بعد ست سنوات من الشد والجذب، والتهديدات بالحظر، والمعارك القضائية والسياسية، أُسدل الستار أخيراً مساء الخميس على واحدة من أعقد القضايا التقنية في العقد الحالي.

  • تيك توك تطلق شركة TikTok USDS Joint Venture رسمياً لإنهاء أزمة الحظر في أمريكا.
  • التحالف الجديد يضم أوراكل وسيلفر ليك وMGX الإماراتية بحصص تبلغ 15% لكل جهة.
  • الكيان الجديد سيتولى إعادة تدريب الخوارزمية وإدارة المحتوى وتخزين بيانات 170 مليون مستخدم.
  • آدم بريسر يتولى منصب الرئيس التنفيذي للشركة الجديدة مع مجلس إدارة غالبيته أمريكيون.

نجت منصة "تيك توك" (TikTok) رسمياً من مقصلة الحظر الأمريكي، بعد إتمام الشركة الأم "بايت دانس" (ByteDance) صفقة تاريخية لبيع حصة الأغلبية في عملياتها داخل الولايات المتحدة لتحالف استثماري دولي، يضم لاعبين كباراً من وادي السيليكون ومنطقة الشرق الأوسط.

الصفقة التي جاءت في "الوقت القاتل" قبل انتهاء المهلة التي حددتها الإدارة الأمريكية، تنهي حالة عدم اليقين التي عاشها أكثر من 170 مليون مستخدم أمريكي، وترسم خارطة طريق جديدة لسيادة البيانات في عصر "الإنترنت المجزأ".

هيكل التحالف: الوطنيين والذراع الإماراتية

بموجب الاتفاق النهائي، ستتخلّى الشركة الصينية "بايت دانس" عن سيطرتها الكاملة، محتفظة بحصة أقلية تبلغ حوالي 20% فقط من الكيان الجديد. في المقابل، ستؤول ملكية 80% من الكيان الجديد، الذي سيحمل اسم "TikTok USDS Joint Venture LLC"، إلى مجموعة من المستثمرين غير الصينيين.

المفاجأة الأبرز في هيكلة هذا التحالف هو التنوع الجيوسياسي والاستراتيجي للمستثمرين؛ حيث تقاسمت ثلاث جهات كبرى حصصاً متساوية تبلغ 15% لكل منها:

  • أوراكل (Oracle): عملاق الحوسبة السحابية الأمريكي، والشريك التقني الضامن للبيانات.
  • سيلفر ليك (Silver Lake): شركة الاستثمار التكنولوجي الكبرى.
  • MGX: شركة الاستثمار التكنولوجي المدعومة من حكومة أبوظبي (دولة الإمارات العربية المتحدة).

كما تضم قائمة المستثمرين شركة الاستثمار الخاصة بعائلة "مايكل ديل" (مؤسس شركة Dell)، إلى جانب مستثمرين أصغر، فيما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه تحالف من "الوطنيين الأمريكيين العظماء وأكبر المستثمرين في العالم".

جدار ناري حول البيانات والخوارزميات

الشق التقني في هذه الصفقة هو الأكثر أهمية، حيث لا تقتصر المسألة على نقل ملكية الأسهم، بل تتعداها إلى تغيير جذري في البنية التحتية للتطبيق داخل أمريكا.

أعلنت "تيك توك" أن المشروع المشترك سيعمل وفق ضمانات صارمة لحماية الأمن القومي الأمريكي. ولأول مرة، سيتم "ترويض" خوارزمية التيك توك الشهيرة (Secret Sauce)؛ حيث سيتم ترخيص الخوارزمية للكيان الأمريكي الجديد لإعادة تدريبها بالكامل (Retraining) باستخدام بيانات المستخدمين الأمريكيين فقط، وتحت إشراف هندسي أمريكي.

علاوة على ذلك، ستتولى شركة أوراكل مهمة تخزين كافة بيانات المستخدمين الأمريكيين داخل بيئتها السحابية الآمنة محلياً (Oracle Cloud)، مما يقطع الطريق نظرياً أمام أي إمكانية لوصول الحكومة الصينية إلى هذه البيانات، وهو الهاجس الذي كان المحرك الرئيسي لتشريع الحظر. كما سيشرف الكيان الجديد بشكل كامل على عمليات "إدارة المحتوى" (Content Moderation) لضمان عدم وجود أي تأثير خارجي على ما يشاهده الأمريكيون.

وأكدت الشركة أن هذه الإجراءات الأمنية لن تقتصر على تطبيق تيك توك فحسب، بل ستمتد لتشمل تطبيقات أخرى تابعة للمجموعة مثل CapCut (للمونتاج) و Lemon8 (المنافس لإنستجرام).

إدارة جديدة بوجوه مألوفة

لضمان استقلالية القرار، سيدار الكيان الجديد من قبل مجلس إدارة مكون من سبعة أعضاء، غالبيتهم من الأمريكيين.

  • آدم بريسر (Adam Presser)، الذي كان يشغل منصب رئيس العمليات والثقة والسلامة في تيك توك، سيتولى منصب الرئيس التنفيذي (CEO) للكيان الأمريكي الجديد.
  • شو تشيو (Shou Chew)، الرئيس التنفيذي الحالي لتيك توك، سيحتفظ بمقعد في مجلس الإدارة.

يضم المجلس أسماء ثقيلة مثل إيجون ديربان (الرئيس التنفيذي المشارك لـ Silver Lake)، و كينيث جلوك (نائب الرئيس التنفيذي لـ Oracle)، و ديفيد سكوت (رئيس الاستراتيجية في MGX).

ترامب يقطف الثمار: "لقد أنقذت تيك توك"

الجانب السياسي للصفقة كان درامياً بامتياز. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي حاول حظر التطبيق في ولايته الأولى عام 2020، عاد ليحتفل بالصفقة باعتبارها انتصاراً شخصياً له.

وكتب ترامب عبر منصته "تروث سوشيال":

"أنا سعيد جداً لأنني ساعدت في إنقاذ تيك توك! سيكون الآن مملوكاً لمجموعة من الوطنيين الأمريكيين".

ولم يفت ترامب توجيه الشكر لنائبه "جي دي فانس"، بل والمفارقة أنه وجه الشكر للرئيس الصيني "شي جين بينغ" لموافقته على الصفقة، قائلاً:

"كان بإمكانه السير في الاتجاه الآخر، لكنه لم يفعل".

يأتي هذا بعد أن وقع الرئيس السابق جو بايدن قانوناً في 2024 يجبر "بايت دانس" على البيع أو الحظر، وهو القانون الذي وضع الشركة أمام خيارين أحلاهما مر، قبل أن يتدخل ترامب بأمر تنفيذي في يومه الأول لتمديد عمل التطبيق لحين إتمام البيع.

ماذا يعني هذا للمستخدمين وصناع المحتوى؟

بالنسبة للمستخدم العادي، لن يتغير شيء في واجهة التطبيق. التطبيق لن يختفي، ولن تظهر شاشة سوداء. الأهم من ذلك، وعدت الشركة بالحفاظ على "قابلية التشغيل البيني" (Interoperability)، مما يعني أن المستخدمين في أمريكا سيظلون قادرين على مشاهدة المحتوى العالمي، وسيتمكن صناع المحتوى الأمريكيون من الوصول إلى جمهورهم الدولي دون عوائق.

هذه الصفقة تضع حداً لمخاوف ملايين المبدعين وأصحاب الأعمال الصغيرة الذين بنوا مصادر رزقهم عبر المنصة، وتثبت أن التكنولوجيا، مهما تعقدت، تظل رهينة للتوافقات السياسية ورأس المال الجريء.