تجلس على حاسوبك أو على هاتفك من على أريكتك، تفتح تطبيق "ChatGPT" وتطلب منه شرح مفهوم عشوائي لم تكن لتفهمه إلا بالبحث لساعات في أرجاء منتديات الإنترنت.

تحصل على رد فوري مخصص لك واضعًا في الحسبان معلوماتك السابقة وتفضيلاتك الشخصية، يشرح لك البوت كل ما تريد ويفعل المهمات الصعبة والروتينية في العمل بدلًا عنك بلا كلل أو ملل.

ولكن، كيف وصلنا إلى هنا؟ ما هي بدايات الذكاء الاصطناعي وكيف تغير وتطور على مدار العقود الماضية حتى وصلنا لمرحلة نتساءل فيها حقًا، هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ وهل ستسيطر الروبوتات المتطورة على العالم؟

1920: البدايات مع الروبوتات

لم يكن أول من ابتكر كلمة روبوت عالمًا أو مهندسًا يعمل على تقنيات متطورة، ولكن كان كاتبًا مسرحيًا يدعى اسمه كارل تشيبيك، حيث كتب عام 1920 - أي قبل أكثر من 100 عام - مسرحية بعنوان R.U.R تصور فيها مصانع تُنتج عمالًا اصطناعيين للقيام بالأعمال الشاقة، وأطلق عليهم اسم "Roboti" بالتشيكية، ومنها جاءت كلمة Robot.

صورة للروبتات في مسرحية RUR عام 1920 المصدر: villians wiki
صورة للروبتات في مسرحية RUR عام 1920 المصدر: villians wiki

لم يكن كارل متفائلًا بما اخترع في خياله، فمسرحيته تنتهي بثورة الروبوتات على البشر وفنائهم، للمفارقة هذا هو نفس الهاجس الذي أعادت السينما إنتاجه مرارًا حتى اليوم في أفلام مثل Terminator و Ex Machina و Her الذي عقد الكثيرون مقارنات بينه وبين أشياء مثل الصديقة الافتراضية على Grok! 

بعد سبع سنوات فقط في 1927، أخرج فريتز لانج فيلم Metropolis الذي قدم للعالم فيه "ماريا" أول روبوت أنثى في تاريخ السينما، وهو فيلم يصعب تصديق أنه صنع قبل قرن من الزمن حين ترى تصميمه البصري.

"ماريا" أول روبوت أنثى في تاريخ السينما

اقرأ أيضًا: الروبوتات من قصص الخيال العلمي إلى واقع يصنع المستقبل!

1950: هل يمكن للآلة أن تفكر؟

نتنقل إلى البدايات الفعلية وليس الخيال والأفلام، في عام 1950 كتب عالم الحاسوب الشهير آلان تورنج ورقة بحثية بعنوان Computing Machinery and Intelligence بدت في ذلك الوقت أقرب إلى الفلسفة منها إلى العلم، طرح فيها سؤالًا بسيطًا: "هل يمكن للآلات أن تفكر؟"

الرياضياتي وعالم الحاسوب آلان تورينج. المصدر: Walter Stoneman, Royal Society
الرياضياتي وعالم الحاسوب آلان تورينج. المصدر: Walter Stoneman, Royal Society

ولأن الإجابة المباشرة كانت مستحيلة، اقترح تورينج اختبارًا بديلًا عرف لاحقًا باسم اختبار تورينج وهو: إذا تحدث إنسان مع آلة ولم يستطع التمييز بينها وبين إنسان آخر، إذن فالآلة تفكر.

عبقرية هذا الاختبار أنه بسط السؤال الأصعب وهو "هل يمكن للآلة أن تفكر؟" إلى سؤال آخر يمكن الإجابة عنه.

بعدها في عام 1956، أي بعد وفاة تورنج بسنتين، جمع عالم اسمه جون مكارثي في كلية دارتموث بأمريكا مجموعة من العلماء لهدف بسيط: دراسة فكرة أن كل جانب من جوانب التعلم يمكن وصفه بدقة كافية لصنع آلة تحاكيه.

هناك في جامعة دارتموث، خرج مصطلح الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence لأول مرة، ويعتبر الكثيرون هذه هي اللحظة التي ولد فيها مجال الذكاء الاصطناعي.

جون مكارثي ورفاقه في ورشة عمل دارتموث. المصدر: عائلة ماكنزي
جون مكارثي ورفاقه في ورشة عمل دارتموث. المصدر: عائلة منسكي

لكن الأمور لم تسِر بسلاسة. جاءت عقود يصفها الباحثون بـ"الشتاء الأول والثاني للذكاء الاصطناعي"، فترات انكمشت فيها التمويلات وخابت فيها الآمال حين لم تحقق الوعود الكبيرة للذكاء الاصطناعي.

اقرا أيضًا: رحلة السيارات ذاتية القيادة: من محض جنون إلى أرض الواقع 🚗

1966: الشتاء الأول

في عام 1966، نشر تقرير من اللجنة الاستشارية للمعالجة التلقائية للغة ALPAC، وهي لجنة من الحكومة الأمريكية مختصة بتقييم التطورات في معالجة اللغة خلال فترة الحرب الباردة، حيث كانت الحكومة تنفق المال لإنشاء نظام ترجمة آلي من الروسية للإنجليزية.

نتائج تقرير ALPAC عن برامج الترجمة الآلية كانت الآتي: التكلفة أغلى والدقة أقل والسرعة أبطأ من الترجمة البشرية، ما أدى لإنقطاع التمويل الحكومي لتلك المشاريع بعد إنفاق حوالي 20 مليون دولار في وقتها.

تعد هذه اللحظة بداية الشتاء الأول للذكاء الاصطناعي.

1987: الشتاء الثاني

تعلم الباحثون من الشتاء الأول درسًا: بدلًا من تطوير آلة تفهم كل شيء، ابتكروا ما يسمى بالأنظمة الخبيرة "expert systems" وهي برامج متخصصة في مجال واحد فقط، تستند إلى قواعد يضعها خبراء بشريون من أمثال: "إذا كانت الحرارة فوق 38 والسعال مستمرًا فاقترح الفحص الفلاني." 

بدت فكرة رائعة، وانتشرت الأنظمة الخبيرة في الشركات الكبرى والمستشفيات والبنوك، واستثمرت فيها مئات الملايين، وأُنتجت حواسيب مخصصة لها عرفت بـ LISP machines.

نموذج للـ lisp machine. المصدر: Retro-Computing Society
نموذج للـ lisp machine. المصدر: Retro-Computing Society

لكن كانت هناك مشكلة بسيطة صغيرة، كل تحديث في المعرفة يستلزم العودة إلى الخبراء البشريين وتعديل القواعد يدويًا، ودفع تكاليف باهظة، وهناك مشكلة أخرى وهي أن هذه الأنظمة لا تفقه أي شيء على الإطلاق خارج حدود معرفتها والقواعد التي لديها.

أدى ذلك لانهيار شركة Lisp Machines عام 1987، ووجدت شركات عديدة نفسها أمام أنظمة خبيرة لا تعمل كما هو المطلوب، بدأت موجة تشكيك جديدة. وفي غضون سنوات قليلة، تبخرت مليارات الدولارات من التمويل مرة أخرى.

1997: صدمة Deep Blue

بعد ما يُعرف بـ AI Winter، وقع حدث هزّ العالم عام 1997؛ إذ تمكن حاسوب Deep Blue من شركة IBM من هزيمة بطل العالم في الشطرنج آنذاك Garry Kasparov في مباراة رسمية.

كان الشطرنج يُعدّ تاجًا للذكاء الإنساني، فهو لعبة استراتيجية تتطلب حدسًا وتفكيرًا عميقين. لكن تلك المباراة غيّرت هذه الصورة؛ إذ تمكن حاسوب من التفوق على إنسان في واحدة من أعقد الألعاب الذهنية. وحتى إن كاسباروف اتهم IBM في حينه بالغش وطلب مراجعة سجلات الحاسوب، لكن التحقيقات لم تُظهر أي تلاعب، ليتضح في النهاية أن الهزيمة كانت حقيقية بالفعل.

غاري كاسباروف ضد حاسوب deep blue.المصدر: Adam Nadel/AP
غاري كاسباروف ضد حاسوب deep blue.المصدر: Adam Nadel/AP

ربحت الآلة، لكن الأهم هو أنها ربحت بطريقة "غير ذكية"، لأنها تحسب ملايين الاحتمالات في الثانية بدلًا من أن تفكر أو تتعلم أنماط جديدة ومختلفة. 

2012: شرارة التعلم العميق

عام 2012، حين قدم فريق بحثي من جامعة تورنتو بقيادة جيفري هينتون نموذجًا اسمه AlexNet الذي أعطى أداء لم يسبق في التعرف على الصور، حيث كانت نسبة الخطأ 15% فقط! وهو أقل بـ 10% كاملة من أفضل نموذج آخر موجود. 

صورة توضح بنية alexnet المصدر: Medium
صورة توضح بنية alexnet المصدر: Medium

السر كان في استخدام تقنية التعلم العميق Deep Learning، وهي تقنية ليست جديدة نظريًا، لكنها صارت ممكنة عمليًا بفضل قوة الحوسبة المتاحة وكميات البيانات الهائلة التي أنتجها الإنترنت، حيث اعتمد الفريق على قاعدة بيانات ImageNet التي شملت أكثر من مليون صورة مصنفة! 

2017: الانتباه!

عام 2017، جاءت الورقة البحثية الأهم في العقد الأخير بعنوان "Attention Is All You Need" من فريق جوجل DeepMind، التي قدمت بنية المحوّل (Transformer) وهي ببساطة حجر الأساس لجميع النماذج اللغوية الكبيرة LLMs مثل GPT وجيميناي وغيرها. 

2022: شات جي بي تي

في 30 نوفمبر 2022، أطلقت OpenAI رسميًا بوت الدردشة ChatGPT بشكل تجريبي محدود، ولكن سرعان ما انتشر كالنار في الهشيم، حيث وصل إلى مليون مستخدم خلال خمسة أيام فقط، وهو رقم استغرق فيسبوك عشرة أشهر لبلوغه.

لم يكن ChatGPT جديدًا من الناحية التقنية البحتة، فـGPT-3 كان موجودًا من 2020، لكن الجديد كان جعل الوصول إليه سهلًا لأي شخص عبر واجهة محادثة مألوفة، ومن هنا بدأ عصر آخر للذكاء الاصطناعي هو الذي نعيشه حاليًا.

2025: الوكلاء 

مؤخرًا رأينا توجها كبيرًا من الشركات نحو فكرة وكلاء الذكاء الاصطناعي AI Agents التي تعمل بمبدأ مختلف كليًا: أنت تعطيهم هدفًا لا سؤالًا، وهم يُفككون هذا الهدف إلى مهام، يخططون للخطوات، يستخدمون أدوات خارجية (كالبحث على الإنترنت وكتابة الكود وقراءة الملفات وإرسال الإيميلات)، ويتعاملون مع نتائج كل خطوة قبل الانتقال للتالية.

وقد رأينا مؤخرًا وكيل OpenClaw والضجة الهائلة التي حدثت بسببه وبسبب قدراته، حتى أن ميتا استحوذت على منصة تواصل اجتماعي للـ AI Agents رسميًا.

أين نحن الآن وكيف يبدو المستقبل

هناك ما يعرف بـ innovation s curve وهو رسم بياني يصف ظهور التقنيات الجديدة وتطورها. 

Typical-technology-S-curve

يبدأ المنحنى بظهور التقنية؛ ففي البداية تكون قدراتها محدودة ولا يعرفها سوى الباحثين والمتخصصين. ومع مرور الوقت يحدث تطور سريع وكبير في قدرات التقنية وفي معرفة الناس بها، حتى نصل إلى ما يُعرف بـ نقطة الانعطاف (Inflection Point)، حيث يبدأ معدل التطور بعدها في التباطؤ تدريجيًا، بينما يزداد نضج التقنية ويصبح اعتماد الناس عليها أكبر.

خذ الهواتف الذكية مثالًا على ذلك؛ ففي البدايات لم تكن قادرة على فعل الكثير، كما لم يكن انتشارها واسعًا. ثم شهدنا مرحلة من التطور المتسارع، حيث كانت المنافسة بين الشركات شديدة، وتظهر ابتكارات جديدة كل عام. أما اليوم، فأصبح من الصعب ملاحظة فروق كبيرة بين هاتف هذا العام وهاتف العام الماضي.

في رأيي، قد نكون مررنا بالفعل بنقطة الانعطاف في مجال الذكاء الاصطناعي، أو أصبحنا قريبين جدًا منها. فالتطورات في النماذج باتت أقل وضوحًا مقارنة بما كان يحدث في الماضي. وأرجح أن تطور النماذج اللغوية سيصبح أكثر محدودية خلال الفترة المقبلة، مع انخفاض تدريجي في تكلفتها.

لكن من جهة أخرى، قد يعني الوصول إلى هذه المرحلة أننا سنبدأ في رؤية المزيد من التطبيقات المفيدة فعلًا للذكاء الاصطناعي في حياة الناس، بدلًا من الاكتفاء بميزات بسيطة أو ملخصات طويلة لا تقدم قيمة حقيقية.