء عن محرك جوجل حتى الآن؟ في نظري، لا.

الذكاء الاصطناعي Comet assistant

نأتي لأهم ما في متصفح كوميت وما يميزه حقًا، مميزات الذكاء الاصطناعي!

يمكنك التحدث مع مساعد الذكاء الاصطناعي Comet Assistant عبر المربع الكبير في صفحة علامة تبويب جديدة، وهناك نوعان مختلفان من استخدام  Comet Assistant.

الأول: هو استخدامه كأي ذكاء اصطناعي آخر والحديث معه عن مواضيع عامة ومختلفة وهذا معتاد، ويمكنك أيضًا سؤاله عن المحتوى بداخل الصفحة التي أمامك مثل أن تسأله عن السياق المصاحب للمقال مثلًا.

وهذا عبر تفعيله من زر Assistant في الشريط العلوي أو بالاختصار Alt+A، بجانبه تجد زرًا مخصصًا لتلخيص الصفحة المفتوحة وزرًا آخر للمحادثة الصوتية كما ذكرنا.

تلخيص المقال بواسطة comet assistant
تلخيص المقال بواسطة comet assistant

بعد فتح مساعد Comet في جانب المتصفح، يمكنك تحديد نص والسؤال عنه أو أخذ لقطة شاشة وسؤاله عما بها مثل Google Lens و Circle to search.

comet ai assistantcomet ai assistant

الثاني: وكيل ذكاء اصطناعي يقوم بالمهام نيابة عنك، وهذا الاستخدام هو بالتحديد ما تدفعه شركات الذكاء الاصطناعي وما يتخيلونه كمتصفح حديث.

مثلًا يمكنك أن تطلب منه جلب لك آخر فيديو شاهدته عن موضوع معين أو الرد على بريد مهم فوته أو أن يرتب التبويبات المفتوحة ويغلق المتكرر منها وأراها مفيدة جدًا بالمناسبة أو تلخيص آخر المقالات التي قرأتها وغيرها.

comet browser ai agentcomet browser ai agent

هذه المميزات مفيدة في المهام الروتينية المتكررة، مثلًا كنت أريد تحميل عدة ملفات من موقع معين، وهذا الموقع يتطلب أن تذهب لكل ملف وتحمله على حدى، هنا طلبت من Comet تحميل الملفات التي أريدها، نعم احتاج بعض التوجيه في البداية ولكن بعد خمس دقائق قام بالمهمة.

لو قمت بها بنفسي حتمًا كنت سأنجزها في أقل من خمس دقائق، ولكن الفكرة هنا أن تزيح من عقلك عبء تلك المهام المتكررة والبسيطة والتركيز على ما هو أهم.

وجدت أحد المستخدمين على ريدت يقول: إنه يستخدم المساعد في الحصول على الألعاب المجانية كل يوم في متجر إيبك مثلًا؛ وهذا مثال جيد، هو قد يفعل هذا ليوم أو أثنين لكنه لن يفعله كل يوم دون كلل أو ملل.

على أي حال هذه المميزات تحتاج إبداعًا في إيجاد سيناريوهات الاستخدام، وكونها متوفرة مع حساب مجاني يعد شيئًا قويًا للغاية، على أن هناك بعض التساؤلات حول مجانية المتصفح والإعلانات سنأتي لذكرها. 

تجربة المساعد الذكي Comet assistant كانت الأكثر راحة وسلاسة وفائدة من بين المتصفحات التي توفر مساعد ذكاء اصطناعي، مايكروسوفت إيدج يوفر كوبايلوت -وهو غبي- ونعم يمكنك تثبيت شات جي بي تي في الشريط الجانبي لسؤاله ولكنها تجربة "مكلعكة".

وقد أضاف متصفح فايرفوكس - أحد القلائل الذين لا يعتمدون على نواة كروميوم - مميزات ذكاء اصطناعي تظهر عند تحديد نص ويمكنك اختيار نموذج إما شات جي بي تي أو جيميناي أو كلاود من أنثروبك وغيرهم للمحادثة معه.

تجربة فايرفوكس عموما أفضل من إيدج في مساعد الذكاء الاصطناعي، لكن لا يزال Comet أفضل بمراحل حتى مع النسخة المجانية.

هل سيظل Comet مجانيًا؟ 

بعد أن أخذنا لمحة عن مستقبل المتصفحات مع الذكاء الاصطناعي، حيث سيعرف المتصفح مواعيدك ورسائلك ومواقعك المفضلة وينفذ المهمات المملة بينما تركز على ما هو مهم حقًا، لدي تخوفان بالنظر للمستقبل.

أولهما التكلفة، وكلاء الذكاء الاصطناعي مكلفون للغاية ولتجعل تجربة كهذه تستحق عليك أن تسمح للمستخدمين بالاعتماد عليها في الكثيييير من المهام، وهنا إما أن تأخذ مبلغًا باهظًا من المستخدم أو أن تعرض له إعلانات، وأتوقع أن يحدث كلاهما معًا.

ينقلنا هذا للحديث عن الخصوصية، إذا كان متصفح كروم الذي لا يفقه شيئًا عما تتصفح ولا يستطيع شراء الطماطم بدلًا عنك، لديه كم هائل من البيانات أشبه بمنجم ذهب يستخدمها بالطبع في الإعلانات، فما بالك عندما يكون المتصفح يعلم كل شيء عنك ويقوم بالمهام نيابة عنك.

يقول أرافيند سرينيفاس، الرئيس التنفيذي لبيربليكستي: إن مستخدمي متصفح Comet سيكون لديهم ثلاث خيارات حول مميزات الذاكرة وتخصيص التجربة بناءً على احتياجاتك في المستقبل.

أرافيند سرينيفاس، الصورة:  Getty Images
أرافيند سرينيفاس - المصدر: Getty Images

الخيار الأول: أن تستخدم المتصفح دون ذاكرة (سيبدو كمتصفح تقليدي) أو تفعيل الذاكرة دون إعلانات (متصفح ذكي ذو حالة، ولكنه ذو فائدة خالصة)، وذاكرة مع إعلانات (متصفح ذو حالة، إعلانات فقط على صفحة Discover، وليس على عمليات البحث الأساسية)

ويقول أيضًا: "هذا مجرد سيناريو افتراضي، فعمليًا لا نملك أي موارد للعمل على الخيار الثالث، وسيركز جهدنا بالكامل على الخيار الثاني في المستقبل المنظور."

هل أصدقه؟ صراحة لا، أحد شعارات جوجل في البداية كان "لا تكن شريرًا"، ولديهم إعلان في سنة 1999 يقول الآتي:
"جوجل هو محرك بحث نقي لا طقس، لا أخبار، لا روابط لرعاة، لا إعلانات، لا تشتيت، لا فوضى بوابات. لا شيء سوى موقع بحث سريع التحميل."

إعلان جوجل من سنة 1999
إعلان جوجل من سنة 1999

وخلال السنوات الماضية، رأينا كيف تخلفت الشركات الكبيرة وعودها فيما يتعلق بخصوصية المستخدم والإعلانات؛ ودليل ذلك عشرات القضايا في المحاكم آخرها قضية وزارة العدل الأمريكية ضد جوجل بتهمة احتكار سوق محركات البحث، ومن المستحيل تقريبًا ألا تتبع Perplexity نهج من سبقوها، لذا ربما عليك أن تودع مفهوم الخصوصية إلى الأبد مع العصر الجديد من الإنترنت!

بيربليكستي VS جوجل

خلال كتابة المقال، ظهرت تقارير تفيد بمحاولة Perplexity شراء عدة متصفحات وهي: متصفح بريف مقابل مليون دولار، ومتصفح Dia المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وأخيرًا متصفح جوجل كروم شخصيًا مقابل 34.5 مليار دولار! وهو رقم يكاد يساوي ضعف القيمة السوقية للشركة (تقيم بيربليكستي حاليًا بـ 18 مليار دولار)

أرى أن هذه خطوة جيدة ومتوقعة، فقد قامت بيربليكستي بعمل جيد في مميزات الذكاء الاصطناعي في متصفح كوميت، لكن ينقصها خبرات من متصفحات يستخدمها الناس يوميًا.

إن تمت أحد هذه الصفقات المحتملة، ربما يكون Comet المتصفح الأفضل على الإطلاق! ولكن حتى الآن هو تجربة جميلة لمن يحب كروم ولا يريد التغيير بشكل كبير عنه، ولديه جهاز قوي نسبيًا فلن يؤثر معه فرق الأداء.  
بعد نهاية التجربة، أعدت كروم كمتصفحي الرئيسي في الإعدادات، لكني سأستخدمه من حين لآخر بفضل مميزات الذكاء الاصطناعي. ربما أعود لـ Comet بعد بضع تحديثات مهمة، ولكن في اللحظة الراهنة، كروم لا يزال الخيار رقم واحد لي وللملايين حول العالم.