في عالم تتشابك فيه خيوط التكنولوجيا مع لعبة القوة والمال، يجد العمالقة أنفسهم أحيانًا على خطوط النار في معارك قانونية معقدة. هذه المعارك ليست فقط عن الأرباح والسيطرة على الأسواق، بل تدور حول تحديد مستقبل الابتكار والتحكم في العالم من خلال التكنولوجيا، وفي قلب هذه الزوبعة وضعت Epic Games نفسها وجهًا لوجه مع عملاقين من عمالقة التكنولوجيا: أبل وجوجل، ولكن الغريب في الأمر أن مسار النزاع اتخذ اتجاهات متباينة مع كل شركة رغم أنه يدور حول نفس القضية، فكانت النتائج مختلفة بشكل ملفت ومثير للاهتمام، ولفهم هذا الصراع المعقد بين Epic Games وكل من Apple وGoogle؛ يجب أن نأخذ خطوة للوراء وننظر إلى السياق الأوسع لهذا النزاع ولماذا فازت آبل القضية بينما خسرت جوجل نفس القضية.

هل تعلو آبل على القانون؟

لقد شهدنا على مدى السنوات القليلة الماضية معركة قانونية وتجارية ضخمة استمرت لثلاث سنوات بين ثلاث عمالقة، تمحورت حول نموذج تشغيل متاجر التطبيقات بشكل عام والطريقة التي توزع بها الأرباح وكيفية تطبيق الرسوم على المطورين، وقد بدأت المعركة في الأساس بتقدم Epic Games (الشركة المطورة للعبة Fortnite الشهيرة) لتحدي النموذج التجاري المتبع لدى متاجر التطبيقات والألعاب الخاصة بكل من آبل وجوجل، والذي بنيّ جزئيًا على فرض عمولة بقيمة 30% على كل عمليات الدفع التي تتم من خلالها (بما في ذلك عمليات الدفع مقابل المشتريات والاشتراكات)، حيث رأت Epic أن العمولة المفروضة غير عادلة، واضعة حجتها بأن تلك العمولة تفقدها الكثير من الأموال التي قد تسبب لها خسائر لا داعي لها، وأن تلك الشركات لا تستحق الحصول على تلك النسبة من الأساس، وقد شككت فيما إذا كانت تفرض تلك الرسوم على كل المطورين بنفس القدر أم أن هناك استثناءات، قائلة أن Apple - مع بعض الأدلة التي قدمتها للمحكمة - تفرض 15% فقط على عدة شركات مقربة منها مثل أمازون.

إيبك - التي كانت تسعى للاحتفاظ بنسبة أكبر من الإيرادات التي تحققها من ألعابها على الهواتف - وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع القوانين والسياسات المالية لمتاجر التطبيقات بعد رد فعلها المفاجئ الذي حدث يوم الثالث عشر من أغسطس 2020، حينما بدأت في تنفيذ حملتها الممنهجة (التي كانت مجهزة مسبقًا) فور إزالة لعبتها 'فورتنايت' من متجري App Store و Play Store، ذلك بعد أن أوقعت إيبك جيمز الشركتين في الفخ، بتعمدها مخالفة قوانين المتجرين؛ لفتح باب المعركة ورفع قضيتها التي اتهمت فيها كلا الشركتين بالسلوك الاحتكاري، مسلطة الضوء على القوة التي تمتلكها الشركات الضخمة في هذه الصناعة وتأثيرها على المنافسة.

هذه المعركة كانت أكثر من مجرد نزاع حول العمولات، إذ كانت تمثل تحديًا للنظام البيروقراطي الذي فرضته شركات التكنولوجيا العملاقة على الشركات الأصغر، وفي هذا السياق أصبحت Epic Games رمزًا للتمرد والمقاومة في وجه ما يُعتبر بمثابة احتكار للسوق وتقييد للابتكار والمنافسة، لكن من المهم أيضًا الإشارة إلى أن Epic Games لم تكن تسعى فقط لتحسين أوضاعها المالية من خلال السعي في هذه القضية، بل كانت تحاول أيضًا إحداث تغيير أكبر في السوق يفيد مجتمع المطورين ككل - على الأقل هذا ما كانت تحاول الشركة أن ترسمه في عقول الشهود؛ لحشد مؤيدين لها وجمع مساندة من الرأي العام.

خطوة Epic Games كانت جريئة وغير تقليدية عندما حاولت تجاوز النظام، هذه الخطوة لم تكن مجرد تحدٍ للسياسات الداخلية لهاتين الشركتين، بل كانت تمثل تحديًا للنموذج الاقتصادي القائم على مستوى الصناعة عمومًا، وكانت محاولة لإعادة تشكيل قواعد اللعبة في عالم التطبيقات، لكنها لم تنجح في إحداث تغيير يمكن ذكره، حيث أنها في عام 2021 خسرت معركتها القضائية مع آبل، بعد أن تقدمت آبل بكل الحجج والاثباتات التي تعفيها من النظر لمسألتها برؤية الاحتكار، وإنما أدلت آبل على أن كل أفعالها في صالح المستخدم، وقد حكم القاضي في النهاية بأن Epic Games لم تثبت أن Apple كانت تعمل في سياق احتكاري غير قانوني، وذلك بمثابة تبرئة كاملة من التهم، لكنه ترك فقط الباب مفتوحًا لمن يريدون مقاضاة Apple على أسس مماثلة في المستقبل.

الغريب أن في منتصف ديسمبر من هذا العام فازت Epic Games بشكل حاسم في قضيتها ضد جوجل، نفس قضيتها مع آبل، ما أدى إلى تساؤل العديد "لماذا؟"، وذلك سلط الضوء على الاختلافات الواضحة في كيفية تعامل كل من Apple و Google مع متاجر التطبيقات وسياساتها.

جوجل هي من أوقعت نفسها في مشاكل لا نهاية لها:

في قضية Google، أثبتت Epic Games بشكل أكثر فعالية أن Google استخدمت مكانتها بشكل احتكاري غير عادل، حيث أدى نهج جوجل المتبع في "Project Hug" ("مشروع العناق" الذي كانت تعامل فيه جوجل بعض المطورين البارزين بشكل مختلف عن الآخرين) إلى تسليط الضوء على التناقضات والممارسات غير العادلة التي اتبعتها الشرك، والاختلافات في الحالات والمحاكمات كانت واضحة، ففي حين أن قضية Apple كانت محاكمة أمام قاضٍ فقط، كانت قضية Google أمام هيئة محلفين.

حُكم على جوجل بدفع 700 مليون دولار لتسوية قضية الاحتكار التي خسرتها أمام إيبيك، وقد ذكرت شركة إيبيك في منشور لها على مدونتها الرسمية أن هذا الحكم بمثابة نصر لكافة المطورين، وفعليًا إن كنت تبحث عن الفرق بين موقف آبل أمام موقف جوجل؛ فالإجابة هي أن جوجل كانت تمارس بعض الأساليب الغير قانونية للحفاظ على هيمنتها، وذلك من خلال "دفع الرشاوى" لبعض المطورين المهمين للبقاء داخل الأيكوسيستم الخاص بـ Google Play، وأفعال جوجل على وجه العموم مع مختلف قطاعاتها الداخلية قد عكست وجود تخوفات بداخلها بشأن قدرة منتجاتها على الصمود في وجه المنافسة. 

الأساليب التي استخدمتها جوجل في محاولة الحفاظ على هيمنتها تظهر عدم ثقة الشركة في النموذج الاقتصادي الذي تعتمده، وقد أظهرت القضايا الأخيرة التي تواجهها جوجل نمطًا مقلقًا يتمثل في استخدام الشركة لمكانتها في السوق بطرق تعتبر غير عادلة أو حتى احتكارية لفرض نفسها، وهذا الأمر لا يؤثر فقط على المنافسين، بل يمتد تأثيره ليشمل المستهلكين والاقتصاد بشكل عام. جوجل استغلت مكانتها لتهميش بعض المنافسين وإضعاف قدرتهم على الوصول للمستهلكين من خلالها.

أكُل ما في الأمر هو بيع التطبيقات والألعاب؟:

ما يحدث في قضايا مثل Epic ضد Google وApple ليس مجرد مواجهات قانونية عابرة، وقد لا تؤثر على سياسات استخدام متاجر التطبيقات فقط، بل يمكن أن يكون لها تأثيرات بعيدة المدى على طريقة سير الأعمال داخل شركات التكنولوجيا على وجه العموم، حيث قد تحمل هذه القضايا في طياتها القدرة على إعادة تشكيل المشهد التكنولوجي والتجاري العالمي بأسره، ويمكن أن تُحدث التغييرات الناجمة عن هذه القضايا تحولات كبيرة في كيفية تفاعل الشركات التكنولوجية مع المطورين والمستهلكين.

في عالم يزداد ترابطًا ويعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا الرقمية تصبح الطريقة التي تدير بها الشركات الكبرى (مثل جوجل وأبل) أعمالها أمرًا حاسمًا، ليس فقط لنجاحها التجاري، ولكن أيضًا للتأثير الذي يمكن أن يحوم على الاقتصاد والمجتمع بشكل عام. 

التغييرات المحتملة في متجري التطبيقات لكل من Apple و Google ستؤدي إلى تأثيرات ملموسة على العديد من الجوانب، بدءًا من كيفية تحقيق الأرباح للمطورين الأصغر حجمًا وصولًا إلى كيفية تفاعل المستهلكين مع التطبيقات والخدمات الرقمية، وإلى جانب ذلك فإن الضغوط التي يمارسها المنظمون الدوليون على هذه الشركات تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل المستقبل. القوانين والتنظيمات في مختلف الدول يمكن أن تؤثر بشكل كبير على كيفية تشغيل هذه الشركات وكيفية تفاعلها مع الأسواق العالمية، مع الأخذ في الاعتبار أن العديد من هذه الشركات تعمل على المستوى العالمي، فإن التغييرات التنظيمية في منطقة ما يمكن أن تكون لها تداعيات في أماكن أخرى.

وفي النهاية من المهم التأكيد على أن التغييرات التي قد تطرأ على متاجر التطبيقات لن تكون فقط نتيجة للقضايا القانونية الحالية، ولكنها ستكون أيضًا نتيجة للتطورات التكنولوجية والتغييرات في سلوك المستهلكين، وهي حتمية لا محالة.